الاتحاد

الملحق الثقافي

فيليب جاكوتيه.. مُلَمِّعُ كريستال الكلمات

فيليب جاكويته: كان لا بد من الصوت كي تتسع صدوع العتمة في داخلنا

فيليب جاكويته: كان لا بد من الصوت كي تتسع صدوع العتمة في داخلنا

آلان سويد
ترجمة - أحمد حميدة


شعر فيليب جاكوتيه يشبه تماماً صاحبه، حتّى أنّ في إمكاننا رؤية الشّاعر من خلال كلماته، إذ تخترق هذا الشّعر، شفافيّة ساطعة تكاد تلامس النّور.
تعدو كلماته نصف الشفّافة بخطى وئيدة، لترتمي في لألاء مياه نقيّة، قبل أن تنفلت وتنتصب بعيداً لانتظار القارئ التّائه. ويدرك هذا الشّاعر النّحيف الأليف أنّ هناك، في ما وراء الأشياء المهتاجة، ستنتصب كلماته خميلة ظليلة تطيب فيها الاستراحة للتّائهين.

أشرقُ بالامّحاء
كان لا بدّ من الصّوت كيما تتّسع صدوع العتمة في داخلنا وتنفلت كلمات جاكوتيه بوضوح، ويغشانا شعره، الذي لا يستمدّ عنفوانه من قوّته، وإنّما من ذاك الاستسلام لحركات الماء والهواء. يتحدّث جاكوتيه بكلّ بساطة عن حضورنا في هذا العالم، دون توشية، ويأتينا كجدول وديع ينساب مترقرقاً ومدركاً أنّه سيحظى لا محالة برؤية البحر.
«الامِّحاء هو سبيلي للوصول إلى حالات الإشراق»، ذلك هو شعاره..
تنشد كلماته بشدّة، الوضوح في مواسم الحصاد، بل لنقل في موسم بذار الانفتاح على العالم الهامس، وهي تتلمّس معبراً يصل بين النّفَسِ والصّورة، وفي ديوانه «شعر»، أحياناً ما كان يتوفّق في هذا الوصل، وأحياناً أخرى كان يتيه في الطّريق بفعل رقّته، قبل أن تستبين له الطّريق من جديد.

أنتِ ههنا..
والطّير يطوف مع الرّيح
أنت يا وجعي.. أنت يا جرحي
أنت يا غاليتي!
الأبراج الوضّاءة العتيقة.. تغرق
والمحبّة تشرّع لنا دروبها
لقد غدت الأرض وطننا
نسير بين العشب ومياه المِغسل
حيث أومضت قبلاتنا
لتلك الفسحة الخالية
التي ستصعقها المحشّة
ترانا أين نكون
تائهيْن في قلب السّكينة؟
هنا لا شيء ينطق
غير ذلك النّبض من تحت الجلد
من تحت اللّحاء.. من تحت الوحل
بقوّة ثور مهتاج.. الدمّ!
مراوغ، يُشبكنا ويهزهزنا
كنواقيس ناضجة في الحقول

لقد فتح جاكوتيه ومنذ أمد بعيد حواراً مع الأرض: «إنّي لا أتحدّث إلاّ إليك، يا غائبتي، يا أرضي»، ولا زال يمعن في هذا الحوار وهو في سنّه المتقدّمة.
ولد سنة 1925 في قرية غرينيان بإقليم «لادروم»، ثمّ غادر موطنه السّويسري البارد والكالفينيّ الانتماء، ليحطّ بإحساسه على المطر، وعلى أغصان اللّغة الفرنسيّة، لغة عكف على نحتها قطعة قطعة، بمهارة ملمّع للكريستال.
تبدو كتاباته دفاعاً عن «النّظرة»، فتستوقف نظرته الأشياء البالغة الهشاشة وتفاصيل البطن المطحلبة للأرض، كما كان يحاول الإمساك بلطخات الماء المتقافزة على الصّخور، وبالأهازيج السريّة لورود الذّرة، والزّهور والماء والأشياء، لتشكّل نسيج أقواس قزح وامضة في قصائده.
إنّه يتربّص بكلّ عابر، فيقتنصه بشبكة فراشات كلماته، وخبير بضربات فأس الزّمن المدمّر، فإنّه يقتات ممّا يندّ عن الوصف، من المتفلّت والمترحّل على الدّوام، تائقاً إلى أن «يشيد موسيقى من الظّلمة والغياب».

تُرجمان اللحظة الشاردة
يواجه جاكوتيه انفلات الأشياء بكلمات متموّجة ومترحّلة، مبدياً رغبة جامحة في أن يكون تُرجماناً للّحظة الشّاردة. لقد احتفظ من ريلكه بالحضور الصّميمي للأشياء، وكتاباته الأخيرة تبدو مسكونة بهاجس الموت، بفراق الأحبة والأشياء، وبألم بليغ لمفارقة سرّ الجمال والعالم، فيكون جاكوتيه قد عمل بذلك على التّأليف بين القوّة والشّفافيّة، فهو يبدو بحضوره الهشّ في العالم تائقاً إلى التقاط الأسرار الكامنة في الرّيح، لذلك تميل كلماته إلى الانغلاق على نفسها، لتصبح أشبه ما تكون بالقصائد الصّينيّة، ثمّ ذلك الإحساس الملحاح بالمحدوديّة، وذلك الارتياب المتأجج أمام الأنوار.. ويا لها من فراشات سوداء!!

لتكن هادئ البال
ما تنتظره، قادم لا محالة
إنّك تقترب، إنّك تحترق
فالكلمة التي ستختم القصيد
ستكون أقرب إلى الموت
من الكلمة التي تفتحه

تغشاه من حين إلى آخر حالات إشراقيّة مضيئة وهادئة، حالات لطيفة تلهمه الكتابة، ومتى انحنينا تبدّت لنا فتيات جميلات، فتيات يافعات، يعْبرن، فيتركن روائح طيّبة طافية في الهواء، وعندما تهجره تلك الحالات لا تتبقّى غير لُمع من ذكرى وعشق ريفيّ عابر.
وكم يبدو من الصّعب كبح الكلمات لوصف الظّلمة والدّخان، ما لم نسمّرهما من أرجلهما. وقدر زائد من التعقّل، قد يمنعنا من التّحليق، كما أنّ استقامة زائدة عن الحدّ، قد تجعلنا نسقط في المنعطف الإلزامي الذي هو الحياة.

أحياناً يتكشّف لنا جاكوتيه آخر.. أكثر سوداويّة وأشدّ عصابيّة، فنتوقّع منه ارتجالاً ما، استهلالاً موسيقيّاً لا يشوبه الحذر والتروّي، غير أنّ جاكوتيه شاعر منظّم، صبور، ونصوصه المخطوطة ساطعة الوضوح. إنّه شاعر شمسيّ، شاعر الاستقامة، وضوء إيطاليا هو أيضاً وطنه. إنّه شاعر المحسوس والمعِيش، شاعر الدّهشة والمواساة، وإنّك لترى شعره يتنزّه تحت الأشجار. بالكلمات، «أحاول محاصرة تلك اللّحظات كأعياد مقدّسة صغيرة، بالغة التّواضع، لأنّها تنطوي على كلمات أشعر بأنّها جوهريّة».
يمسك جاكوتيه إذن بتلك الإشراقات الصّغيرة، ثمّ يعمل على ضبط الكلمات القويمة، ليحوّل الحقيقة الظّرفيّة والآنيّة إلى سرّ مكشوف.
بمعزل عن العالم، يتأمّل جاكوتيه الجداول وهي تترقرق بين قدميه، فيحاول أن ينقل إلينا تلك الشّفافيّة المتلألئة، وغير متردّد في هجر العالم، بصيغ شعريّة متقادمة مثل الشّعر المقفّى يرسل إلينا كلمات هي الموسيقى ذاتها، كلمات تحاكي أنفاس التّماثيل وهي تستحضر الذّكرى..

من يغنّي هناك حين تصمت كلّ الأصوات
من يرسل هذا النّغم الشجيّ
بمثل هذا الصّوت العذب الصّافي

يلقي لأجلنا التحيّة إلى ورود الفاوانيا، فتردّ هذه الأخيرة التحيّة منحنية عندما يمرّ بجوارها، فهو يمعن في السّفر عبر بساتين الأيّام. أمّا حيرته وتباطؤ كلماته وهي تنصت للطّيور السّوداء للشكّ، فإنّها تجعل منه كائناً هشّاً وثميناً. يأتيك صدى حضوره كحفيف أوراق تداعبها الرّيح، فيما تتلمّس فضاءاته معبراً بين تصدّعات الذّاكرة، بين الدّخان والكريستال: «كالنّار، لا يلقي الحبّ بصفائه إلاّ على الأخطاء، وعلى الخشب الذي تحوّل إلى رماد».
إنّه يوقّع خطواته في قلب الأزهار.
لقد أزف وقت انبلاج الفجر وانجلاء الصّقيع، فهذا العالم لم يكن إذن سوى: «ذروة حريق كبير، والزّهرة في النّهاية هي الليل».. لن يكون شعره غير ذلك التحسّس ما بين «وضوح ما هو بسيط وإشراقة المبهم والمعتّم».
وها هي موسيقى الزّمن العتيق تنساب إلى عينيه لتنسكب دمعاً سخيّاً:

ها قد قد عادت أزهار اللّكْمة والفوانيا
والأعشاب والشّحرور أيضاً
ولكن أين هو الانتظار؟
أين هم أولئك الذين ننتظرهم؟
هل سيذهب عطشنا دون رجعة؟
هل ستتوقّف الشلاّلات عن التدفّق
فلا نمسك براحتينا خصرها المنعش؟
ستأسرنا الموسيقى لا محالة
بحمل ثقيل من الدّموع..

ومع ذلك، لا يزال يتحدّث، وصدى كلماته يأتيك كجدول في شهر يناير، يرافقه حفيف الأوراق، كلّما فرّ طائر مذعورا نحو الفضاء الطّلق.
بانعطافات نفَسِهِ، يقبل علينا فيليب جاكوتيه بشعر يبقى «صوتاً موهوباً للموت». لننصت إليه مع الغروب! لأنّ جاكوتيه يتبدّى لنا حارساً وفيّاً، يؤمّن سلامة إحساسنا من عتمة اللّيل!

لا أثرَ للحائكة.. ولا حتّى ليديها
بِذار
الجمال: ضالّ كبذرة موهوبة للرّياح والعواصف، لا يسمع له هسيس، شارد أحياناً، هالك على الدّوام، ولكنّه يمعن في الإزهار هنا وهناك، حسب ما تشاء الصّدف، مستمدّاً غذاءه من الظّلمة والأرض الكئيبة، مرحّباً به في أعماقها. نشيط، مخيف، بالكاد مرئيّ، مهمل، مبعد، طيّع - يتّحد بالأشياء الثّقيلة السّاكنة، وتتفتّح زهرة على منحدر الجبل. هكذا هو، وكذلك يبقى دارئاً للصّخب والحماقة، عنيد بين الدمّ والشّقاء، في الحياة اللاّمحتملة، وهكذا تطوف الروح رغماً عن كلّ شيء، وهي بالضّرورة مثيرة للسّخرية، غير مدفوعة الأجر وغير حاسمة. هذا ما يدعونا إلى مواصلة ذرّ الكلمات والمجازفة بها، أن نعطيها الثقل الذي تستحقّ، وأن نمضي في ذلك إلى الآخر - مواجهين أنفسنا والعالم من حولنا. وحتّى نتمكّن من تجاوز هذه المواجهة، تحديداً عبر الكلمات - التي تتخطّى الحدود والجدران، تخترق، تجتاز وتفتح، وأحياناً في النّهاية، نكون انتصرنا للعطر واللّون - للحظة واحدة، للحظة وحيدة.
إنّي لأتشبّث بهذا الأقلّ من القليل، وقد أحدّث نفسي فقط بأنّني سأقوله، وتلك حركة إيجابيّة، أفضل من اللاّمبالاة، والنّزوع إلى الارتداد أو الرّفض أو الانسحاب. النّار، الدّيك، سان بيير، إنّي لأحتفظ بذكراهم. في الهزيع الأخير من اللّيل، حين تكون النّار لا تزال مشتعلة داخل الحجرة، وحين يرتفع صوت الدّيك بالصّياح، فكأنّي بصياح الدّيك يحاكي صياح النّار وهي تنسلخ من الليل مكرهة.
لقد قلت مئات المرّات: ما يتبقّى لي قليل القليل، ولكنّ ذاك القليل، باب صغير ينبغي لنا اجتيازه، ومن ورائه لا شيء يثبت بأنّ الفضاء لا يكون أكثر رحابة، ممّا أومأت به لنا الأحلام. ينبغي فقط أن نعبر الباب، وأن لا ينغلق هذا الباب بعد ذلك نهائيّاً.

لتكن نهايتنا مشرقة
أيّها العدوّ المتجهّم، الذي
لا ينفكّ عن محاصرتنا ونزالنا
دعني في ما تبقّى لي من أيّّام
أهب قوّتي وضعفي إلى النّور
وأن أستحيل ساعة الرّحيل ومضة برق
بقدر ما يتضاءل حرصنا وتقلّ كلماتنا المنمّقة
بقدر ما نكون في تجاهلها أقدر..
كيما نرى في تردّدها العالم، وهو يتلألأ..
ما بين صباح ثمل ومساء طائش
وبقدر ما ستكون أعيننا
أقلّ تشوّهاً.. من الدّمع الذي يغشاها
وأنفسنا بالخشية مقيّدة
ومتى ازدادت نظراتنا صفاء
شاهد النّائمون الأبواب الدّفينة
ليكن الامّحاء سبيلي للإشراق
إنّ الافتقار يجعل مائدتنا مثقلة بالغلال
وليكن الموت القادم.. الغائم
حسب مشيئته
زوّادتنا في طريقنا إلى النّور الذي لا ينضب

خواطر من تحت الغيم
أحدٌ ما يحيك الماء
بأشكال مخرّمة لأشجار،
ولكنّني عبثاً أمعن النّظر،
فلا أثر للحائكة، ولا حتّى ليديها
التي تجعلنا نرغب في ملامستها.

عند تبخّر الحُجرة والنّول واللوحة
ينبغي لنا أن نكون قد رأينا
خطى على الأرض المبلّلة.

البومة البيضاء

اللّيل مدينة كبيرة غافية
فيها تنفخ الرّيح. لقد جاءت من بعيد
حتّى عزلة هذا الفراش.
إنّه منتصف اللّيل، والشّهر يناير.
أنت ترقد.
وقد حُمِلْت إلى تلك الضّفاف اللاّنهائيّة،
والرّيح تهزهز شجرة البندق،
ثمّ يأتي ذلك النّداء الذي يقترب ثمّ يبتعد، تخاله
التماعة شاردة عبر الغابة، أو
ظلال تُدوّم في الجحيم.
كم من الأشياء يمكنني قولها
عن ذلك النّداء وعن عينيك، ولكنّه فحسب
ذلك الطّائر المعروف بالبومة البيضاء
الذي ينادينا من عمق غابة الضّواحي الظّلماء.
كانت رائحتنا
قد غدت متعفّنة مع إطلالة الفجر،
وبرز منّا العظم المخترق لجلدتنا الدّافئة،
فيما كانت النّجوم تغرق في زوايا الطّرقات.


اقرأ أيضا