الاتحاد

ألوان

عقلية التكفير

التكفير في اللغة، هو التغطية والستر، ولذا سُمِّيَ المزارع كافراً، لأنه يغطي الحب في الأرض، قال الله تعالى: {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} [الحديد: 20]. أي: أعجب المزارعين، وسُمِّيَ الكافر بالله كافراً لأنه يغطي حقائق الإيمان وبراهين التوحيد بجحوده وعناده وطغيانه وشبهاته الزائفة.

أما مَنْ شهد لله بالوحدانية، وللنبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة، وصدق بما جاء عن الله ورسوله فهو مؤمن مسلم لا يجوز الاعتداء عليه بالتكفير والتضليل، وقد حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك أشد التحذير، وزجر عنه أبلغ الزجر فقال صلى الله عليه وسلم (إذا قال الرجل لأخيه يا كافر، فقد باء به أحدهما) متفق عليه واللفظ للبخاري.

بل جعل النبي صلى الله عليه وسلم مجرد وصف المسلم بالكفر كإزهاق روحه وسفك دمه، فقال: (لعن المؤمن كقتله، ومن رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله) صحيح البخاري.

وقال الإمام ابن دقيق العيد في كتابه إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (وهذا وعيد عظيم لمن أكفر أحدا من المسلمين، وليس كذلك، وهي ورطة عظيمة وقع فيها خلق كثير).

فالحكم على المسلم بأنه قد خرج من الدين أمر خطير، وهو حكم شرعي مَرَدُّهُ إلى الله تعالى ولا مجال للعقل فيه، قال الإمام القاضي عياض المالكي في كتابه الشفا عن التكفير: (مورده الشرع ولا مجال للعقل فيه).

وقد اتفقت كلمة أهل الحق والسنة على أنَّ الوقوع في الذنوب والمعاصي ولو كانت من الكبائر لا يُخرج من الإسلام والإيمان، فقد يكون الإنسانُ مرتكباً لذنوب، وهو مع ذلك مؤمن يحب الله ورسوله، جاء في البخاري ومسلم أنَّ رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم عن واحدٍ من الصحابة (ذلك منافق لا يحب الله ورسوله) فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تقل ذلك، ألا تراه قد قال: لا إله إلا الله، يريد بذلك وجه الله).

وفي شعب الإيمان للبيهقي أنه أُتِيَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل شرب الخمر مرات فقال أحد الحاضرين: (اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به)، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لعنه وقال: (إنه يحب الله ورسوله)، وقرر العلماء عند شرحهم لهذا الحديث أنَّه لا تنافي بين ارتكاب المعصية وثبوت محبة الله ورسوله، فقد يرتكب المعصية والذنب والكبيرة مَنْ هو مُحِبٌّ لله ورسوله.

ولذا اتفقت كلمة أهل السنة على أنه لا يجوز ولا يصح أن يُكَفَّرَ مُسلمٌ بذنب من الذُّنُوب وَإِن كَانَت كَبِيرَةً إِذا لم يستحلها.

ومما قرره علماء المسلمين أنَّ مَنْ ثبت إسلامه بيقين لم يخرج منه إلا بيقين، قال الإمام ابن الملقن في شرحه لصحيح البخاري: (من ثبت له عقد الإسلام بيقين لم يُحْكَمْ له بالخروج منه إلا بيقين).

ومِن المزالق الخطيرة التي وقع فيها المتهورون في التكفير فهمهم الخاطئ لنصوص الوحي الشريف، فتوهم هؤلاء الجهلة أنَّ كلمة (الكفر) ليس لها إلا معنى واحداً، فأينما وجدوا كلمة (كفر) في آية أو حديث فهموها بمعنى الكفر الأكبر المخرج من الإسلام، وليس الأمر كما توهموا، فقد جاءت كلمة الكفر بمعنى كفر النعمة ومنه قوله تعالى: {وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة:152]، أو بمعنى أن هذا الفعل من أفعال الكفار التي لا تليق بأهل الإيمان كقوله صلى الله عليه وسلم عن قتال المسلم للمسلم في الحديث المتفق على صحته: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) فكلمة (كفر) في الحديث ليس المقصود بها الكفر الذي يُخْرِج المسلم عن إسلامه، وإنما المقصود بيان أن قتال المسلم أمر شنيع لا يليق بالمؤمن، فالمقصود ب (الكفر) التخويف والزجر، أو غير ذلك من المحامل التي ذكرها العلماء عند شرحهم للحديث، ولهذا نجد أن القرآن الكريم أطلق على المتقاتلين وصف (الإيمان)، قال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9].

وفهم المسارعون للتكفير من الحديث المتفق عليه: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) أن المقصود ب (لا يؤمن) نفي وجود الإيمان، وليس الأمر كما فهموا، بل المقصود نفي كمال الإيمان، فمن لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه فهو مؤمن غير كامل الإيمان.

ومن تهور المكفرين أنهم أنزلوا الآيات التي خاطب الله بها الجاحدين لدينه والمكذبين لرسوله على المؤمنين بالله ورسوله، وهذا مزلق خطير. والله أعلم.



د. سيف علي العصري المفتي في المركز الرسمي للإفتاء

اقرأ أيضا