الاتحاد

الملحق الثقافي

الصناعات الأولى في الإمارات قديماً بدأت بحجر الصوان وأنتجت أواني وأسلحة

أوان فخارية من الألف الثالث ق·م· في متحف العين

أوان فخارية من الألف الثالث ق·م· في متحف العين

عندما توصل إنسان الإمارات القديم إلى معرفة الزراعة وإنتاج الطعام وعرف قدراً من حياة الاستقرار في المستوطنات والمدن الصغيرة· فإن حياته الجديدة فى مجتمع جديد، وما تبعها من ثقافات جديدة، تطلبت تنظيم شؤون الاقتصاد والعمل على إنتاج بعض المصنوعات الضرورية، ومن ثم التعاون مع الجيران في مواجهة البيئة وشؤون حياته الجديدة· فصنع من الفخار بعض أدواته الضرورية بدلاً من الأواني الحجرية، كما توسع في هذه الصناعة فأنتج نماذج متعددة لسد حاجاته المختلفة· ومن الصناعات الهامة التي عرفها إنسان هذه المرحلة المبكرة، نذكر ما يلي:

اعتمدت الأقوام التي كانت تجوب أراضي الإمارات (منذ الألفين السادس والخامس ق·م·) على حجر الصوان المتوفر بكثرة في أماكن مختلفة من الدولة، وصنعت منه آلات وأدوات متنوعة مثل: السكاكين والمقاشط ورؤوس الرماح والحراب والمثاقب، لتستعملها في أغراضها اليومية· وقد تم اكتشاف مواقع أثرية كثيرة في مناطق مختلفة من الدولة، تشير وبشكل واضح إلى شيوع الصناعات الحجرية بالإمارات منها: ما وجد في سواحل إمارة الشارقة أو منطقتها الوسطى في موقعي ''مليحة'' و''المدام''، ومنها ما وجد في مناطق أخرى من إمارات رأس الخيمة وأ القيوين وعجمان ودبي·
إن أبرز ما يميز صناعات العصر الحجري الحديث التي شهدتها أرض الإمارات، هي ظهور السهام المصنوعة من حجر الصوان، والتي استعملت لأغراض الصيد والدفاع عن النفس في آن واحد· ويستطع الزائر لمتاحف الدولة وخاصة متحف ''العين'' أن يطلع على هذه السهام، وكذلك على الآلات الحجرية الأخرى·
وإضافة إلى حجر الصوان، فقد استعملت أقوام العصر الحجري الجلود والعظام والخشب وغيرها من المواد العضوية التي بليت بمرور الزمن، إذ لم يبق من آثار تلك الحقبة إلا الحجر والقواقع· واكب بداية العصور التاريخية (أوئل الألف الثالث ق·م·) لدولة الإمارات ظهور الصناعات الفخارية ذات الطابع المحلي، والتي صنعت من الطين الناعم، المخلوط آحياناً بالرمل، وبواسطة عجلة الفخار· ومما تجدر ملاحظته أن صناعة هذه الأواني قد تنوعت فى أحجامها وأشكالها وأساليب زخرفتها، ولكنها في المجمل تأخذ شكلاً كروياً أو مزهرياً، ذات قواعد عريضة ـ لثبات الإناء ـ وكانت زخرفتها تقتصر على الجزء العلوي من الآنية وأحياناً تغطي الآنية كلها· وتتألف الزخرفة من خطوط تطلى بلون أسود على أرضية رمادية اللون، وأحياناً تطلى بلون بني غامق على أرضية حمراء، وتأخذ الخطوط أشكالاً منها: المائل أو شبه الدائري أو المثلث· وهناك بعض الأواني تحمل أشكالاً حيوانية منها ما يمثل ثوراً له حدبة تشبه سنام الجمل·
أما بالنسبة لصناعة السلال والحصر، فقد عثر الآثاريون في العديد من تلال مدافن ''الهيلي'' (من الألف الثالث وحتى الألف الأول ق·م·) على سلال ذات أحجام مختلفة يرجح أنها صنعت من خوص سعف النخيل بطريقة أو بأسلوب هو نفسه الذي يتبعه حرفيو هذه الصناعة العريقة في بعض قرى الإمارات حتى يومنا هذا· ومن حسن الحظ أنهم طلوها من الخارج ومن الداخل بمادة القار، إذ لولاها لما عرفنا شيئاً عن هذه الصناعة·
يعد التعدين وما ارتبط به من صناعات، أحد أهم الموارد التي شكلت في مجموعها وفيما يتصل بها من معاملات صورة الوضع الاقتصادي للمجتمع الإماراتي· فلقد أظهرت نتائج التنقيبات الأثرية حديثاً في دولة الإمارات، توافر مناجم النحاس وطرق استخلاصه، وذلك خلال الألف الثالث ق·م· فقد كشفت أعمال التنقيبات الاثرية في منطقة ''جبل حفيت''، في مدينة العين، كسراً لمواد مصنوعة من النحاس تحتوي على معدن الخارصين إلى جانب معدن النحاس· كما تم الكشف عن جيب غني بمعدن النحاس في الجبل نفسه· وعلى الرغم من أنه لم يعثر حتى الآن في منطقة ''جبل حفيت'' على مايدل على عملية صهر النحاس خلال الألف الثالثة ق·م· إلا أن المواد النحاسية التي عثر عليها في المقابر تشير إلى أن الناس المجاورين لجبل حفيت كانوا على معرفة بتقنيه صهر النحاس·
كما عثر في موقع ''هيلي'' بمدينة العين، على مادة أثرية ممثلة في القوالب والبوتقات والبقايا المعدنية، وعلى بعض بقايا لجدران أفران كانت تستعمل لصب النحاس محلياً، أيضاً تم العثور على مادة أثرية مصنوعة من النحاس والبرونز في ''القطارة'' بمنطقة العين·
وبزوال عصر البرونز (1300 ق·م·)، أخذت سمات حضارية جديدة فى الظهور، لعل أهمها شيوع استعمال معدن الحديد ـ إذ أن ظهور استعمال الحديد كان له دلالة أكيدة على ما يسمى بالعصر الحديدي ـ فالحديد كان متوفراً في بعض مناطق الإمارات قديماً، ولا سيما إمارة الشارقة إذ وجد في موقع ''مليحة'' مكان مخصص لصهر وتصنيع المنتجات الحديدية، ربما كان أشبه بورشة عمل· وفي ''جبل فاية'' القريب من ''مليحة'' وجدت خامات الحديد المناسبة للصهر والتعدين· وعلى أية حال، فقد حظيت صناعة الأسلحة الحديدية في دولة الإمارات بمكانة فريدة دون غيرها من المنتجات الحديدية الأخرى، ولا سيما صناعة الخناجر ورؤوس السهام، وكلاهما وجد في أحجام ومظاهر مختلفة· وعلى أية حال، فلم تقتصر معرفة المجتمع الإماراتي على هذه المعادن وعلى معالجتها وحدها فحسب· فقد عرف سكان الإمارات في عصورها القديمة معادن أخرى مثل: النيكل والكرومايت والكبريت والفوسفات وأحجار الهمتايت· ومن الجدير بالملاحظة فإن هذه الثروة الهائلة من المعادن قد عمل البعض فيها منذ القدم، بدليل العثور في المواقع آنفة الذكر على مواد مصنعة من بعض تلك المواد، وخير دليل على ذلك، الأوانى الحجرية المعمولة من أحجار الهمتايت والحديد والنحاس·
وقد زامل النشاط التعديني، نشاط حرفي رفيع المستوى هو فن الصياغة، التي يبدو أنها كانت مزدهرة بتوفر خاماتها لدى المجتمع الإماراتي· ويربط بالتعدين وبالنشاط الاقتصادي ضرب العملة (صناعة النقود)، الذي مارسه شعب الإمارات نتيجة لاشتغالهم بالتجارة، واتصالهم بالشعوب الأخرى، وحاجتهم إلى هذا الوسيط في معاملاتهم التجارية بدلاً من المقايضة·
* باحث في تاريخ وحضارة
الجزيرة العربية

اقرأ أيضا