الاتحاد

الملحق الثقافي

قراءة تأملية في قصيدة النثر الجديدة في الإمارات

لا تطرح قصيدة النثر الإماراتية نفسها كحالة خاصة بمحيطها الجغرافي الصغير، بل كحالة امتداد طبيعية للتجربة الإنسانية، والعربية على وجه الخصوص، في أبعادها المرجعية والتكوينية، وهي بذلك تعزز مفهوم ''كونية الشعر'' كمشترك إنساني لا يؤمن بالحدود الضيقة للجغرافيا، ولا يقف عندها، بل يتعداها إلى خلق جغرافيته الخاصة، والميتافيزيقية ربما·

بالرغم من رفض الذائقة العربية على وجه العموم والمؤسسة الثقافية والرسمية، على وجه الخصوص، بما فيها الإماراتية، لقصيدة النثر، إلا أنني أرى أنها تتسيد المشهد الشعري وبجدارة، ليس فقط من ناحية القيمة الإبداعية والثراء الدلالي والبنية الشعرية، بل كذلك من ناحية تواجدها الأكثر كثافة في الصحافة الثقافية والنشرات الدورية وربما الانترنت مقارنة بالأشكال الكلاسيكية للقصيدة·
تعدد الفضاءات
وكما تقدم تجربة القصيدة الحديثة عموماً ''فضاء من الأخيلة والصور والانفعالات وتداعياتها''، كما يعبر عن ذلك أدونيس، فقد جاءت قصيدة النثر في الإمارات متماهية مع هذا النسق في الطرح أو التشخيص، حيث يمكن لمراقب التجربة الإماراتية (إن صح الوصف) أن يتبين تنوع مفردات القصيدة وتعدد فضاءاتها، في حين تطرح بعض التجارب ذاتها مجترحة اليومي على النهج الـ ''ريتسوسي''، تبني بعض التجارب علائقيات معقدة بالوجود وبالأسئلة الإنسانية الكبرى كالزمن والحياة والموت والوجود والعدم، وكذلك حالات القلق والتشظي والريبة والألم والحب والخيبة والهزيمة والأمل والدهشة والحلم والحنين والغبن والألفة والخسارات والذهول والرحيل والغياب والتلاشي الانعتاق وغيرها من مفردات تأتي كلغة حسية تنطلق من الوعي الجديد بهذا المركب الشعري، نرى كذلك أيضاً حضوراً جلياً للأمكنة والأشياء التي لا تحضر بجموديتها الرتيبة، بل من خلال علائقية متواترة بأبعادها النفسية والروحية، فلا تصبح الغيمة غيمة ولا السماء سماءً ولا الظلال والأنهار ظلالاً وأنهاراً ولا العتمة والنهار والصدى والمطر والشتاء والجهات والبحر والمدينة والقرية والمسافة والنجمة والضوء والشمس والغرف والرصيف والنوافذ والغروب والهواء والفجر وما إلى هنالك من مفردات، لا تصبح مفردات دالة على معنى بقدر دلالتها على حالة· و''التجربة الشعرية الإماراتية'' غنية بهذه المفردات التي تشكل تقاطعاً كبيراً مع المشترك الإنساني في الوعي الحديث·
لا يوجد هناك إذاً ما يميز القصيدة الإماراتية الحديثة عن نظيرتها العربية من حيث الشكل أو البنية الأساسية أو فضاءات التكوين، ولا تحدث الخصوصية من وجهة نظري سوى على نطاق التجارب الشخصية من خلال هذا الفضاء التكويني، فكل ما من شأنه إعطاء التجربة الشعرية طابعاً خاصاً، لا يتعدى التوظيف الدلالي واللغوي للمفردات والمخزون الفكري على نطاق التجربة الشخصية مقارنة بتجارب أخرى، وعلى هذا الأساس فإن قصيدة النثر في الإمارات لم تأت بجديد على صعيد الشكل أو البنية الشعرية·
وبما أنه لا يمكننا الحديث، من الناحية العملية، عن تجربة إماراتية واحدة تشكل الكل، فلابد لنا ألا نغفل التفاوت الواضح والكبير أحياناً بين التجارب الشعرية المختلفة، ومدى تأسس مكامن انطلاقها، في حين تنطلق تجارب من علاقة فلسفية بالأشياء والعناصر وتجارب أخرى تنطلق من علاقتها الإنسانية أو الجمالية بالمحيط، وكل ذلك بالتأكيد يضفي تنوعاً جميلاً من وجهة نظري للمشهد الشعري في الإمارات، نرى في المقابل أيضاً، حالات من الاستسهال الكتابي فيما يتعلق بكتابة قصيدة النثر دونما استيعاب حقيقي لماهيتها، فنرى محاولة بعض التجارب الدخول من الباب الخلفي أو السهل لقصيدة النثر، حيث إنها لم تستوعب أن اختيار كتابة قصيدة النثر إنما هو اختيار صعب ويتسم بالمجازفة؛ فصب لغة ما في قالب له هيكلية قصيدة النثر لا يعطي بالضرورة صفة القصيدة لهذا النتاج· وعلى القصيدة، كي تتحقق شروطها، أن تكون بناءً متكاملاً قائماً على أساس شعري وليس على الشعر وحده، بل على منظومة متكاملة من اللغة والصورة والاشعاعات والوحدة الموضوعية وما إلى هنالك من ضروريات النسف واعادة الخلق والتشكيل· إذن عالم قصيدة النثر هو عالم وعر ومعقد وان التعامل معه يجب أن يكون كالتعامل مع ذرات انشطارية قابلة للاستثاره والتدمير في أي لحظة زمنية، وهذا غير متحقق في بعض التجارب المطروحة على الساحة الشعرية في الإمارات والتي يبدو لي أنها لا تعرف جيداً سبب اختيارها لهذا النوع من الكتابة، وغير قادرة على تحديد علاقتها به أو غير مدركة لهذه العلاقة في أفضل الأحوال؛ فالارتباط بالقصيدة الحديثة عليه أن يخرج من الارتباط بالشكل إلى الارتباط بالفكر والمضمون، وهو بالتالي ارتباط مصيري، فنتاج الشاعر في نهاية المطاف هو بلورة لهذه العلاقة المصيرية التي تربطه بالشعر والإنسان والكون والأشياء والأسئلة الجوهرية·
كما أن الغياب شبه الكلي للنقد الحقيقي والنقد الذاتي، والذي هو الأهم من وجهة نظري عندما يتعلق الأمر بالنقد، وكذلك الترويج الإعلامي غير المبرر إبداعياً، والذي تتداخل فيه أحياناً المحسوبيات والمجاملات والوجائهيات بشكل عرضي مع الشعر، ودخول بعض المؤسسات الثقافية بشراسة أحياناً، وبخجل أحياناً أخرى، في خلق حالة مشوهة من التعاطي مع الشعر فتعمل على صنع نجوم وهالات إعلامية على حساب الشعر وعلاقته البالغة الحساسية بعمق الذات الإنسانية المتجردة من كل مظاهر البهرجة ولعبة الألقاب الجوفاء، كل ذلك، أسهم أيضاً في خلق تجارب غير متماسكة وغير مصقولة ومشوشة في بعض الأحيان، والأخطر من ذلك، ما تسبب به ذلك النهج، في محاولة خلط الأوراق، من خلق مفاهيم غير رصينة لجوهر رصين كالشعر·
لا أود الإفراط في التشاؤم، كما أني لا أود أن أخفف من حدة المشهد، فكما تحدثنا عن جوانب الوهن في المشهد الشعري الإماراتي، فهناك أيضاً تجارب عميقة ومتوازنة ومضيئة وتشكل ثقلاً حقيقاً في المشهد الشعري الإنساني، والمراقب للمشهد الشعري الإماراتي يمكنه أن يتبين تلك التجارب بسهولة ويسر·
التجربة الذاتية
غالباً لا أحبذ الحديث عن تجربتي الشعرية، وأترك ذلك للقارئ ليرى فيها ما يرى، لكنه وقد جاء هذا الطرح كجزء من محور الورقة، فأرى أنني ملزم بالحديث بشكل مقتضب حول تجربتي الشعرية، والتي هي الأخرى لم تخل من الإشكاليات التي تحدثت عنها في هذه الورقة، وربما إذا تناولتها نقدياً، بالرغم من عدم امتلاكي لتلك الأدوات، فسأسقط أكثر من نصفها، إلا أنني حاولت في مجموعة ''أبعد من عدم'' التعامل مع بعض الأسئلة الوجودية التي كنت منشغلاً بها، ولا أعتقد أنني تخلصت منها تماماً، لقد قمت بإعدام بعض النصوص كي أحافظ على ثيمة متجانسة للكتاب، وهذا ما لا أدعي أني نجحت فيه، ويمكنني القول أيضاً إنني لم أعد مخلصاً للشعر، بالمعنى ''النيتشوي'' للكلمة، إلا أنني في نفس الوقت غير قادر على التخلص من لعنته·
في الأساس أنا شخص مقل في الكتابة، وقد بدأت علاقتي بالكتابة في أواخر الثمانينيات بين كتابة إذاعية وفي الصحف والمجلات وفي نشرة ''رؤى'' الأدبية التي أسسها بعض الأصدقاء وصولاً إلى الصفحات الثقافية والنشر الإلكتروني وأخيراً إصدار مجموعة شعرية وحيدة إلى الآن في أبريل ·2007
سئلت ذات مرة حول مرحلة التكوين الشعري وبمن تأثرت في كتابة الشعر، فكانت إجابتي أني لا أعرف إن كان هناك من تأثرت به فعلاً في كتابة الشعر، لكني من دون شك أصبت باشعاعات العديد من الرواة والشعراء والفلاسفة أيضاً، فأنا لست سوى كل تلك التراكمات، لكني، أعمل جاهداً عندما آتي إلى نصي، أن أفرغ ذاكرتي في إناء زجاجي وأنحيها جانباً·
في البدايات، وكأغلب الشعراء العرب، لم يتسن لي التفلت من سطوة الشعراء الكلاسيكيين إن جازت تسميتهم هكذا، فبعضهم كان متجاوزاً للكثير من الحداثيين وإن كانت قصائدهم ضاربة في الأزل، فكان للشعراء الصعاليك وقع خاص في ذائقتي الشعرية، وكنت حفظت أبياتاً عديدة من لامية الشنفري وعروة بن الورد وتأبط شراً، وكانت تفتتنني حياتهم بقدر ربما يتجاوز افتتاني بشعرهم، ثم امرؤ القيس وزهير بن أبي سلمى، مروراً بأبي تمام وحاوي اللغة المتنبي وأبي فراس وغيرهم، كل تلك كانت تراكمات لكني في بداية انشغالي في عالم الشعر على صعيد الكتابة قرأت للعديد من الكتاب الفرنسيين وغير الفرنسيين من أمثال رامبو وإيلوار وملارميه وبودلير وألن بوسكيه، وريلكه، ووبوشكين، ومايكوفسكي، وغيرهم، كما قرأت بشغف كبير أنسى الحاج، وبول شاوول وسركون بولص وأودنيس ووديع سعادة وبسام حجار وغيرهم

اقرأ أيضا