الاتحاد

الاقتصادي

مكاسب الكويز تتبدد بسبب ارتفاع الشيكل والمبالغة في أسعار الخامات الإسرائيلية

القاهرة ـ محمود عبدالعظيم:
رغم الجدل الذي صاحب توقيع بروتوكول المناطق الصناعية المؤهلة 'الكويز' في ديسمبر الماضي فإن حقيقة تجمع عليها دوائر الأعمال في مصر وهي ان التوقيع كان عملية اضطرارية ليس فقط للحفاظ على السوق الأميركية لمنتجات الملابس المصرية ولكن ايضا لوقف تدهور صناعة تميزت بها مصر تاريخيا وحتى منتصف ثمانينيات القرن الماضي·
وبعد ستة شهور من بدء تطبيق بنود بروتوكول 'الكويز' مازال الجدل مستمرا في مصر على اعتبار ان الاتفاق ذو وجهين الأول اقتصادي معلن والثاني سياسي تحاول الحكومة نفيه بينما يصر عليه المعارضون الذين يعتبرونه خطوة واسعة على طريق التطبيع مع إسرائيل· وبغض النظر عن الوجه السياسي 'للكويز' فان لغة المكاسب والخسائر الاقتصادية طفت على الجدل حول الاتفاقية وبدأت أصوات رجال الأعمال المتعاملين في قطاع المنسوجات تجأر بالشكوى بعد ان تراجع خطاب الترحيب الإعلامي للاتفاقية وتركزت شكاوى رجال الأعمال على ارتفاع أسعار المكونات الإسرائيلية مقارنة بمثيلتها العالمية حيث يضطر المنتجون المصريون للحصول عليها بشرط الا تقل عن 11,7 في المئة من المنتج النهائي حسب بنود الاتفاق·· وتصل نسبة ارتفاع اسعار هذه الخامات في بعض الاحيان إلى 300 في المئة مقارنة بالبدائل من دول أخرى الأمر الذي يشكل عبئا على الأسعار النهائية للمنتج المصري في السوق الأميركية مما ترتب عليه عدم تحقيق النمو المتوقع لحجم الصادرات المصرية من الملابس الجاهزة للولايات المتحدة حيث لم تزد النسبة على 7 في المئة خلال الشهور الستة الماضية حسب احصاءات وزارة التجارة الخارجية بالاضافة إلى تراجع ربحية المصدرين المصريين بسبب ارتفاع هامش التكلفة· وتتمثل المشكلة الثانية في ارتفاع سعر 'الشيكل' الإسرائيلي مقابل الجنيه المصري وهذه العملة يصر بعض المنتجين الإسرائيليين على تسوية حساباتهم بها بدلا من الدولار رغم ان البنوك المصرية وشركات الصرافة المرخصة لا تتعامل بالشيكل رسميا الأمر الذي يدفع بعض المنتجين المصريين لتدبير الشيكل من الفلسطينيين العابرين للحدود المصرية من قطاع غزة وأصبح ذلك عبئا على هؤلاء المنتجين بعد ان شكل الطلب المتزايد على الشيكل ضغطا وخلق سوق سوداء للعملة الإسرائيلية في المناطق الحدودية· وأكد رجال أعمال مصريون ان الاتفاقية أدت الى تربح بعض التجار الإسرائيليين على حساب المنتجين المصريين حيث يستورد هؤلاء التجار مكونات صناعة الملابس من أسواق العالم المختلفة ويعيدون تصديرها لمصر بشهادة منشأ إسرائيلية ويحصدون أرباحا طائلة وتخصص بعض هؤلاء التجار في إستيراد هذه المكونات من أسواق شرق آسيا المعروفة بانخفاض أسعارها وتدني جودتها·
أوراق ضغط
وإذا كانت اتفاقية 'الكويز' تمنح مزايا تفضيلية للمنتجات المصرية في السوق الأميركية فان الشركات الصينية نجحت في التغلب على هذه المزايا من خلال مجموعة شركات وسيطة من هونج كونج وطرحت 3,5 مليون 'دستة' من الملابس خلال الشهور الستة الماضية مقابل تعاقد الشركات المصرية على تصدير 5 ملايين قطعة من أغسطس إلى نوفمبر المقبلين· ويقول رجل الأعمال عادل العزبي - عضو مجلس إدارة غرفة الصناعات النسيجية - ان الاتفاقية ليست نهاية المطاف ولابد من تعظيم الاستفادة منها فنحن امام واقع يشبه بالذي يضطر للزواج من عجوز شمطاء دميمة ولكنها ثرية· وطالب بإجراء مفاوضات من خلال اتحادي غرف التجارة والصناعة مع الجانب الإسرائيلي لحل مشكلة المبالغة في الأسعار مشيرا إلى ان المصدرين المصريين قبلوا شروط الاتفاقية وكانوا يتوقعون ارتفاع الأسعار موضحا ان المسألة تجارية بحتة وليست لها علاقة بأي أمور سياسية· والشركات المصرية لا تملك أي أوراق ضغط لحل المشكلة سوى التفاوض· وقال الخبير الاقتصادي الدكتور جودة عبدالخالق - ان الكويز اتفاقية ذات أبعاد سياسية بالغة الخطورة فهي احدى الصيغ المبتذلة لتنظيم العلاقات التجارية الدولية وتتنافى مع منطق حرية التجارة والتنافسية والكفاءة وتصطدم مع مباديء الجات والتجارة العالمية· ولا تحقق المصلحة الوطنية المصرية مشيرا إلى ان مصر بذلت قصارى جهدها لعقد اتفاق منطقة تجارية حرة مع أميركا على مدار السنوات الماضية لكن هذا الجهد انتهى بالكويز بدلا من تنظيم حقيقي للتجارة بين البلدين· و'الكويز' الأردني لم يكن مفتاح الحل السحري هناك وبالتالي لن يكون كذلك في مصر· وقال خالد أبواسماعيل - رئيس اتحاد الغرف التجارية المصرية - ان اتفاقية 'الكويز' تمت دراستها من جانب أعضاء مجلس الأعمال المصري الأميركي ووزارة التجارة الخارجية والأمر لا يتعلق برفض دخول منتجات إسرائيلية لانه يوجد في الواقع تبادل تجاري بين مصر وإسرائيل ولابد من الفصل بين السياسة والتجارة حيث ان اقامة المناطق الصناعية المؤهلة لا يمكن ان تلغي انتماء مصر العربي ولن تكون قيدا على تحركاتها السياسية· وأوضح ان اتفاق 'الكويز' قرار دولة قبل أي شيء والمصلحة الاقتصادية لمصر تتفق تماما مع هذا الاتفاق وتجربة الاردن خير دليل على ذلك واتفاق 'الكويز' هو الطريق لتوقيع اتفاق التجارة الحرة مع الولايات المتحدة والسوق الأميركية كبيرة لا يجوز التفريط فيها ولا يمكن الاستعاضة عنها بالسوق الأوروبية لأن السوق الأوروبية تخضع لشهادات المنشأ في قطاع المنسوجات لمرحلة الغزول بينما تسمح الولايات المتحدة باكتساب المنشأ من مرحلة الأقمشة وهو ما يعني ان الصناع يمكن ان يستوردوا أقمشة منخفضة السعر من أي دولة·
كويز الاردن
وقال الدكتور علي السلمي - خبير الإدارة الاقتصادية - ان المصانع القائمة في المناطق المؤهلة الأردنية معظمها مملوكة لمستثمرين غير أردنيين والعمالة تأتي من جنوب شرق آسيا والتجربة الأردنية انذار لأن بها سلبيات لابد من الانتباه إليها حتى لا تقع مصر في نفس الأخطاء· واضاف ان 'الكويز' اتفاق سريع ومؤقت ولا يجب ان يكون ركيزة علاقة استراتيجية وصادرات إسرائيل تبلغ 31,7 مليار دولار حصة أميركا الشمالية منها 13 مليارا ولا تزيد شريحة المنسوجات في هذه الحصة على 5,2 في المئة وبالتالي فإن قطاع المنسوجات في صادرات إسرائيل هامشي بينما المنسوجات في مصر صناعة رئيسية وترك هذه الصناعة تحت رحمة الشريك الإسرائيلي خطر كبير· وقال ان البرتوكول لا يمثل حلا لمشكلة الصادرات المصرية فالاساس في زيادة الصادرات والنفاذ للأسواق العالمية هو تطوير الصناعة وتحسين كفاءة المنتج المصري· ويؤكد الدكتور علي عوني - رئيس وحدة المناطق الصناعية المؤهلة بوزارة التجارة الخارجية والصناعة - انه لم يكن هناك أي خيار أمام مصر في الأجل القصير سوى توقيع برتوكول 'الكويز' للمحافظة على نصيبها في سوق المنسوجات والملابس الجاهزة بعد إلغاء نظام الحصص في أول يناير عام 2005 خاصة ان خيار توقيع اتفاق للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة مازال في مرحلة التشاور· وقال ان البرتوكول يتيح للصادرات المصرية النفاذ الفوري إلى السوق الأميركية دون تقديم أي التزامات من الجانب المصري وحتى في حالة بدء المفاوضات بشأن اتفاق التجارة الحرة فمن المتوقع ان تستمر تلك المفاوضات سنتين على الأقل ولن تتمتع المنتجات المصرية بحق النفاذ الحر بشكل تدريجي قبل 10 سنوات تقريبا فضلا عن ان اتفاق التجارة الحرة يلزم الجانب المصري بفتح السوق المصرية امام المنتجات الأميركية· واضاف ان أي اتفاق لابد ان يتضمن مزايا وعيوبا والمهم ان من يطبق هذا الاتفاق يحاول ان يعظم المكاسب ويقلل الخسائر وهو الأمر الذي تحاول الشركات المصرية ان تفعله بعد شهور من دخول البرتوكول حيز التنفيذ مشيرا إلى ان الشهور القادمة سوف تشهد بدء التفاوض حول زيادة عدد المناطق الصناعية المؤهلة إلا ان التحديد النهائي للمناطق المؤهلة يظل رهنا بموافقة الحكومة الأميركية وحتى يبدأ التفاوض من المخطط ان تضع الحكومة المصرية نظاما لمساندة هذه المصانع بحيث يتساوى الموقف التنافسي لصادراتها مع المصانع الموجودة داخل المناطق المحددة كما يبقي لهذه المصانع فرص النفاذ الحر إلى المنطقة العربية والكوميسا والاتحاد الأوروبي· وأوضح انه ليس من الضروري استيفاء نسبة المكون الإسرائيلي المحدد بنحو 11,7 في المئة في كل شحنة من الشحنات المصدرة للولايات المتحدة ويمكن استخدام نسبة مختلفة لكل شحنة ولكن يلزم ألا تقل نسبة اجمالي المدخلات الإسرائيلية في مجموع الشحنات التي يتم تصديرها خلال ربع عام عن 11,7 في المئة وإلا اعتبرت الشركة غير ملتزمة باحكام البروتوكول· وقال انه برغم شكاوى بعض المنتجين المصريين فان الاتفاق حقق عددا من المزايا لمصر و منها حرية النفاذ لكافة المنتجات المصرية المصنعة في المناطق المؤهلة للسوق الأميركية بلا رسوم جمركية وعدم وجود حصص كمية على المنتجات المصدرة وعدم وجود فترة محددة لسريان البروتوكول وزيادة تنافسية الشركات المصرية المصدرة للمنتجات المصنعة إلى جانب مرونة تطبيق قواعد المنشأ والآثار الايجابية المتوقعة على الاستثمار الأجنبي في مصر· والمناطق المؤهلة في مصر سبع مناطق موزعة على ثلاثة أقاليم جغرافية هي القاهرة الكبرى وتضم جنوب الجيزة وشبرا الخيمة ومدينة نصر والعاشر من رمضان ومدينة 15 مايو ثم الإسكندرية وبورسعيد· وبلغ عدد الشركات التي تقدمت للتسجيل في المناطق المؤهلة وحصلت على الموافقة 397 شركة· وقدرت وزارة التجارة الخارجية المصرية حجم الدعم الذي سوف تتكلفه الحكومة لتعويض الشركات المتضررة من 'الكويز' بنحو 120 مليون جنيه· وحسب أرقام وزارة التجارة الخارجية فقد بلغ حجم التجارة المصرية الإسرائيلية خلال عام 2000 نحو 50 مليون دولار منها 26 مليون دولار صادرات مصرية لإسرائيل و24 مليون دولار صادرات إسرائيلية لمصر· وبلغ حجم مستلزمات صناعة المنسوجات الإسرائيلية التي استقبلتها مصر في إطار اتفاقية 'الكويز' 860 طنا في نهاية مايو الماضي· وتقدم عدد من منتجي الملابس الجاهزة المصريين بمذكرة رسمية لاتحاد الصناعات يشتكون فيها مبالغة الجانب الإسرائيلي في أسعار المكونات التي يوردها·

اقرأ أيضا