الاتحاد

الملحق الثقافي

هيروشيما! هيروشيما!

الثابت تاريخيا أن محمود درويش قد كتب قصيدة ''مديح الظلّ العالي'' بعد أن عاش تجربة حصار بيروت وخروج المقاومة إلى التيه وخراب البيوت (صبرا وشاتيلا)· لذلك طفح النص بالتشهير· والثابت أيضا أن بيروت قد تآمر عليها يومَها العدوُّ والصديقُ ولم يتخلّف الشقيقُ أيضا عن الجنّاز· لذلك جاء الكلام معناه في ظاهر لفظه لأن الغاية منه الفضح والإشهاد· نقرأ: ''هيروشيما هيروشيما/ وحدنا نصغي إلى رعد الحجارة هيروشيما/ وحدنا نصغي لما في الروح من عبث ومن جدوى/ وأميركا على الأسوار تهدي كل طفلٍ لعبة للموت عنقوديةً/ نفتح علبة السردين تقصفها المدافع''·
يعود درويش إلى الموضوع ذاته في قصيدة ''خطبة الهندي الأحمر ما قبل الأخيرة أمام الرجل الأبيض'' وتصبح الكتابة مساءلة للتاريخ ولما يتكتّم عليه من عذابات بني البشر· لن يحدّث درويش في هذه القصيدة عن تغريبة الفلسطيني المعاصر بل سيتقرّى ما كان من أمر الهنود الحمر الذين أرغموا على الغياب· يشير في فاتحة نصه إلى أنه استلهم خطبة الزعيم الهندي الأحمر سياتل سمفٌُُّّم وهي خطبة جنائزية رثى فيها بني قومه ورثى الأرض التي سيرثها الرجل الأبيض ويعيث فيها تخريبا وفسادا· لذلك ترد العديد من المشاهد واللوحات لتتوسّع في وصف عالم الهنود الحمر وما يزخر به من بهاء سيَّجوا به حياتهم، وجمال أثّثوا به الدنيا من حولهم·
كان درويش يدرك تماما أن الإبادة التي حصلت لا تخصّ الهنود الحمر وحدهم، بل تخصّ الشرط الإنساني في جميع الأزمنة والأمكنة· لذلك تتشكل القصيدة في شكل نشيد أسود طافح بالإشهاد على أن الرجل الأبيض زارع خراب حيث حلّ· فما حدث لسكان أميركا الأصليين كان يمهّد لميلاد انسان غربي جديد، انسان يعرف ما يريد، ويخطّط لما يريد· إنه ابن النهضة الأرووبيّة وسليل عصر الأنوار الذي ينهض جامعا إلى هوس الملك ميداس بالذهب، روح فاوست ولعنته الكبرى· ويفتتح تاريخ تدمير الثقافات وسيادة الهمجيات· تتشكل قصيدة درويش قائمة على تعدد الأصوات· وترد في شكل محاورة مثلّثة الأبعاد تجري بين حاكم واشنطن إسحاق ستيفنز الذي جاء يسلب الهنود أرضهم، والزعيم الهندي سياتل· وكثيرا ما يتماهى صوت درويش مع صوت سياتل· فتتماهى تغريبة الفلسطيني مع تغريبة الهنود· ويتداخل الحاضر مع الماضي، ويتماهى الوجه البشع للجريمة التي حدثت في الماضي مع الجريمة التي ما تفتأ تسطّر بالدم فصولها في فلسطين· هذا التماهي بين الفلسطيني والهندي الأحمر هو الذي يفتح الماضي على الحاضر· فيأتي صوت الفلسطيني ليمكّن الهندي الأحمر من العودة ثانية ليتعقّب جلاّديه· هذا التماهي هو الذي يخلق نوعا من التوازي المروّع بين مأساة شعب أُرغم على السقوط في عتمة الغياب، ومأساة شعب آخر يُطلب منه أن يختفي ويزول· حتى لكأن الماضي أشبه بالحاضر من الماء بالماء، كما يعبّر ابن خلدون

اقرأ أيضا