الاتحاد

الملحق الثقافي

إبراهيم الكوني·· الإصرار على جدل المدينة والصحراء عبر اللغة

الرواية كائن افتراضي يقارب الرمز والواقع في آن واحد ويمتلك في جميع الأحوال قوانينه الخاصة خارج حدود الاشتراطات المقننة، وفي ضوء ذلك يمتلك هذا الكائن حرية لا متناهية في خلق عوالمه، إنه عالم من التشكل المغاير لا يستقر على نمط ثابت، حتى أن الحقيقة لديه تبدو نسبية غير مطلقة، لا يحاكم بمدى صدقه أو كذبه وبذلك يقرأ رينيه جيرار سمات هذا الكائن في كتابه ''الكذبة الرومانسية والحقيقة الروائية'' فيؤكد استحالة الإمساك بهذه الخرافة التي تقنعنا بحقيقتها على الورق·
وربما نعد هذا الافتراض جزءاً من التلاعب على الواقع من جهة ومن جهة أخرى الاشتغال على ما يجعل الافتراض ذاته افتراضاً أيضاً·
في رواية ''مَنْ أنت أيها الملاك ؟ للروائي الليبي إبراهيم الكوني والصادرة عن ''دبي الثقافية'' والتي تحمل التسلسل 66 من أعماله الروائية والأدبية المختلفة ما يجعلنا نطرح الكثير من التساؤلات حول قوانين الافتراض تلك، وما دلالاتها وأشكالها وإلى أي مدى تقترب من الواقع بل وتبتعد عنه، ثم ما ضرورة أن يخلق نص، كل ما فيه خاضع لغياب متوالٍ للدلالة، حينما يغرق في رموز لا نهاية لها· هذا بالإضافة إلى إمكانية تأويل النص إلى مراجع متعددة الاتجاهات منها ما هو فلسفي أو ديني أو حضاري أو سوسيولوجي·
الحياة بلا اسم
الرواية تحكي قصة رجل اسمه ''مسي'' يعيش في مدينة لا يعرف اسمها، مدينة مجردة من الاسم، يأتي إلى دائرة السجل المدني ليتحصل على وثيقة رسمية لابنه الوليد الجديد الذي أطلق عليه اسم ''يوجرتن''، ويفاجأ باندهاش موظف السجل المدني كما أن المدينة هي الأخرى بلا اسم ولكي يبقى الوليد طيلة الرواية غير معترف به بلا اسم يطلب موظف السجل منه أن يبدل هذا الاسم المقترح، فيصر ''مسي'' على اختياره حتى لتصبح هذه القضية محور هذا العمل الذي اقيم على افتراض مدعوم بمقولتين، الأولى ليهرودوت الذي يقول ''مسافة عشرة أيام آخر من أرض الجرمنت، تنتصب رابية ملح أخرى مطوقة بالمياه والبشر، اسم هؤلاء هو ''اترانتا'' لأنهم الأمة الوحيدة من بين كل الأمم المعروفة لدينا، لا تنتحل لأفرادها أسماءً منفردة، بل تكتفي باطلاق اسم واحد على كل أبنائها هو اترانتا'' وثانياً إلى بلوتارك في ''محفل الحكماء السبعة'' الذي يقول ''إنه لا يمتلك بيتاً، بل ويتباهى بأنه لا يمتلك بيتاً، يسرح في البرية بالحرية ذاتها التي تسرح بها الشمس في مدارها، فترتاد هذا الجانب من السماء مرة، كما ترتاد ذاك الجانب من السماء مرة أخرى''·
ولأن موظف السجل المدني لم يقتنع بالاسم ''يوجرتن'' يؤجل البت في قبول شهادة ميلاد الطفل ويواظب ''مسي'' على الحضور يومياً طلباً لاستحصال وثيقة رسمية في السجل المدني ويفاجأ باختفاء الموظف وتجاهل الموظفين الآخرين لمعاملته وتستمر الحال حتى بعد أن قابل رئيس الدائرة· ولم يستطع لذلك سبيلاً ويخبر بأن اسم ''يوجرتن'' غير موجود في قائمة الأسماء التي نزلت من سلطة أعلى والمفترض الالتزام بها، وبعد إصرار مضن يلتقي ''مسي'' بمجموعة اطلق عليهم بـ''أعضاء المحفل'' التي رفضت طلب التسجيل أيضاً، وتبدو أن قضية ''مسي'' ليست الوحيدة المعقدة في دائرة السجل المدني حينما يكتشف رفيق له اسمه ''موسى'' اعترضت الدائرة على اسم ابنته ''مريم'' الذي لا وجود له في قائمتهم·
ويبقى الأمر هكذا، فتموت أم يوجرتن وتتوطد الصداقة بين مسي وموسى وتتعقد القضية ويشب يوجرتن بلا اسم وكذلك مريم بالضرورة، إلا أن الكوني بقي محصوراً لمعالجة قضية ''مسي'' واسم ابنه ولم يزامن هذه القضية مع إشكالية اسم ''مريم'' حيث يظهر يوجرتن وقد كبر بلا مدرسة ولا معرفة أما مريم فلم تظهر شخصيتها بالنص مطلقاً إذ ظلت غائبة بلا معاناة يمثلها شخصية الوكيل الذي ينوب عنها ''موسى الأب''، وبذلك تبدو سلطة الذكورية واضحة في مجتمع تزيح الرواية الافتراض هنا لتلجأ إلى الواقع وبنيته الذكورية فتتخلل كل هذه الحكاية الافتراضية حوارات فلسفية وكونية وأخلاقية واحتجاجات وآراء يظهر من خلالها ''مسي'' مفكراً وجدلياً هذا بالإضافة إلى ثقافة الآخر المجهول من حشد الموظفين الذين اتفقوا على الدفاع عن فكرة واحدة هي عدم قبول اسم ''يوجرتن''·
آراء في الإنسانية والأخلاق والموت والحياة والمدينة والدولة ومسي يبحث عن وثيقة لابنه الذي بدأ يكبر بلا وثيقة تؤكد اجتماعيته، وفي كل ذلك يصر ''مسي'' على اسم ''يوجرتن'' بطل الأبطال بلغة الصحراء التي يحن لها مسي دائماً لأنها تملك سر الخلود ما دامت الشاهد الوحيد على النبوءة، أما المدينة من وجهة نظره فهي التشويه والآلام·
وعندما يتعرض يوجرتن للحبس بعد أن تشاجر مع شخص يقرر مسي العمل كدليل صحراوي في شركة استكشاف النفط في الصحراء ليأخذ ابنه بعيداً عن المدينة ما دامت تلك الصحراء الواسعة لا تعترف بالأسماء، كونها الحرية التي لا يتقيد فيها الفرد بقوانين صارمة كما هو الحال في المدينة، ويبدو أن قبوله لهذا العمل جاء بعد اتفاق مع رئيس الشركة صاحب النفوذ في المدينة أن يستعيد لابنه اسمه،، ليودع موسى الذي أخبره بأن قضية ''مريم'' قد حلت مع دائرة السجل المدني·
في الصحراء يطلع مسي ابنه يوجرتن على الحجر المقدس الذي يحمل سر بقاء الصحراء وسحرها، ويلتقي فجأة بشخص يدعى ''نزيه الفاضل'' ''لاحظ دلالة الاسم التي تبدو معكوسة إذا ما عرفنا أن هذا الشخص هو ذاته موظف السجل المدني الذي رفض تسجيل ''يوجرتن'' في بداية الرواية وقد تم فصله عن العمل بسبب اعطائه لـ''مسي'' وصلاً بالاستلام الذي يعد دليلاً على الدائرة كونها أنجزت المعاملة صحيحة وبالموافقة عليها·
تبقى قافلة الاستكشاف يومين في تلك البقعة في الصحراء وينتهي العمل لتعود إلى المدينة ''المدينة مجردة من الاسم بقصدية الكاتب وكأنه يشير إلى إمكانية تحول هذه المدينة الشبحية إلى أي مدينة أخرى لا تعترف إلا بقوانين منزلة على الجميع الالتزام بها'' بالمقابل تغيب الأسماء عن الآخرين، أما الصحراء فهي الأماد التي لا تستطيع السلطة أن تمد يدها إليها، إنها حرية التحولات والهجرة والنبوءة والسر الأعظم الذي يتحكم في كينونتها·
يكتشف مسي بعد رجوعه إلى المدينة أن السلطة تلك قررت ترحيله فيقرر بيع بيته فيطلب من ''يوجرتن'' أن يهاجرا معاً إلى الصحراء فيرفض الابن ويلجأ إلى مجموعة اطلقت على نفسها تسمية ''المحفل'' ويكتشف ''مسي'' سرقة الحجر المقدس من قبل ''الباي'' صاحب شركة استثمار النفط الوهمية وخيانة صديقه ''موسى'' وابنه يوجرتن الذي قاد ''الباي'' إلى مكان الحجر بعد أن أطلعه أبوه ''مسي'' عليه، هنا يقرر ''مسي'' أن ينهي عذاباته فيقرر قتل ''يوجرتن الابن'' وهذا ما يحصل في نهاية الرواية·
الصحراء/ الملجأ
يناصر الكوني الصحراء ويعتبرها ملجأ الإنسانية الرحب إذ ''لم يحدث في تاريخ الصحراء أن نجت من الفناء إلا القبيلة التي استجارت بالصحراء في حين هلكت كل القبائل التي استجارت بالمدن أو الواحات أو الهجرة إلى بلدان الجوار''، ولأن عالم الصحراء هو الأكثر هيمنة طوال تاريخ قص الكوني تبدو آلية الاشتغال على جزء الصحراء في الرواية هذه نتاجاً تناصياً داخلياً لأدب الكوني نفسه، إذ لا نجد فيه الملامح الدقيقة لحركة الصحراء وعوالمها التي بثت في أعماله السابقة، هذا من جانب أما المدينة فتبدو بتغييب اسمها عن النص الروائي كأن الكوني قد مارس فعل التغييب نفسه الذي سنته دائرة السجل المدني ولكن بدوافع مختلفة·
ولأن إبراهيم الكوني يحاول الاشتغال على ما هو هامشي في الواقع، كي يصبح مركزاً في الرواية تراه يثير التساؤلات ويطرح الأجوبة وجميعها بمستوى معرفي واحد حتى لو اختلفت مستويات ثقافة شخوصه إذ تبدو المعرفة هنا هي نتاج عقلي للمبدع ذاته حتى لتبدو الحجج والاعتراضات ذات منطق واحد فيه من الذكاء ما لا نستطيع أن نفرق مستوياته ولأنه استمرأ لعبة الصحراء كتابة تراه يبث أسراراً تعطي روايته نكهة التلذذ بها حيث يرى أن ''الصحراويين يستميتون في إخفاء وجوههم بأقنعة القماش ظناً منهم أنها تستطيع أن تخفي الروح أيضاً إلى جانب الوجه''·· كما يقول نزيه فاضل في حواره مع مسي الذي يرد ''واضح أنهم أخفقوا في هذا وإلا لما احتاجوا إلى أن يستبدلوا بقناع القماش قناعاً آخر أقوى مفعولاً''·
ولأن الكوني يلعب في روايته على غياب الاسم تراه لا يعطي شخوصه من أبطال السجل المدني أسماءً بل يكتفي بالصفة إليهم وكأنه يبادلهم التغييب وهي في كل الأحوال ترتمي في أحضان التجريد بشكل فاعل وخاصة في المدينة التي تغرب الإنسان وتحيله إلى وهم عدمي أما الصحراء فهي الوجود الذي لا يحتاج إلى اسم ''قررت أن نترافق في رحلة الصحراء حرصاً عليك، لأنك في الصحراء تستطيع أن تضع لنفسك اسماً أو فلنقل تستطيع أن تستعيد اسمك الضائع، أما هنا ''ذلك ما قاله ''مسي'' مخاطباً ''يوجرتن''·
ومن الغرابة حقاً وطوال أكثر من 200 صفحة من الرواية لا يبيح لنا الكوني معنى ودلالة الاسم ''مسي'' لنكتشف أنه يعني في لغة أهل الصحراء بـ''مولاي'' أما موسى فهو تحريف لاسم مسي نفسه كما أن المسيح مستعار منه أيضاً حتى لتجد أن مسي يقابل مولاي، وموسى يقابل مسي، وبذا يصبح موسى يقابل مولاي··
ومن خلال ذلك يحاول الكوني أن يبقي المتلقي مأسوراً للمعنى الغائب بينما حتمت عليه سببية الفعل في الرواية أن يعطي للقارئ معنى ''يوجرتن'' لموظف السجل المدني منذ صفحات الرواية الأولى·· لماذا؟
أولاً يبدو اسم ''مسي'' يحمل دلالة كونية مادام مرتبطاً بالمعنى الدلالي للوصاية ''مولاي'' هذا بالإضافة إلى أنه جذر الاسم النبوي موسى ومن هذا نراه صاحب الدلالة الكبرى التي تسيطر على الرواية وفي ضوء ذلك لابد أن تظل هذه الدلالة غائبة إلى الحد الأقصى حتى نهاية النص حيث يصبح كشفها في أول الرواية إنهاء لحدث النص الذي يثير فعل التشويق لو تأخر الكشف عنه· وثانياً محاولة الكوني كشف معنى اسم ''يوجرتن'' التي تعني بطل الأبطال في اول الرواية قد أعطاها فعلا دراميا مادام هذا المعنى قد استفز موظف السجل المدني لأن بطل الأبطال واحد في المدينة ولا يجوز لاحد ان يشاركه في تلك الصفة ومن هذا المنطلق لا يجوز لآخر أن يطلق هذه التسمية أو هذه الصفة على ابنه ومن هنا كان ذلك حافزاً لرفض الموظف تسجيل المولود· أي أن السببية هي التي قادت حركة وفعل الرواية بينما مسمى ''مسي'' ذات دلالة مختلفة لا تمتلك سببيتها·
شكلياً بدت رواية ''من أنت أيها الملاك؟'' ذات نسق تتابعي اعتمدت ضمير الغائب سارداً بينما اختار نسق التضمين ليزرق قصتين أو ثلاث رواها ''مسي'' لابنه عن قبيلتين في الصحراء اختارت الأولى الزرع وفضلت الأخرى الرعي وحين اختار الرب بحكمته أضحية النعم لترفض تقدمه الزروع اندلعت الحرب بينهما وهنا لم يخدم التضمين النص الروائي دلالياً بقدر ما أحال التضمين هنا إلى تفسير غير المقنع ''فنشب العداء بين القبيلتين منذ ذلك اليوم بسبب الحسد لأن المعبود عندما قبل قربان القبيلة المهاجرة كافأها بالنبوّة، في حين ترك للقبيلة المستقرة أمر الحرفة، والدليل هو الهوية الصحراوية لكل نبوة''·
وقد تتساءل ماذا يخدم هذا التضمين ''الزرق'' في النص بحسب رينيه ويلك واوستن وارين في كتابهما نظرية الأدب اللذين أكدا ضرورة وجود البعد الدلالي في التضمين· هل أراد الكوني أن يضيف نكهة قصصية خارجة عن النص بعدما وجد أن المتلقي قد يصيبه الملل من متابعة حوارات جدلية ونقاشات فلسفية وآراء في الكون والإنسان والهوية والآخر والمدينة والصحراء·
تبدو جدلية المدينة/ الصحراء مهيمنة على النص الروائي وفي هذا الاطار نستشعر أن هذه الجدلية انعكست بشكل فاعل على شخصيتي مسي/ الصحراء ويوجرتن/ المدينة ولأن مسي يحاول بإصرار سحب ابن المدينة/ يوجرتن إلى الصحراء الذي يرفض بشدة ترى ''مسي'' يقتله في نهاية الرواية لخيانته له بعد أن فضح سر الحجر المقدس· بالرغم من أن يوجرتن هو الأكثر إصراراً على التغيير مما دفعه لينضم إلى جماعة المحفل المضاد لتحطيم محفل المدينة المسيطر على السجل المدني بينما بدا ''مسي'' هروبياً يقرر الرحيل هارباً من المدينة إلى الصحراء· فإذا كانت الصحراء هي الأصالة والتأصيل وهي الخلود الأزلي فهل يتوافق ذلك مع شخصية ''مسي'' الذي لم يستطع أن يقف بوجه محفل المدينة بينما بدا يوجرتن أكثر وعياً بالثورة·
صحيح ما يفترض الكوني من أن المدينة تحمل خياناتها، مصالحها الذاتية، قيمها المنهارة إلا أنها بدت في عصرنا الحاضر موطن التغيير وهذا ما فعله ''يوجرتن'' بانضمامه إلى المحفل المضاد بينما بدت الصحراء برحابتها وحريتها ملتصقة بالتاريخ وبحكاياته حينما لم تكن هناك مدن وأفكار ورؤى وفلسفات وهذا ما جعله حينما يتحدث عن الصحراء يقترب من التاريخ وعندما يتحدث عن المدينة يقترب من الحاضر الذي توجه اليه يوجرتن بالرفض ولأن ''مسي'' ملتصق بالتاريخ تراه ينتقم من الحاضر حينما يقتل ''يوجرتن''·
وبعيداً عن التفسيرات الكونية دلالياً في الرواية وهذا ما لا نريد أن نخوض فيه ''الأسماء'' حيث أطلقت وعرفها ابن آدم ولم يعرفها غيره تبدو الإحالات على هذا التفسيرات صعبة وغير مقنعة لأن الرواية بالرغم من كونها كائناً افتراضياً تقود على أقل تقدير إلى حسها الواقعي الذي حاول الكوني تغييبه·

؟ يحاول إبراهيم الكوني الاشتغال على ما هو هامشي في الواقع، كي يصبح مركزاً في الرواية فتراه يثير التساؤلات ويطرح الأجوبة وجميعها بمستوى معرفي واحد

؟ تبدو جدلية المدينة/ الصحراء مهيمنة على النص الروائي بشكل فاعل وعلى شخصيتي مسي/ الصحراء ويوجرتن/ المدينة
اقتباس وتلخيص وتماه·· وابتكار
حسن السبع يكتب بوصلة الحب والدهشة
أصدر الشاعر السعودي حسن السبع ديوانه الجديد ''بوصلة للحب والدهشة'' بعد أربعة من الدواوين السابقة· قصائد حسن السبع، والتي جاءت متنوعة بين التفعيلة والعمودي، تذهب بنا إلى متعة الصورة الجمالية واللغة وظرافة المضامين أحياناً· يصنع حسن السبع دهشته الخاصة من خلال مقاربات لغوية تهتم بقاموس الشاعر وإيمانه بالشعر، فيبدأ المجموعة بنص ''من نافذتها يتسلل الصباح'' ولنقرأ هنا مقطعاً يقول: ترقص باقةُ الأزهار
تفتح زهرةُ الإغراء نورتها
وتبتهج الملاءةُ في سرير الوقتِ
والمرآةُ·· والمشجبُ والنواسة الكسلى
حتى المرمر المنسيِّ
ينسى دورَه اليوميَّ
يصبح إذ تلامس صمتَه القدمان أوتارا
تدندن، وهي تعبر بهوَ ذاك الصبح، أشعارا''
ونقرأ لحسن السبع قصائد أخرى تدور حول مضامين رومنسية مشابهه مثل: نرفانا وسيدة المد والجزر ومطر تتبرأ منه الغيوم:
''هنا يا أيّها المكتظّ بالشعر وبالوجد·· هنا يا أيها الساكن
في الحمّى·· هنا يا أيّها المسكون بالصبح·· هنا يا أيّها
المكسور والكاسر·· هنا يا أيّها الرابح والخاسر··
هنا يا أيّها الراحل في معزوفة الشوق·· هنا يا مرجل التوق تجلّى
الوطن النرجس أنهارا··
هي (النون) التي دوّخت القرطاس والحبر··
هي (النون) التي ما دوّرت الا لكي تمتد كالأفق··
لكي تستنشق الدنيا، لكي تطلق أطيارا··
هي اللحظة فاصنعها، وعبّ، الآن، منها أيها الصادي،
فما ينضب نهر من مناقير العصافير·· ولا يملك حق
الحبس والمنع سوى النبع··
وهذا النبع لا يمنع مرتادا من الشرب اذا ما روّض المرتاد
اصرار المسافات''
ولا يكتفي حسن السبع بهذا بل نراه الشاعر المتأمل في قصائد ''تداعيات الرمل'' وهو عنوان عريض لمجموعة قصائد قصيرة جداً و''تباريح سوق العطش''، وهي تحمل ذات الفكرة فنياً· ويقرأ حسن السبع ملامح بشار بن برد ودعبل الخزاعي وأبي نواس والعباس بن الاحنف وغيرهم في دلالة جلية على ارتباط الشاعر بقيمة التراث فنياً وفكرياً فيتقاطع مع تلكم الأسماء ويتقارب معها ويتماهى ويلخص حالتها حسب نظرته الخاصة· ولعل مما يؤكد هذا كذلك اهتمام السبع بالاقتباس من المقولات في تراثنا العربي فأغلب النصوص تحوي على عبارات كاملة كمقدمة للنص من المقولات المأثورة أو أبياتاً يضمنها أو يتداخل معها فنقرأ مثلاً:
''سواء عليك
اصابت (غزية) أم اخطأت
غوت أم هوت
فأنت خلاصة هذا الهيام''
ونجد مقولة للخطيب البغدادي ومقاطع لأحمد شوقي وعمر بن ابي ربيعة ورينيه شار واعتماد على بعض الأمثلة الشائعة والمقولات الشعرية التي يسخرها السبع لنصه بامتياز· كل هذا يكتبه السبع بلغة جزلة وحديثة في آن·· لغة قريبة تشكل مفرداتها مع بعضها ألفة وعبارة جديدة·· هناك كلمات مثل: (أسيد) و(هندسة) و(جهاز التحكم) و(تابو) وغيرها· كذلك نجد تلكم العلاقات الجديدة بين الكلمات والتي تشكل لدى السبع صورة جمالية حديثة ومبتكرة فنقرأ: (على إيقاع مشيتها، تغادر صمتها الأشياء) و(لغة فظة كاسرة، العبارات فيها حديد ونار) و(المدينة حبلى بأحزان عشاقها)·· ولعل أكثر مايحدث تلك الدهشة في نصوص السبع معجمه الذي يدور في فلك الطبيعة فالشاعر، كما يبدو، مفتون بالصباحات وكثير من النصوص في المجموعة لا تخلو منها مفردة الصباح وفي سياقات متعددة أحياناً (أطل الصبح طيفاً يقرأ الفنجان)·· و(ينسج الوهم ظله في ليال بلاصباح)·
قصائد السبع في هذه المجموعة إضافة متجددة في تجربته يحقق من خلالها هذه الدهشات والمتعة، وهو الشاعر الذي بدأ الشعر مع مجموعته الشعرية الأولى عام 1992 ''زيتها وسهر القناديل''·· يذكر أن الديوان من مطبوعات نادي الشرقية الأدبي في السعودية

اقرأ أيضا