الاتحاد

دنيا

ميرال الطحاوي: قرأت رواية الصحراء بامتياز


القاهرة ــ حمدي أبوجليّل:
حصلت الأديبة المصرية ميرال الطحاوي على الدكتوراه من كلية الآداب جامعة القاهرة عن رسالة بعنوان 'جماليات التشكيل الفني في رواية الصحراء·· المقدس وأشكاله في المخيلة الرعوية' وهي تؤرخ لرواية 'الصحراء العربية' وتصف ملامح المقدس والأسطوري وطرق تناولهما في أعمال أبرز كتاب المجتمعات الصحراوية مثل: السعودي عبدالرحمن منيف، واليمني زيد مطيع دماج، والليبي ابراهيم الكوني، والروائية السعودية رجاء عالم·
انسان الصحراء وعالمها هما أحدث المناطق التي اهتمت بها الرواية العربية، والكُتاب في تلك الجزئية قليلون والأعمال نوعان: احدهما ينشغل بعالم واساطير الصحراء كمساحة جغرافية منعزلة وغامضة، وآخر ينشغل بالانسان الصحراوي او البدوي، وقيمه واخلاقه ونواميسه وأساطيره بعد ان زالت الصحراء كأسلوب حياة، داخل الصحراء نفسها، او في المدينة حيث انتقل الانسان البدوي الى اجواء وتقاليد واسلوب حياة مناقض·
وتحاول ميران الطحاوي تحديد مفهوم رواية الصحراء وتركز على دور المكان وأهميته في تشكيل الرؤية الفنية لها والنماذج الروائية التي انتقتها لتمثيل رواية الصحراء، وتبحث في علاقتها بالمقدس والتاريخي والأسطوري والواقعي كعلامة متكررة فيها، وتقسمها إلى ثلاثة اشكال روائية حسب المسارات التي اتخذتها للتعبير الفني، الأول يشمل المسار الواقعي والاجتماعي والسياسي والتاريخي، وتمثله أعمال عبدالرحمن منيف وأحمد دهمان وزيد مطيع دماج، والثاني يهتم بالمسار الاسطوري الذي اختار الموروث وتاريخه القديم وتمثله اعمال ابراهيم الكوني، والثالث يتكئ على الأسطوري بمعناه الصوفي، ويؤكد نزوعه الى ثقافة اسلامية تتجاوز المعنى الواقعي بخلق دلالات صوفية، وتمثله اعمال الروائية السعودية رجاء عالم·
وتحاول الباحثة استقراء علاقة النصوص الصحراوية بالمقدس، كعلامة تصلح لفهم علاقة النصوص بالمكان والحيز الثقافي والاجتماعي الذي انتجها، غير انها لا تسعى إلى الربط الآلي بين المكان والنصوص الروائية، ولكنها تراجع مفهوم المكان الصحراوي كعنصر جمالي، وتفسيره بشكل ثقافي ينطلق من رواية الصحراء التي اتخذت من القبيلة وأعرافها وانساقها الاجتماعية عالما لها·
ومن خلال تحليل الروايات التي ناقشتها ترى الباحثة الصحراء وعاء ثقافيا خاصا وعالما شديد الانحياز الى عزلته وتراثه ومقدساته وقيمه وأعرافه، ويهتم بالطقس الاسطوري في تفسيره للأحداث الكونية، وهو مجتمع مغلق عراكه الاساسي لا يقوم على الأساس الطبقي ولكن على الانماط الثقافية المغايرة له خاصة في المدينة·
السياسي والأسطوري
وتتشكل رواية الصحراء من خلال المقدس بكل تجلياته المكانية والزمانية كالمقدس السياسي والاجتماعي، ففي تجربة عبد الرحمن منيف كان المقدس السياسي هو المحرم الذي اجترأ عليه الكاتب، وروايته' مدن الملح ركزت على هذا المحرم، وأزالت حجاب القدسية التي صاغها الناس ووضعوها في قائمة المحرمات التي لا يجرؤ الادب على الاقتراب منها، وكان خرق هذا التابو هو بنية الفعل الروائي للبطل، كما اجترأ الكاتب على المحظور السياسي والتاريخ الحقيقي الذي صار مقدسا غير قابل للنقد اوالقراءة أو التصريح به، لذلك فان الجانب القومي والاصلاحي الذي تبناه منيف كان خرقا لما تجنبه الروائيون·
اما تجربة الروائي الليبي ابراهيم الكوني فتتجه ناحية المقدس الصحراوي بمعناه الاسطوري، حيث يهيمن الناموس القبلي على كل اشكال التعاملات، فالتعامل بالذهب محرم، كما ان بناء المدن محرم والعرف الصحراوي هو المقدس الذي يؤدي خرقه الى دمار المجتمع، والمقدس لدى القبائل التي يتناولها الكوني لا يستند الى الشريعة الاسلامية بقدر ما يستند الى معتقدات اسطورية خرافية، وكل خرق لقانون الصحراء يجلب الدمار، وقد تخربت المدينة' تمبكتو' المقدسة لأنها خرقت تعاليم الكتاب الصحراوي·
ويتخذ الكوني جملة من المحرمات الاسطورية كالحنث بالوعد والقربان وقتل الطوطم 'حيوان الصحراء الخرافي' والأضحية البشرية والإقامة الدائمة وبناء المدن كأشكال من المحرمات التي ينتهكها الانسان الصحراوي فتكون النهاية الميلودرامية خاتمة نص الكوني في بنية اسطورية متكررة، كما ان بطل الكوني لا ينجو من الغواية ويمتزج بابطال سير مشابهة مثل أوديب وجلجامش وغيرهما من الخرافيين، كما انه تأثربالعهد القديم وخاصة قصة الخروج وعبادة الذهب والتيه في الصحراء بعد اللعنة· وبنية الكوني الروائية تستعير من قبائل الطوارق لتشكل ملحمة خاصة تقوم على الموروث القديم من المحرمات، فالاشارة الى' قابيل وهابيل' في روايته 'نزيف الحجر' وقصة جلجامش في روايته 'التبر' وقصة الخروج في روايته 'المجوس' ليست فقط من قبيل التناص، ولكنها ايضا إشارة الى موروث أسطوري ضخم استند عليه الكاتب، وزاوج به بين الارث القديم للإثم والخطيئة، والتابو كمفهوم بدائي قبلي ووثني·
وتتخذ تجربة الكاتبة السعودية رجاء عالم، من الحرم المكي مكانا مقدسا، وتنشغل بالتاريخ السياسي الدموي المرتبط بالحرم وانتهاكه في الصراعات السياسية مما يعد هتكا للتابو، يفضي الى ضياع ومغادرة المقدس له، وانتهاء الصراع السياسي بالسيل الذي يدمر كل شيء، كما ان رواية رجاء عالم تتماس مع المرويات التاريخية عن الكعبة المشرفة، خاصة في صلتها باليمن والديانات العربية القديمة، ومع التاريخ السياسي للمنطقة، وفي نفس الوقت تستند على المعنى الصوفي الذي اسست عليه اسطورتها·
البحث عن المكان
وتتناول الباحثة ميرال الطحاوي في اطروحتها اعمالا للكاتبين زيد مطيع دماج وأحمد ابو دهمان، وقراءاتها موزعة بين روايات تتعرض للصحراء الكبرى في الشمال الافريقي، واخرى في الجزيرة العربية، وتركز على تتبع عنصر المقدس، وتحاول العثور على البنية العميقة للمكان، وتثبت ان النصوص التي نطلق عليها صحراوية بالمعنى الثقافي، بدائية بالمعنى الأنثربولوجي ورعوية بالمعنى الاجتماعي وهي تتقاطع مع المقدس والاسطوري والتاريخي، والمكان فيها يتأثر ببناء الذهنية القبلية، خصوصا في التصورات المتصلة بالكون والحياة والتاريخ، فإن كان المفهوم الرعوي للسلطة يقوم على قداسة الراعي، وعلى طاعة الرعية، فإن المفهوم القبلي للعرف يخرج به الى مستوى الحرام، كما ان المفهوم الصحراوي للمكان يخرج الى فضاء مليء بالجن والمخلوقات غير المرئية والتنجيم وغيرها من التصورات ويبرز الفضاء الروائي الصحراوي الحاجة الى شكل من الاشكال المركزية في مدن تشبه المرافئ التجارية الصحراوية، وتظل هذه المدينة الملحية مهددة في روايات منيف والكوني، لانها خرقت ناموس الصحراء بالاقامة بدلا من الترحال، وايضا يظل هذا الفضاء في عراك بين الثبات والتغير، وفي عداء للمدينة بشكلها الحضري فهو يرى فيها لعنة ابدية·
الرسالة نوقشت بمدرج طه حسين بكلية الآداب جامعة القاهرة، واثناء مناقشتها دارت مساجلة بين الباحثة ود· صلاح فضل -استاذ الأدب والنقد- الذي قال ان رسالة ميرال عمل ابداعي يتخفى في زي بحث أكاديمي· واشار لتجربتها في ثلاث روايات ومجموعة قصصية وشبه معاناتها في كتابة رسالة الدكتوراه، بتجربة الشاعر الكبير ادونيس في رسالته عن الثابت والمتغير، غير انه قال ان الرسالة تفتقد ثبتا لموضوعاتها وردت ميرال بأن فهرس أو ثبت رسالتها نسي في ظروف خاصة· ووجه لها د· فضل سؤالا عن منهج البنيويات السردية فقالت انها اعتمدت عليه في الرسالة، لكن الرد لم يقنع د· فضل ومنحت اللجنة الرسالة درجة الامتياز مع مرتبة الشرف الأولى وأوصت بطبعها على نفقة جامعة القاهرة وتداولها في كافة الجامعات المصرية· وشارك في المناقشة د· أحمد مرسي استاذ الأدب الشعبي وأشرف على الرسالة د· عبدالمنعم تليمة -استاذ النقد الأدبي·

اقرأ أيضا