صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

الصحيفة القحطانية ·· تكشف النقاب عن تاريخ عُمان والخليج

شملت قضايا سياسية واجتماعية وأحوال الجفاف والعملة والصادرات والواردات وعدد الجنود

شملت قضايا سياسية واجتماعية وأحوال الجفاف والعملة والصادرات والواردات وعدد الجنود

بتحقيقه ونشره لكتاب ''الصحيفة القحطانية'' الصادر حديثاً عن دار البارودي في بيروت، يسدي الباحث الدكتور حسن محمد النابودة خدمة كبيرة للباحثين في تاريخ عمان بشكل خاص، ومنطقة الخليج العربي بشكل عام، ويضيف إلى المكتبة العربية كتاباً موسوعياً ينطوي على معلومات متنوعة في أكثر من مجال معرفي·
وتكمن أهمية هذا الكتاب، الذي جاء في ثلاثة أجزاء من القطع الكبير، في أن مؤلفه حميد بن محمد بن رزيق بن نجيب النخلي (المتوفى بعد 1290 هجرية ـ 1873 ميلادية)، يعد مصدراً مهماً لأحداث القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، إن لم يكن المصدر الأول بحسب النابودة، وقد ترك لنا عدة مؤلفات اشتهر منها: الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين، الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عمان، الصحيفة العدنانية، القصيدة القدسية النورانية في مناقب العدنانية·
ومما يسترعي الانتباه أن ''الصحيفة القحطانية'' لا تقتصر على الأحداث والتطورات السياسية والعسكرية، بل شملت أحوالاً وقضايا اجتماعية واقتصادية بما في ذلك الجفاف والأمطار والعملة المستخدمة وبروتوكول السلطان أحمد بن سعيد مؤسس دولة البوسعيد، والصادرات والواردات وميزانية الدولة وعدد الجنود، وغير ذلك من المعلومات ذات الطابع الاجتماعي والاقتصادي والعسكري· بالإضافة إلى قصائد مطولة، منها ما نظمه ابن رزيق نفسه، أو لبعض مشاهير عمان وشعرائها· كما تحتوي على أخبار مهمة لسير علماء وشخصيات وأسر عمانية لم يرد ذكرها في المصادر الإباضية الأخرى· بالإضافة إلى معلومات وأخبار، نقل بعضها عن والده وعن غيره ممن كان يكبره سناً، أو عاصرها بنفسه فدوّنها في كتابه·
وتكاد ''الصحيفة القحطانية'' تكون سجلاً شاملاً لكل ما يخص عمان وأعلامها منذ عصور التاريخ الأولى، وهي تتكون من مقدمة وثمانية أبواب، يتحدث فيها ابن رزيق عن أهمية تدوين التاريخ وعلم الأنساب ومكانته عند العرب، والقبائل المنتسبة لقحطان وانتشارها في جزيرة العرب مستشهداً ببعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ذات العلاقة بهذا الموضوع، ثم يتحدث في الفصول التالية عن أهم العلماء والشعراء الذين خرجوا من هذه القبائل، و الأنبياء المتصلة سلسلة نسبهم بالقحطانيين، وملوك بني قحطان وما لهم من مناقب، وقصصهم وأساطيرهم وأخبارهم، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار، و أشهر الصحابة والصحابيات من الأوس والخزرج من قحطان، والتابعين وتابعي التابعين ثم علماء عمان المنتسبين للقحطانية، وأسماء شعرائهم في الجاهلية والإسلام، و الشعراء العمانيين من الأصول اليمنية، ثم الأئمة اليمنيين العمانيين وملوكهم السلاطين القحطانية ثم بقية تاريخ عمان والأئمة الإباضيين والملوك والسلاطين الذين تعاقبوا على حكم عمان حتى عهد السيد سلطان ابن الإمام أحمد ابن سعيد (ص786 - 955)·
ومما يضيف أهمية إلى الكتاب، ويؤشر على الموضوعية في كتابة أخباره، تلك الخاتمة التي ختم بها ابن رزيق كتابه باعتذاره عن ذكر أخبار السيد سعيد بن سلطان بن الإمام أحمد ـ وهو أول من اتخذ لقب سيد ـ ويرى أنه ''لا يؤرخ لمن هو في قيد الحياة قبل أن يصير في غير قيد الحياة''·
بالطبع، ثمة مآخذ على الكتاب، رغم أهميته، يوردها النابودة منها؛ إن ابن رزيق ينقل حرفياً عن المصادر التي سبقته، فقد نسخ فصولاً وأبواباً مطولة من بعض المصادر دون إضافة أو تعديل أو تعليق منه· وهو الأسلوب الذي اتبعه في كاتبه الفتح المبين، مما دفع ما يلز إلى اعتبار الأجزاء الأولى منه نسخة مكررة لنفس المواضيع التي كتبها مؤلف ''كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة'' وهو سرحان بن سعيد الأزكوي·
ويذكر النابودة أن ''ابن رزيق سار على خطى من سبقه من المؤلفين العمانيين، فالمنهج العام للكتابة عندهم يقوم على فكرة تداخل العلوم، حيث لا يتم الفصل بين التاريخ والشعر والفقه والحديث وعلم الكلام وآراء الفرق''·
كما يوجد في المخطوط سقط في مواضع عديدة بمقدار كلمة أو كلمتين وأحياناً سطر كامل بسبب التصوير المتكرر، فالكلمات الساقطة من النص أو غير الواضحة كانت قد كتبت في الأصل بمداد أحمر· وقد استدرك المحقق ذلك من خلال مقابلة نصوص المخطوطة على غيرها من نصوص المصادر الأخرى، خاصة تلك التي ينقل عنها المؤلف مباشرة، مثل: الأنساب المنسوب للعوتبي، والاستيعاب لابن عبد البر، وخلاصة السير الجامعة لنشوان الحميري وغيرها·
ورغم هذه المآخذ، يؤكد النابود، أن الصحيفة القحطانية تبقى مصدراً مهماً لتاريخ عمان، خاصة فترة القرن الثامن عشر الميلادي، التي لا يستطيع المختص إغفالها أو الاستغناء عنها