الاتحاد

تقارير

حرب «الدرونز».. جوانب لا أخلاقية

نُشرت الأسبوع الماضي تقارير تقول إن البيت الأبيض سوف يسهّل الإجراءات التي تسمح للولايات المتحدة بتنفيذ الضربات الجوية بواسطة الطائرات من دون طيار (الدرونز)، وبما قد يؤدي إلى تزايد عدد الضحايا من المدنيين الأبرياء. وإذا قارنّا «سياسة الدرونز» هذه بقرارات أخرى تبنتها إدارة ترامب، مثل منع سفر المهاجرين إلى الولايات المتحدة ومشروع القانون الجديد للرعاية الصحية (رفضه الكونجرس) والتدخل الروسي في سلوكياتنا الديمقراطية، فسوف نستنتج أنها لم تحظَ إلا بالقليل من الاهتمام. إلا أن هذا التحول السياسي البارز في السياسة الدفاعية الأميركية يتناقض تناقضاً صارخاً مع القيم الدينية لمعظم مواطني الأمة الأميركية.
ومنذ تم تسجيل أول ضربة جوية بطائرات «الدرونز» عام 2002، أصبحت الطائرات من دون طيار إحدى الأدوات المهمة لضمان وحفظ أمننا الوطني. ومع ذلك، ورغم أنها استُخدمت أكثر من 600 مرة خلال 15 عاماً، فقد كان ذلك يتم وفقاً لضوابط صارمة وواضحة. ورغم أن تلك الضوابط كانت مبنيّة على أساس احترام القانون الدولي وقواعد اللعبة السياسية، فإنها مثّلت في واقع الأمر جزءاً من «نظرية الحرب» القديمة العامرة بالفكر اللاهوتي.
وجاءت «نظرية الحرب» نتاجاً لأكثر من 1500 عام من التفكير. وكان أول المساهمين فيها القديس أوغسطين في القرن الخامس الميلادي وتوماس أكويناس في القرن الثالث عشر. وباقتباسهما لبعض تعاليم الإنجيل والفلسفة القديمة، عرض أوغسطين وأكويناس بكثير من التفصيل للأساليب التي يجب على المسيحيين الالتزام بها عند خوض المعارك، وأشارا إلى ضرورة الالتزام بالمعايير العادلة قبل الحرب وأثناء خوضها.
والآن يأتي قرار ترامب لإجازة استخدام «الدرونز» في الحروب ليهدد باختراق تلك المبادئ وتقويضها تماماً. لقد ساهمت «حرب الدرونز» في توسيع المدى الجغرافي لهذا النظام غير الأخلاقي، عندما سمحت لمشغلي هذه الأدوات باستخدامها في أماكن تفصلها عن أماكن المعارك الحقيقية محيطات مترامية الأطراف. وقد كتب لطائرات «الدرونز» أن تشعل جدلاً واسعاً في الأوساط الجامعية ومراكز البحوث والتجمعات البشرية في طول الأرض وعرضها. وراح العلماء والمفكرون والمتديّنون يغرقون في أتون جدال محتدم حول ما يمكن أن تعنيه هذه التكنولوجيا بالنسبة لـ«نظرية الحرب» وأخلاقياتها.
وفيما يتعلق بمصطلح «عدالة ما قبل اندلاع الحرب» في الفكر اللاهوتي القديم، يثار التساؤل: هل تمتلك الدولة الحق بإطلاق مثل هذه الهجمات؟ وهل تحتكم إلى المبررات الكافية للبدء فيها؟
لقد أراد ترامب أن يمنح وزارة الدفاع السلطة الكافية لتنفيذ ضربات «الدرونز»، خلافاً لأوباما الذي أراد لهذه الضربات أن لا تتم من دون موافقة مسبقة من أعلى سلطة في الدولة. وهذا ما يدفعنا إلى التساؤل عما إذا كانت الإدارة الأميركية الحالية تلتزم فعلياً بالمبادئ الأخلاقية لخوض الحروب! واستناداً إلى تلك المبادئ الأولية، فإن استهداف الناس وقتلهم لا يمكن أن يتم إلا بموافقة الرئيس وحده وليس «البنتاجون»، ناهيك عن المحظورات التي وضعت لمنع وكالة المخابرات المركزية من تنفيذ الضربات الجوية باستخدام «الدرونز».
وسبق لأكويناس وأوغسطين أن أكدا ضرورة عدم إلحاق الأذى بغير المحاربين أثناء خوض المعارك، وتخفيض مستويات سفك الدماء إلى أقل الحدود الممكنة. ووجّها تعليماتهما إلى قادة الدول للتفكير مليّاً قبل البدء بأي هجوم. ثم ما لبثت أن أتت الأجيال اللاحقة لتحمّل هذه التعاليم ببعض الأسس والأفكار العلمانية التي باتت تشكل جزءاً من القانون الدولي المعاصر. وبغض النظر عن مدى تطابق هذه المبادئ مع المعتقدات الدينية الشخصية لأي مواطن، فمن الواضح أن التطورات الجديدة لخطة إدارة ترامب في توجيه الهجمات بطائرات «الدرونز» سوف تكون لها عواقبها السيئة على علاقاتنا الدولية. فهي تهدد بإشاعة الفوضى والتوتر في تحالفاتنا، وتؤسس لسابقة خطيرة بسبب الانتشار واسع النطاق لطائرات «الدرونز» في العالم. صحيح أن الولايات المتحدة تمتلك حق حماية رعاياها، لكن هذا التطور الأخير الذي تبنّته إدارة ترامب سوف يجعل من العسير التأكيد لأمتنا ما إذا كان هذا العمل يتطابق مع أخلاقيات «نظرية الحرب» أو يدحضها.
وبالنسبة لي كإنسان متديّن، فأنا لا أنظر إلى الحرب بمعناها الضيّق. ويبدو لي أن الامتناع عن العمل بالشروط والمقتضيات التي وضعتها إدارة أوباما لاستخدام طائرات «الدرونز» سوف يخلق مجالاً واسعاً للخطأ في هذا العالم الذي تتفاقم معاناته بسبب الاضطراب وعدم الاستقرار يوماً بعد آخر.
ومن واجب الرأي العام ومسؤولينا المنتخبين أن يطلقوا حواراً عاماً حول الأساليب المناسبة لاستخدام هذه التكنولوجيا في الصراعات، وهذا يتطلب الالتزام بالتعاليم الأخلاقية التي نصت عليها «نظرية الحرب». وربما نجد في تعاليم أوغسطين وأكويناس الأسس الأخلاقية والدينية الصحيحة لاستخدام طائرات «الدرونز».

*محلل أميركي متخصص في القضايا الأخلاقية والدينية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا