الاتحاد

فكر

الفلسفة والفضاء العمومي·· التحديد والتوضيح

جاك دريدا

جاك دريدا

صدر للدكتور بن مزيان بن شرقي، أستاذ الفلسفة بجامعة وهران، دراسة بعنوان ''الفلسفة والفضاء العمومي·· التحديد والتوضيح''، جمع فيه 19 مقالاً مطولاً كان قد نشره في يومية ''الخبر'' الجزائرية·
تتطرق مقالات بن شرقي إلى مواضيع مختلفة بصبغة فكرية تأملية تحليلية قدَّم فيها وجهة نظره حول عدد من القضايا التي تشغل الجزائريين والعرب، ومنها مسائل التفتح، والحوار، والعدالة، والكتابة، والمصالحة، والصداقة، والضيافة، والكرامة، والجامعة، والبخل، والنقود، والشِّعر·
سعى بن شرقي وهو يتناول هذه القضايا إلى تحديد وتوضيح بعض المفاهيم التي يكثر تداولها في الخطاب اليومي ويعتريها اللبس بعد أن لاحظ من خلال استماعه إلى حوارات الناس ونقاشاتهم اليومية استعمال هذه المصطلحات من دون تحديد أو إدراك معانيها الحقيقية، ما دفعه إلى كتابة هذه السلسلة من المقالات باعتبار أن الفلسفة اليوم تهتم أكثر بتحليل الخطاب بغية خلق أنماط من التواصل مقتفياً بذلك اثر الأستاذ زكي نجيب محمود في تصحيح الأنماط التداولية للغة اليومية، ويقول بن شرقي: إن هذه الوضعية اليوم بحاجة إلى مراجعة في فكرنا العربي، وهي لذلك تعد من اهتمامات المشتغلين بالفلسفة، وحتى الغرب الذي يُعدُّ أنموذجاً عالمياً في التقدُّم، يقوم باستمرار بتصحيح لسانه منذ أن شرع أب الحداثة الأوروبية رينيه ديكارت في تخليص التفكير من كل الشوائب وذلك بوضع العقل كنقطة مرجعية لكل تفكير ممكن وصحيح، ثم تبعه فلاسفة مدرسة فرنكفورت وعلى رأسهم يورغن هابرماس حيث ذهبوا إلى الاستعمال الاجتماعي للعقل، بينما تناول غوتفريد لايبنتز مفهوم التشاكل اللغوي الذي عالج من خلاله مشكلة تعدُّد الألسن، بل إن السفسطائية نبهت إلى ضرورة اهتمام الفلسفة بالحياة اليومية من خلال تشجيعها للاستعمال العمومي لها، واهتمت باللفظ لما له من مخاطر في الاستعمالات التداولية للغة· يرى بن شرقي أن للفلسفة استعمالات وأدوارا يجب أن تقوم بها ومنها تحديد وتوضيح المفاهيم والنقد والتشخيص، وهو من صلب العمل الفلسفي، كما أن الفلسفة حق وواجب على كل إنسان مهما كانت صفته وموطنه وجنسه ولغته، لا لشيء إلا لأن الفلسفة هي الإنسان نفسه·
حق التفلسُف
وانطلاقاً مما سبق، جاءت مساهمة بن شرقي في ممارسة ''حق التفلسُف'' بكتابة هذه المقالات التي قال إنها تساهم في ''تحرير العمل الفلسفي من رقابته النسقية والأكاديمية'' ليخرج إلى أنماط الاستعمال اليومية· وحاول تبسيط مختلف المفاهيم التي تناولها لتكون في متناول كل قارئ انطلاقاً من مبدأ نزول الفلسفة من أبراجها العاجية إلى الشارع، لكن من دون أن يتخلى عن لغته الأكاديمية التنظيرية التي أعطت لمقالاته ثقلاً فكرياً نأى بها عن الإسفاف الذي قد يقع فيه بعض الكتاب بذريعة تبسيط المواضيع حتى يفهمها العامة، وقد وفق الكاتب في الجمع بين الأمرين على صعوبة المهمة؛ ففي مقال ''التفتُّح'' استحضر بن شرقي جوانب مشرقة من تراثنا الفكري من خلال الاستشهاد بكتاب''تحقيق ما في الهند'' للبيروني الذي دخل في حوار مع الحضارة الهندية قصد استعراض أفكار أصحابها ومناقشتهم ومقارنة ذلك بما جاء به الفلاسفة اليونان والمسلمون من دون ازدراء أو تنقيص· وهو ما عدَّه الكاتب مثالاً للانفتاح ولاحترام الاختلاف البشري والرغبة في الحوار والتواصل مع الآخر·
لماذا نكتب؟
وفي مقال ''الغريب'' يؤسس بن شرقي لفكرة ضرورة قبول الغريب كعضو منا انطلاقاً من فكرة زرع الأعضاء البشرية الغريبة عن أجسامنا· وفي ''الكتابة'' تساءل: لماذا نكتب؟ لما لهذا السؤال من قيمة وجودية في حياة الأمة باعتبار الكتابة حاملا للفكرة ومترجمة للأفكار، مع أنه ليس باستطاعة كل الكلمات استيعاب حمولة الفكرة· كما تناول قضايا طالما شغلت الجزائريين وفي مقدمتها المصالحة الوطنية ليتعمَّق في هذا المصطلح كثير الاستعمال بالجزائر في خلال السنوات الأخيرة، من خلال مفاهيم بعض المفكِّرين لها، منهم: ''جاك دريدا'' و''بول ريكور''، وربطها الكاتب بالتاريخ والتراث لتحقيق مصالحة حقيقية بعيدة عن الاعتبارات السياسية الظرفية· أما باقي المقالات فسارت على هذا النسق الذي يتناول فيه الكاتب مختلف قضايا الواقع بالرجوع إلى أقوال ومواقف أشهر الفلاسفة العرب والأوروبيين للتأكيد أن الفلسفة لم تبعد يوماً عن واقع الناس ولو أتهمت بذلك·
تعتبر هذه الدراسة مساهمة بارزة في تقريب الفلسفة من العامَّة، وقد وعد الكاتب بأن يتبعهما بجزأين آخرين يهتمان بالفلسفة وبالفضاء العمومي، على أن يتناول الجزء الثاني النقد والتشخيص، بينما يتناول الكتاب الثالث بناء النظريات·

اقرأ أيضا