الاتحاد

الملحق الثقافي

ظل وفيا لمبادئه في قاع السجن وقمة السلطة

كانت مفارقة في نظر الكثيرين ممن حضروا تشييع جثمان المفكر الماركسي محمود أمين العِالم ومعظمهم من رفاقه اليساريين، حين أم صلاة الجنازة عليه مرشد عام جماعة الإخوان المسلمين مهدي عاكف· انطلقت الجنازة من جامع مصطفى محمود بحي المهندسين، لكن آخرين رأوا الامر عاديا فالموت يوحد الجميع، خاصة ان المرشد نفسه سبق له من قبل ان حضر جنازة نبيل الهلالي القطب الماركسي الكبير· المرشد قال لابنة العِالم الوحيدة ''شهرت'' وهو يعزيها إنه برغم اي خلاف فكري او عقائدي فإن العِالم كان قيمة كبيرة·

توفي العِالم فجر السبت الماضي إثر أزمة قلبية مفاجئة ورغم ان الرجل كان يعالج منذ اكثر من عام من الزهايمر وكان يقاوم بشدة ويعد نفسه لمواجهة مرحلة مخيفة من المرض، لكن الوفاة جاءته وهو مازال محتفظا بذاكرته وبقراءاته ومتابعاته·
ولد العِالم في حي الدرب الاحمر بالقاهرة (18 فبراير عام 1922) وبدأ تعليمه بالكتاب فهو من أسرة انتمى ابناؤها إلى الازهر، كان والده وكيلا للجمعية الشرعية، وحصل العِالم على البكالوريا ثم عمل في وظيفة إدارية بمدرسة الاورمان الثانوية عام 1940 التحق بعدها بجامعة القاهرة حيث درس الفلسفة وتخرج عام 1947 ، نفس دفعة انيس منصور، ورغم تفوقه لم يتم تعيينه معيدا بل عمل أمينا لمكتبة قسم الجغرافيا بنفس الكلية، وهناك التقى بشريكة عمره الإعلامية الراحلة سميرة الكيلاني·
وحصل العِالم على الماجستير من قسم الفلسفة في موضوع نادر هو ''فلسفة المصادفة'' ورغم انه بدأ الدراسة معجبا بالوجودية واستاذه د· عبدالرحمن بدوي وتأثر كذلك باستاذه د· عثمان أمين فإنه انتهى في الرسالة ماركسيا لينينيا فقد اقتضت رسالته ان يعود إلى احد كتب ''لينين'' فآمن بأفكاره، وظل متمسكا بهذه الافكار طيلة حياته وبسبب هذه الافكار كان واحدا ممن أبعدوا في عام 1954 عن العمل بالجامعة في أول عملية فصل جماعي لاساتذة الجامعة ايام ما عرف بمعركة الديمقراطية في الصراع بين الرئيس محمد نجيب ونائبه البكباشي جمال عبدالناصر وانتهت المعركة بفوز النائب فأبعد كل من اشتم فيهم مساندة محمد نجيب، وظل العِالم طيلة حياته يردد ''كنا ندافع عن الديمقراطية'' وليس عن شخص بعينه· الطريف انه في نفس عام إبعاده من الجامعة نال جائزة الشيخ مصطفى عبدالرازق للفلسفة عن رسالته المتميزة للماجستير·
في الثقافة المصرية
انخرط العِالم في أحد التنظيمات الماركسية وظل يكتب بعض الدراسات الفكرية للمجلات المصرية الى ان فاجأ الوسط الثقافي كله بكتابه الذي اصدره مع زميله د· عبدالعظيم أنيس وحمل عنوان ''في الثقافة المصرية''، كان الكتاب ردا علميا على كتاب د· طه حسين ''مستقبل الثقافة في مصر'' حيث انتقد فكرة الارتباط بين العقلية المصرية وثقافة شمال البحر المتوسط التي بشر بها طه حسين في كتابه، ورغم اختلاف العِالم مع د· طه حسين فقد كان العميد مفكرا حرا بحق وأشاد بالكتاب واحتضن العِالم معتبرا اياه تلميذا له·
وحين قامت ثورة العراق عام 1958 وصعد نجم عبدالكريم قاسم الذي كان ماركسيا شعرت الدولة في مصر بقلق من هذا الصعود وسعت الى أن تتحالف مع الماركسيين المصريين على ان يدخلوا في تنظيم الثورة ''الاتحاد القومي'' وبدأ حوار بين الطرفين، كان محمود امين العِالم احد رؤوس ذلك الحوار وكان يتحاور مع احد رجال ثورة يوليو المقربين من الرئيس عبدالناصر وهو محمد أنور السادات، حيث كان يتولى عدة مناصب وقتها من بينها رئاسة تحرير صحيفة ''الجمهورية''، صوت الثورة المصرية ولم يصل الحوار إلى نتيجته المأمولة وحكى العِالم ان الحوار كان يجري في منزل السادات، نهاية شارع الهرم وفي اخر جلسة انتهى الحوار في الثالثة صباحا، ولما لم يستجب العِالم لمطالب السادات أي الدولة، تركه السادات يعود سيرا على قدميه، فلم يكن يمتلك سيارة ولم تكن هناك مواصلات عامة بالشارع آنذاك وكانت العادة في الجلسات السابقة ان يأخذه سائق السادات في سيارته ليعيده إلى بيته وسط القاهرة وكان يتذكر تلك الواقعة ويضحك قائلا: ''طلع عليّ النهار وانا أسير على قدمي'' بعد هذه الواقعة بفترة قصيرة ألقى القبض عليه في اول يناير عام 1959 ولم يكن وحده، فقد اعتقل معظم الماركسيين·
ظل العِالم في السجن حتى عام ،1964 حيث أفرجت الدولة عن الماركسيين جميعا اثر اتفاق بأن يحل الحزب الشيوعي المصري نفسه وان ينضم اعضاؤه الى الاتحاد الاشتراكي العربي· وكان التقارب قد حدث بين الماركسيين وعبدالناصر اثر صدور قوانين يوليو الاشتراكية عام ،1962 حيث شعروا وهم في المعتقل بأن عبدالناصر يحقق حلمهم وانه حاكم وطني، ولذا اشادوا بعبد الناصر وظلوا يدافعون عنه، وكان ذلك مصدر اندهاش للرئيس السادات فيما بعد، ان عبدالناصر الذي اعتقلهم وعذبوا في عهده يلقي منهم الاشادة، بينما هو لم يفعل ذلك معهم بل عين اثنين من الماركسيين هما د· اسماعيل صبري ود· فؤاد مرسي وزيرين في بداية عهده، ومع ذلك وجد منهم الهجوم الدائم على سياساته·
خرج العِالم من المعتقل ليلتقي مدير مكتب عبدالناصر الوزير سامي شرف وعينه عبدالناصر رئيسا لمجلس ادارة صحيفة ''أخبار اليوم''، قال له عبدالناصر يومها: لا أريدك ان تجعل من صحيفة ''اخبار اليوم'' ''البرافدا''، ولم يبق طويلا بها وكانت المؤسسة آنذاك تصنف باعتبارها من رموز ''اليمين'' في مصر فإذا بعبد الناصر يصدر قرارا بأن يتولاها ماركسي وترك العِالم صحيفة ''اخبار اليوم'' ليصبح رئيسا لمجلس إدارة دار الكاتب العربي ـ هيئة الكتاب حاليا ـ عام ·1967 وفي العام التالي يتولى رئاسة هيئة المسرح·
الناقد الدائم
رغم هذه المناصب ظل العِالم ناقدا يبشر بالواقعية الملتزمة في الآدب والمسرح والكتابة عموما، وهذا ما دعاه إلى ان يهاجم بضراوة نجيب محفوظ آنذاك خاصة بعد ان أصدر محفوظ رواية ''اللص والكلاب'' التي كانت تتحدث عن انتهازية كاتب وصحفي يرفع شعارات اليسار وأطلق عليه العِالم كاتب البرجوازية، وقد اعاد العِالم النظر في موقفه وتقييمه لمحفوظ بعد ذلك·
وفي عام 1971 ألقى القبض عليه اثر أزمة 15 مايو والصراع بين السادات ورجال عبدالناصر ووجهت اليه رسميا تهمة الخيانة العظمى ولكن النيابة العامة أفرجت عنه لعدم ثبوت اي تهمة ضده وغادر مصر اثر توجيه الدعوة اليه من جامعة اوكسفورد ليحاضر بها حول الدراسات العربية لمدة عام ثم تركها إلى جامعة باريس كمحاضر في نفس التخصص وظل هناك حتى عاد ثانية بعد تولى الرئيس مبارك الحكم·
وفي فترة باريس لم تعد كتاباته ودراساته مركزة في النقد الادبي، بل اتجه إلى الدراسات الفكرية، واصدر كتابه المهم عن الرؤى النقدية في التراث العربي· وفي نهاية الثمانينيات أسس مجلة فصلية بعنوان ''قضايا فكرية'' كان يصدرها بجهده الخاص وعلى نفقته وانتهى الامر الى ان صارت مجلة سنوية ونظرا لتخصصها وتعمقها الشديد، فقد كانت محدودة التوزيع وصدر العدد الاخير منها عام 2005 وتولى مقرر لجنة الفلسفة بالمجلس الاعلى للثقافة عام 1998 وأصدر مجلة ''الفلسفة والعصر'' وتصدر سنويا وهي المجلة الوحيدة في مصر المتخصصة في الفلسفة وتصدر عن هيئة رسمية·
ظل العِالم حتى الشهور الاخيرة من حياته يدهش الكثيرين بنشاطه الدائب وحيويته، فقد كان حاضرا في كافة الأنشطة والمنتديات الثقافية في مصروالعالم العربي، يحتضن المواهب الشابة ويشجع الأجيال الجديدة من الباحثين· ونال جائزة الدولة التقديرية في مصر وجائزة ابن رشد العالمية من المانيا عام 2001 وعاش حياته زاهدا ومتقشفا بالمعنى الكامل متمسكا بأفكاره لا يحيد عنها رغم انهيار الاتحاد السوفيتي وتحول بعض الرفاق، كان قد تجاوز الخامسة والثمانين، بينما ظل يمارس انشطته سيرا على قدميه من منزله في جاردن سيتي الى المنتديات الثقافية لذا احترمه الجميع ووصفه المفكر الاسلامي د· محمد عمارة بأنه ''الدرويش الماركسي'' واحتفظ بعلاقات ودودة مع الجميع

اقرأ أيضا