الاتحاد

الملحق الثقافي

السرد في الخليج.. ساحة للتعايُش السلمي

«تجانس» للفنانة فاطمة المزروعي (أرشيفية)

«تجانس» للفنانة فاطمة المزروعي (أرشيفية)

رضاب نهار

لم يكن السرد في دول الخليج العربي يوماً، في معزل عن التطور والتنوع الثقافي والإنساني القائم على أراضيها. فمنذ سنوات طويلة، ترجم الساردون العلاقات المختلفة والملونة في مجتمعهم إلى حكايات ضمّنوها في صفحاتهم. وكلّما تعقّدت معطيات الواقع وتشابكت العلاقات بين الأفراد بالنظر إلى المتغيرات السياسية والاقتصادية، كانوا يجدون حبكات وثيمات تحاكي الحاصل وتقرأه وتتوقع المستقبل، لكن إلى أي مدى قرأت النتاجات السردية المتغيرات المرافقة لتطور المجتمع الخليجي في العقود الماضية؟ سؤال كان لا بد من طرحه على المبدعين الخليجيين أنفسهم، لنبحث معهم عن رؤى الرصد وآفاقه، وكيف استطاع السرد أن يكون انعكاساً لتعايش جنسيات متعددة من جميع أنحاء العالم.

محاولاً تقديم قراءة عامة للوضع، يؤكد الروائي والإعلامي محمد اليحيائي من سلطنة عمان، أن مجتمعات دول الخليج هي في أساسها مجتمعات متنوعة، باعتبار أن عدد السكان الأصليين هو عدد قليل بالمقارنة مع وجود كبير لبقية الجنسيات من جميع أنحاء العالم. وقد تنامت هذه المجتمعات مع ظهور النفط وتأسيس مفهوم الدولة الحديثة. ويشير إلى ضرورة اعتماد مصطلح «السرد في دول الخليج» بدلاً عن مصطلح «السرد الخليجي»، فنحن نتحدث اليوم عن جيل ثالث، لا أول ولا ثانٍ ممن وفدوا إلى هذه الدول، وأصبحوا جزءاً من النسيج الاجتماعي، وجزءاً من المكون الثقافي لمجتمعات الخليج، وبالتالي فإن السرد في الخليج يمكن أن يُكتب بأقلام خليجية، لكنها ليس بالضرورة أن تكون معبرة عن الصيغة الخليجية بالمعنى التقليدي القديم.
ويقول: «من الطبيعي أن يتأثر الكاتب بهذا النسيج المنوّع لهذا المكان، وثمة الكثير من الروايات التي تقاطعت وتعاطت مع هذا الموضوع، وكمثال نذكر رواية «ساق البامبو» للكاتب الكويتي سعود السنعوسي، حيث يعيش البطل إشكاليات نتيجة للعلاقات الاجتماعية. إلى جانب أعمال أخرى في السعودية والبحرين وفي سلطنة عمان».
ويشير إلى أن التأثر لا يتبدى فقط من خلال وجود شخصيات متعددة الانتماءات في العمل الروائي، وإنما بوجود حالات وعلاقات متشابكة. وكمثال يذكر رواية الكاتب العماني سعود المظفر «رجل وامرأة» التي تتناول في صفحاتها مستويات العلاقات بين العمانيين وغير العمانيين، وتحديداً من أبناء الجنسية الآسيوية. وهذا مستوى في السرد يجمع المحلي وغير المحلي. وهناك مستوى آخر هو التنوع الأصيل داخل هذه المجتمعات. مؤكداً: «أستطيع التحدث عن المجتمع الذي أنتمي إليه أكثر من حديثي عن غير مجتمعات، فالمجتمع العماني هو بيئة ملونة يوجد فيها عمانيون من أصول أفريقية، من أصول البلوش، وتتبدى فيه لغات عديدة منها الكمزارية، الشحرية وغيرهما ولجميع هؤلاء عاداتهم وثقافتهم وفنونهم المختلفة. وهذا كله حاضر في جسد النص الروائي أو القصصي.

تعايش سلمي
كذلك تؤكد القاصة والروائية الإماراتية سارة الجروان أن تطور السرد الخليجي أفصح عن تطور المجتمعات الخليجية وتنوعها الثقافي. فقد بدأ الفعل السردي بمراحل مع رواد الكتابة القصصية والروائية، عندما كان كل كاتب ينقل مناخه المحيط إلى صفحاته بطريقة تكشف قدرته الإبداعية. متطرقاً إلى ثيمة محددة اختبرها في بيئته وعايشها بنفسه أو سمع عنها. وبالتالي أصبح السرد مرآة تعكس التطور الاجتماعي من القرية إلى المدينة وتستشرف التطورات المقبلة، سواء بصيغتها الإيجابية أم السلبية. وقد ظهرت هذه الجوانب حتى في الكتابات غير المكتملة، والتي لا ترقى إلى التجنيس الأدبي.
وتقول: «في جميع دول الخليج وليس في دولة الإمارات العربية فقط، ثمة تعايش سلمي يظهر في أعمال الروائيين والقاصين الخليجيين ولكن بصورة تتخذ غالباً نمط الظروف المكانية المحيطة لا أكثر. وشخصياً، لطالما التفت في نصوصي إلى هذا التنوع الإنساني، من خلال قراءة وكتابة الشخوص والأمكنة والعلاقات القائمة بين الجميع ووفق مستويات متفاوتة”.

ارتباط حميم
ويقول الروائي والمصور الفوتوغرافي حسين المحروس من البحرين: التنوع الثقافي له معناه الواسع الذي يشمل تعايش جميع أعراق العالم ودياناته على أرض واحدة ضمن أسس يقودها القانون واحترام الآخر. وفي هذا الخصوص أود التطرق إلى منطقة عندنا في البحرين، في المنامة تحديداً، يسمونها حي الفاضل نسبة إلى جامع الفاضل هناك، هذا المكان فيه عرب بحرينيون، عجم، مسيحيون، بونيان يهود وتنوعات أخرى لا نعرف انتماءاتها الدينية أو الفكرية أبداً. بيوت أهلها مفتوحة على بعضها البعض، وتربطهم مع بعضهم البعض علاقات ودية تصل أحياناً إلى درجة الارتباط الأسري.. لكن يأتي السؤال الهام: هل توجد كتابات تتناول هذه الحالة؟ الإجابة نعم. أذكر على سبيل المثال أن جميع روايات الكاتب البحريني أمين صالح انعكاس للواقع المتنوع. ويشير عبر واحدة من أهم رواياته وهي «رهائن الغيب» إلى التداخل الجميل في العلاقات، فالبطل فيها لديه أصدقاء من جميع الانتماءات، وثمة بعض العبارات التوصيفية التي تنقل لنا حميمية الترابط وقوته».
لكن في ما يخصّ السلبيات في العلاقة القائمة بين الجنسيات، فيبين أنها قد تكون موجودة في بعض الأحيان على أرض الواقع، وغالباً ما تبدّت في الأزمات والنزاعات وليس في الظروف الطبيعية. إلا أن السرد في معظم نتاجاته لم يتناول هذه الأحداث حتى الآن، وربما السبب في ذلك يعود إلى كون السرد لديه أمنيات حالمة بألا يحصل ذلك.

تنوع جغرافي
أيضا، يؤكد الناقد حسن رشيد من قطر أنه ومن دون شك توجد في دول مجلس التعاون الخليجي بيئات مختلفة، ليس على صعيد التعايش الثقافي والعرقي فحسب، إنما على صعيد الجغرافيا أيضاً. فما بين الجبال والسهول والصحاري، تنوّع السرد وراح يعبّر عن أحوال الناس، وأصبحت مهمته البحث عن الثيمات ومعالجتها أثناء التحول من القرية إلى المدينة وبالتالي من البساطة إلى التعقيد. ففي حين كانت الحكايات القديمة تحاكي الغوص وتغير الفصول، صارت حكايات هذا التطور الحضاري مهتمة بتقصي وجوهه الإيجابية والسلبية، وبما يشكل إيقاع العصر. لذلك نذهب إلى الماضي نستحضره حتى نغلف به الواقع المعيش.
لكن هذا لا يعني أننا في إطار أحادي، فالمبدع الخليجي على تنوع منطقته، يذهب إلى تعدد الرؤى من خلال احتكاكه بالآخر وتجاربه الشخصية. واستطاع الخروج من الإطار الكلاسيكي الموجود وأصبحت هناك أصوات جديدة تعبر عن اللحظة الراهنة، ليس في السرد فقط، وإنما في المسرح والدراما التلفزيونية وفي السينما، تحاول أن تعي الإيقاعات السريعة للحياة وأن تلحق بها باللجوء إلى موضوعات أكثر حداثة.

أفق للتسامح
من جهته يحاول الروائي والناقد عبد العزيز القصعبي من السعودية الإجابة عن سؤال مدى تأثر الساردين الخليجيين بتنوع بيئاتهم من خلال تجربته الشخصية. ويقول: «نشأت في مدينة صغيرة غرب المملكة تدعى الطائف، فيها بيئات مختلفة وشرائح اجتماعية عديدة. وينبغي الذكر، المملكة بالعموم تحتوي عددا من الفئات والشرائح المتنوعة. وهذا التنوع كان مؤثراً جداً لمنع وجود أحادية الرأي والإبداع. وهو ما انعكس على النص الكتابي الذي خرج بأفق متسع متسامح، لا يعاني من حدة الطرح. حيث إن التنوع أمر مهم جداً لبلورة الثقافة العامة في مجتمعاتنا”.
ويضيف: المتابع لنصوص الكتاب الخليجيين السردية، يجد أن المواضيع غالباً ما تأتي كانعكاس للمتغيرات الحضارية الحاصلة. فما قبل 20 أو 25 كانت الأحداث المقروءة في السرد مختلفة تماماً عما هي عليه اليوم. الآن مع التداخلات المختلفة من كل حدب وصوب ومع أحداث الربيع العربي مؤخراً، نلاحظ حدة في عملية الطرح. ما يجعل قضيتنا الأساسية تتجسد في محاولات خلق نوع من التسامح والتوافق المفترض تقديمه في السرد المعاصر».

تنوع في التكنيك
من الكويت، يوضح الروائي الشاب مشاري العبيد أن أي عمل هو مرآة للمجتمع الذي ينتمي إليه الكاتب. الرواية هي نافذة ثقافية تسمح للجميع بالاطلاع على المجتمعات، طبائع الناس، عاداتهم، حيواتهم. وتقدّم للآخر حقيقتنا ضمن قوالب سردية، حتى أن المجتمع ذاته يرغب دوماً في رؤية نفسه من خلال كتابات أبنائه. والتنوع في السرد الخليجي لم يعد منحسراً في تعدد الثقافات المتعايشة، وإنما في تكنيك الكتابة السردية أيضاً.
وبالتالي فإن تنوع المواضيع يتبع تنوع الهواجس عند الكاتب وما يعايشه بشكل يومي، مثلاً في دولة الإمارات العربية المتحدة وبينما يشهد المبدع يومياً آلاف الوجوه الملونة والمختلفة من حوله، لا بد وأن يذهب إلى التعبير ،الكتابة عن حضورهم في هذا المكان، علاقته معهم وأحياناً قد يكتفي بتجسيد علاقاتهم هم دون أن يكون طرفاً فيها.
ويقول: «من خلال اطلاعنا على عدد من الأعمال الروائية والقصصية في منطقة الخليج، نكتشف أن الأعمال الناجحة كانت تبحث في هذا الإطار من وجهة نظر محايدة أو موضوعية بتعبير أصح. أي أنها لم تحاول أن تقدّم صورة ملائكية للمجتمع ولم تحاول أن تكسبه سلبيات لا تنتمي إليه. فمن الأجدى أدبياً وإبداعياً أن يتعامل الكاتب مع الإيجابيات والسلبيات داخل مجتمعه كأحداث ينبغي معاينتها ودراستها، حتى يتمكن من التعبير عنها. الأمر الذي يدفع القارئ إلى استقبالها بمصداقية عالية.

اقرأ أيضا