الاتحاد

تقارير

النمسا.. أصداء استقالة «فايمان»

في الخريف الماضي فقط، دافعت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ونظيرها النمساوي «فيرنر فايمان» عن اللاجئين السوريين الباحثين عن ملاذ في أوروبا؛ غير أنه لم يمر وقت طويل حتى تراجع كلاهما عن ذاك الموقف. واليوم، استقال «فايمان» بسبب ضغوط داخل حزبه من أجل فتح الطريق أمام إمكانية تشكيل ائتلاف مع «حزب الحرية» المناوئ للهجرة؛ ويجدر بميركل أن تأخذ العبرة من مصيره وتستخلص منه العبر الصحيحة، ولعل أهمها أن ثمن عدم الثبات على القناعات والمبادئ يمكن أن يكون باهظاً جداً.
فقبل اتفاق الاتحاد الأوروبي مع تركيا، الذي قطع فعلياً طريق البلقان على اللاجئين والمهاجرين الذين يريدون بلوغ بلدان أوروبا الغربية والشمالية، كانت النمسا آخر بلد يعبره المهاجرون في طريقهم إلى ألمانيا، حيث ستستقبلهم ميركل بالترحيب، كما كانوا يعتقدون. لقد كانت بلد عبور، ولكن بعض الوافدين الجدد قرروا المكوث فيها – حيث تلقت 88 ألفاً و151 طلب لجوء، وهو عدد أكبر مقارنة مع أي وقت في التاريخ الحديث. وبالطبع، فقد قبلت ألمانيا 442 ألف طلب لجوء جديد العام الماضي، واستقبلت فعلياً عدداً أكبر بكثير من هذا العدد – نحو 1.1 مليون لاجئ - وبالتالي، فإن مكاتب الهجرة مازالت تغص باللاجئين. وإذا كانت ألمانيا بلداً أكبر من النمسا بكثير، فإن كل واحد منهما أضاف أكثر من 1 في المئة إلى سكانه.
بيد أن النمساويين كانوا أقل استعداداً لهذا من الألمان. فبينما تُظهر أرقام منظمة العمل الدولية أن البطالة الألمانية انخفضت إلى 4.2 في المئة في شهر مارس، مقارنة مع 4.8 في المئة خلال الشهر نفسه من السنة الماضية، فإنها ارتفعت في النمسا إلى قرابة 11 في المئة في يناير، قبل أن تنخفض إلى 9.1 في المئة في أبريل، وهو المعدل نفسه المسجل خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، وفق المعهد النمساوي للبحوث الاقتصادية، الأمر الذي أتاح فرصة أكبر للشعبويين النمساويين لتحميل المهاجرين مسؤولية متاعبهم الاقتصادية.
اليوم، يسجل «حزب الحرية» اليميني الشعبوي أكثر من 30 في المئة، متقدماً بكثير على حزب فايمان، «الديمقراطيين الاجتماعيين»، الذي يقود الائتلاف الحاكم مع «حزب الشعب» المنتمي ليمين الوسط. وإذا كانت ثمة انتخابات مبكرة – وهو أمر وارد جداً نظراً للتحول الكبير في شعبية الأحزاب – فالأرجح هو أن «حزب الحرية» هو الذي سيحتل المرتبة الأولى ويُطلب منه تشكيل حكومة.
وعلاوة على ذلك، واجه «فايمان» ضغوطاً من اليسار أيضاً؛ حيث يبدو أن أعضاء الحزب «الليبرالي» غير قادرين على مسامحته على تغيير موقفه من مسألة اللاجئين.
ففي سبتمبر 2015، وقف «فايمان» إلى جانب ميركل في برلين أثناء إلقائها خطابها الشهير الذي قالت فيه: «إذا كان يجب أن نعتذر عن اتخاذ موقف ودي في حالة طوارئ، فإن هذا ليس بلدي». ويومها، رد «فايمان» بكلمات عاطفية رقيقة قائلا: «إنني ممتن لكم جداً لأنكم لم تترددوا في اتخاذ هذا القرار».
بيد أنه لم يبدُ ممتناً كثيراً بحلول نهاية العام؛ حيث دعا إلى خفض جذري لتدفق اللاجئين، فأغلق أبواب النمسا مؤقتاً وبنى جداراً على الحدود مع سلوفينيا. وفي مارس الماضي، انتقد حليفته الألمانية السابقة قائلا: «إن سياسة ميركل يمكن أن تؤدي إلى الإضرار بالنمسا»، مضيفاً أنها «غير منصفة» وأنه لا يريد أن تصبح النمسا «منطقة عازلة بالنسبة لألمانيا».
واليوم، لم يعد «الديمقراطيون الاجتماعيون» النمساويون يفهمون لماذا يعارض «فايمان» اتفاقاً مع «حزب الحرية»، وخاصة أن «اليمينين الشعبويين» لديهم الموقف نفسه تقريباً من ميركل ومن فتح أبواب البلاد للاجئين.
ولعل هذا ما دفع «فايمان» للقول أثناء تنحيه عن منصبه يوم الاثنين الماضين: «إن هذا البلد يحتاج لمستشار يحظى بدعم كامل من حزبه»، ولكنه واصل الدفاع عن موقفه المتشدد من الهجرة الذي لم يعد منطقياً بحلول ذاك الوقت نظراً للاتفاق التركي الفعال؛ حيث تشير أرقام الأمم المتحدة إلى أن 121 لاجئاً فقط وصلوا إلى النمسا عبر طريق البلقان في الثامن من مايو، مقارنة مع معدل يناهز ألفي لاجئ في فبراير.
وبالطبع، فثمة اختلافات مهمة بين وضع ميركل في ألمانيا ووضع فايمان في النمسا. ذلك أن ميركل تتزعم حزباً من يمين الوسط، وليس حزباً من يسار الوسط؛ وبالتالي، فإن محاولاتها للحد من تدفق اللاجئين قوبلت بتفهم أكبر من قبل أعضاء الحزب والناخبين الأساسيين. صحيح أن حزب المستشارة الألمانية، «الاتحاد الديمقراطي المسيحي»، تراجع في استطلاعات الرأي، إلا أنه مازال أكبر حزب في البلاد؛ كما أنه لا يوجد له منافس على اليمين.

*محلل سياسي روسي مقيم في برلين
ينشر بترتيب خاص مع خدمة واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس

اقرأ أيضا