الاتحاد

أين هويتي؟!

مع إطلالة الفجر الجميل·· بنسيمه العليل·· وبزوغه الذي بدد ظلمة الليل البهيم·· حملت كافة أوراقي وشهاداتي·· وعلى رأسها الجامعية·· وبدأت بزيارة وزارتي المفضلة·· التربية والتعليم·· من أجل البحث عن وظيفة تليق بمكانة ما لدي من ذخيرة فكرية وثقافية·· لرد الجميل لهذا الوطن الجميل·· وذلك بعد طول سنوات من تخرجي من الجامعة·· وإذا بي أصطدم بجدار الحزن·· وبشعار العصر·· لا يوجد لدينا شاغر·· أخذت أناقش المسؤول بكل أدب واحترام·· وإذا به يقول·· كلمتي نافذة·· وعليك في البحث عن وظيفة شاغرة في أي وزارة أخرى·· لا يوجد شاغر ألا تفهم·· فقلت له إن تخصصي تربوي بحت·· فقال لو جلست سنوات لن تعمل·· فأخذت أوراقي وكلي حزن وأسى على سنوات ضاعت من عمري سدى·· ولكن لم يدب اليأس في قلبي بل تابعت المسير إلى وزارة الاقتصاد والصناعة·· وما إن طرقت الباب حتى وقع ناظري على سكرتير المدير المحترم من إحدى الجنسيات العربية·· وبدون أن أتحدث معه فقط ألقيت عليه السلام·· فكان الرد غريباً قائلاً: وعليكم ماذا وراءك؟! هات من الآخر·· تعجبت فقلت له أنني جامعي وابحث عن وظيفة فقال في وزارتنا لا توجد شواغر فأخرج قبل أن يأتي الوكيل ويراك هنا··؟!
فخرجت حزيناً متوجهاً لوزارة الصحة·· وما أن دخلت حتى كان الاستقبال جميلاً·· وما أن قدمت أوراقي للمسؤول المختص من جنسية عربية·· إلا وقال لي تخصصك لا يفيد وزارتنا بشيء·· فقلت له أكون إدارياً·· قال وما أكثرهم معنا·· فلا شاغر عندنا بتخصصك·· فقلت أكون معيداً اجتماعياً لأخفف عن المرضى·· فقال لي من أين لك ذلك المسمى الغريب·· قلت لك لا شاغر عندنا··؟!
خرجت وبدأ الخوف يطرق بابي·· والحزن ينتاب قلبي·· ولكن تابعت المسير·· حتى وصلت إلى وزارة الشباب والرياضة وما إن طرقت الباب إلا وكان السكرتير كالعادة·· مرحباً هل لديك خبرة تدريب؟! هل تريد أن تكون حكماً؟! أو مساعد الحكم؟!·· أو معلقاً رياضياً؟!·· فقلت له يا أخي أنا خريج جامعي أبحث عن وظيفة·· فقال لي ومن قال لك أن في وزارتنا جامعيين؟!·· يا لها من مآساة·· ثم توجهت بعدها لوزارة الزراعة والثروة السمكية طرقت الباب، وكان السكرتير مهذباً·· استقبلني وشربت معه عصيرا·· وبعدها الشاي والقهوة·· وما أن عرضت عليه شهاداتي وأوراقي حتى قال لي·· لماذا لا تقول لي إنك تبحث عن وظيفة؟!·· لقد أخذت من وقتي كثيراً·· وأنا الآن أريد أن أعد برنامج لسعادة الوزير·· لقد تأخرت وأخرتني معك·· فقلت له يا أخي أنا مواطن وابن هذا الوطن·· فقال·· ماذا تقول مواطن؟!·· كلمة لأول مرة اسمعها في هذه الوزارة لا مكان لك عندنا·· فأخذت أوراقي ويئست من كثرة البحث عن وظيفة·· وبعدها توجهت لوزارة الداخلية·· فعندما طرقت الباب·· قيل لي·· ماذا تريد؟! قلت قسم شؤون الموظفين·· قيل لي اسمها إدارة الشؤون الإدارية والمالية·· فقلت لهم لا أعرف اسمها ·· ولكني جامعي أبحث عن وظيفة·· فقيل لي من على بوابة الوزارة لا يوجد عندنا شاغر وأنت جامعي·· فإذا أردت العمل أن تتنازل عن شهاداتك الجامعية·· فقلت وسنوات التعليم هل أضحت سدى؟!·· فقيل لي نحن لا يوجد لدينا شواغر للجامعيين·· فتوجهت من على بوابتها وكلي حزن وألم·· إلى القوات المسلحة·· فكان الرد كما كان بالداخلية·· وتوجهت لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية·· فقيل لي لا يوجد لدينا منصب شاغر·· فقلت موظف عادي·· بشهادة جامعية فقيل لي كيف يعني·· جامعي·· لا يوجد لدينا جامعي·· هل تريد أن تكون كاتباً عادياً أو مفتشاً بشهادة الإعدادية أو الثانوية؟!·· فقلت لهم لن أعمل في وزراتكم·· فتوجهت لوزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف·· فكان الاستقبال جميلاً ومختلفاً ولكن الرد كان عجيباً لا توجد لدينا إلا وظيفة مؤذن أو إمام أو مفتش أو خطيب·
ولكن يا ابني عليك بالبحث في وزارتك الأم·· التربية والتعليم·· فقلت له ما تركت وزارة إلا وقصدتها·· فسكبت عيناه الدمع·· وقال لي اترك أوراقك معي·· وسأحاول لك وظيفة سكرتير معنا وبشهادة جامعية·· ولكن سلم رواتنبا ضعيف وأنت المستقبل أمامك·· فقلت له شيء أفضل من لا شيء·· قال: ابحث عن وظيفة أخرى مناسبة لك·· وإذا لم تحصل فالمكتب مكتبك··
فتوجهت إلى الديوان الأميري بإمارتي ولكن ما أن قلت لهم أنني أبحث عن وظيفة·· إلا ورد السكرتير المحترم·· هذا الديوان الأميري يا أخي·· لا توجد لدينا وظائف شاغرة إلا لمن هم دون مستوى التعليم الثانوي·· فقلت له أنا جامعي فقال لا وظيفة عندنا·· فقلت له بعد أن ملئ قلبي حزناً·· وما هؤلاء الموظفين·· قال لي هذه غلطة زمان·· كانوا يعينون الجامعيين والآن التعيين يقتصر على ما دون الثانوية العامة·· فخرجت حزيناً وفي الصباح الباكر·· خرجت بنشاط جديد فقررت زيارة البنوك العاملة بالإمارة·· وما إن رآني الموظف العربي حتى قال لي تفضل·· مرحباً لدينا قروض ميسرة·· وفيزا·· وماستر·· وسحب على المكشوف·· وسحوبات·· وجوائز·· وتسهيلات على سيارات وغيرها الكثير·· فقلت إنني أريد المدير·· فقال لي تفضل·· وما أن دخلت على المدير المحترم وتجاذبت معه الحديث·· إلا وضغط على جرس الهاتف لينادي الموظف·· الذي أدخلني عليه·· فقال له اسأله ماذا يريد·· قلت ابحث عن وظيفة إنني جامعي·· فقال لي المدير ومن قال إننا نريد موظفين·· فخرجت حزيناً وهكذا·· كافة البنوك التي تكاد تكتظ بالأجانب·· والجنسيات العربية·· والقلة النادرة هم المواطنون·· هذه مأساتي ومأساة الكثير من حملة الشهادات الجامعية ولا غرابة·· فالواقع أصبح حزيناً أكثر·· فإلى متى سأبقى هكذا وشهادتي لم تشفع لي·· ولا بوظيفة تليق بمكانتي العملية والثقافية·· إنه الواقع الحزين·· ولست أنا الوحيد··!
راشد بن زايد قدفع - الفجيرة

اقرأ أيضا