الاتحاد

فكر

ما حال الفكر العلماني في مجتمعاتنا العربية ؟

رفيق عبد السلام

رفيق عبد السلام

ما أوضاع الفكر العلماني في المجتمع العربي؟ وما علاقات هذا الفكر بالمسألة الديمقراطية؟ وما علاقاتها بأنساق عمل الدولة في مجتمعاتنا العربية؟ ما علاقة كل ذلك بالقمع والانفتاح والحرية كما وردت في سياقات التعامل العربي مع هذه المفاهيم؟
هذه الأسئلة وغيرها حملناها إلى الدكتور رفيق عبد السلام، الكاتب والمفكِّر التونسي المقيم في العاصمة البريطانية لندن· وعبد السلام يحمل دكتوراه في الفلسفة السياسية من ''جامعة وستمنستر''، وباحث في ''مركز الجزيرة للدراسات''، ومؤلِّف صدر له مؤخراً كتاب ''في العلمانية والدين والديمقراطية: المفاهيم والسياقات''، وله الكثير من البحوث والكتابات في الصحف والمجلات العربية والإنجليزية والفرنسية·
ü يرى العديد من الباحثين العرب أن العلمانية هي رافعة أساسية للديمقراطية باعتبارها جزءاً مما يسمّى بـ ''الثقافة الديمقراطية''، فكيف تنظرون إلى الأمر؟
üü نعم، الخطاب الغالب في العالم العربي يميل إلى اعتبار العلمانية شرطاً لازماً للديمقراطية، بل لا يتردَّد الكثير في القول لا ديمقراطية من دون علمانية، بيد أن هذه المسلَّمة النظرية لا تصمد كثيراً أمام مجريات الواقع السياسي العربي بكل تناقضاته وتعقيداته، حيث يتبين عند التحقق أن العلمانية في هذه المنطقة من العالم لم تكن دائماً رديفاً أو حليفاً طبيعياً للديمقراطية، بل إن أكثر الأنظمة عنفاً وتسلُّطاً هي الأكثر علمنة وتحديثاً، في حين أن الدول العربية الموصوفة بالتقليدية والمحافظة تبدو أقدر على الانفتاح السياسي، أو هي في الحد الأدنى أقل عنفاً وتسلُّطاً·
أما إذا نظرت إلى المشهد العلماني في الإطار الغربي فإن الأمور لا تقل تركيباً وتعقيداً أيضاً· فبلد مثل بريطانيا، التي تعتبر مهد الديمقراطية الليبرالية بالعالم، لا تعتبر نفسها علمانية أصلاً، حيث يوجد دمج بين الكنيسة والدولة، وتجمع الملكة بين تمثيل التاج السياسي ورئاسة الكنيسة الأنجليكانية، ولا أحد يستطيع أن يقول هنا إن بريطانيا ليست ديمقراطية لأنها ليست علمانية صلبة على النحو الذي يتصوَّره بعض المثقفين العرب· في الولايات المتحدة الأميركية، مازال الدين بل والكنيسة يلعبان دوراً نشيطاً في المجال السياسي والفضاء العام جملة، وقد سبق لـ ''ألكسيس دي توكفيل''، المؤرِّخ الفرنسي المعروف، أن لاحظ، ومنذ وقت مبكِّر في القرن التاسع عشر، بأن الكنيسة هي أهم مؤسسة سياسية على حدِّ قوله في الولايات المتحدة الأميركية، وأن كل ما يجري في أميركا منطبعاً بالميراث الطُّهوري البروتستانتي·
طبعاً هذا لا يعني أن العلمانية تعادل الاستبداد، وأن المحافظة والدين يعادلان الانفتاح والديمقراطية؛ فأنا لا أعتبر العلمانية ولا الدين شرطين لازمين للديمقراطية، كما أنني لا أنظر إليهما من جهة ادعاءاتهما النظرية أو الكلامية، بل من جهة اشتغالهما على أرض الواقع·
ü ما الذي تعنيه على وجه الدقة بالديمقراطية إذا جرَّدتها من بُعد العلمنة أو ما يسمى بالثقافة السياسية الديمقراطية؟
üü أنا ممَّن يتبنون مقاربة إجرائية للديمقراطية أي اعتبارها جملة من الآليات السياسية التي تصلح للتخفيف من وطأة الاستبداد ومعالجة شرور السياسة إذا ما توافَّرت لها الأرضية السياسية المناسبة التي تسمح بتشغيلها على الوجه الأكمل، ولا أنظر إليها باعتبارها منظومة شمولية وجوهرية تتأسس على شرطي العلمنة أو اللبرلة مثلاً؛ فأهم ما في الديمقراطية هي الوسائل والإجراءات وليس الادعاءات النظرية التي تلبست بها· فأن تأخذ بالآليات الديمقراطية مثل فصل السلطات وجعل بعضها رقيباً على بعض، وأن توفِّر الضمانات اللازمة لنشأة الأحزاب والهيئات المدنية المستقلة عن الدولة، لا يُشترط أن تكون علمانياً أو حتى ليبرالياً ضرورة، بل إن الفيلسوف والحقوقي الألماني ''كارلت شميت''، وعلى الرغم من سمعته سيئة الصيت الناتجة عن علاقته المعروفة بـ ''نظام الرّايخ'' في ألمانيا، فإنه لم يكن مخطئاً حينما نفى وجود علاقة زواج كاثوليكي ودائم بين الليبرالية والديمقراطية·
ü قدَّمتَ في كتابك (في العلمانية والدين والديمقراطـــــية) نقــــــداً للائكيــــــــة الفرنســـــــية أو لـ ''النظام العلماني الفرنسي''، واعتبرتها مشكلاً وليس حلاً، فلماذا؟
üü أنا ممن يرون أن النظام العلماني الفرنسي بصيغته اللائكية يمثل مشكلاً وليس حلاً، بحكم ما يطبعها من نزوعات جذرية وعُنفية منحدرة من سياقات التاريخ السياسي الفرنسي بالغ الانفجارية والعنف· ومن المعلوم هنا أن اللائكية الفرنسية تقترن بنزعة تدخُّلية بالغة الوطأة تحت ادعاءات حداثية، وهي تراهن على جعل العلمانية بمثابة عقيدة وضعية صارمة في مواجهة العقائد والأديان، وليست مجرَّد حل إجرائي للسيطرة على معضلة الانقسام الديني، ولذلك لم يكن غريباً كثرة الضجيج الذي يثيره الفرنسيون حول ما يسمونه بالدولة الجمهورية والتعليم اللائكي وما شابه ذلك بحكم مراهنة الفرنسيين على هاتين المؤسستين لإحلال القيم الوضعية الدَّهرية محل القيم والتصورات الدينية· فكما فتحت الثورة الفرنسية أفق الوعي الإنساني لمعالجة شرور السياسة، بما في ذلك آفة الاستبداد، من خلال الوعي بتاريخيتها وعاهاتِها المزمنة، فإنها كذلك فتحت الباب على مصراعيه أمام ظهور أنماط استبدادية جديدة غير مسبوقة، فقد كانت الثورة الفرنسية حاملة لبذور الاستبداد ''الحديث''، على نحو ما سيبرُز لاحقاً، في الأنظمة الفاشية والنازية والشيوعية وغيرها·
ü كيف ترون العلاقة بين الإسلام والديمقراطية والعلمانية؟ أي هل تضع العلمانية كإيديولوجية مقابل الإسلام فيتم النظر إليهما كقطبين متوازيين؟؟
üü يبدو لي أنه ليس من السليم بناء مقابلة حديَّة بين الإسلام والديمقراطية أو حتى الإسلام والعلمانية على نحو ما تفعل ذلك تيارات التشدُّد الإسلامي والعلماني على السواء، لأن الديمقراطية وعلى نحو ما بينته سابقاً هي مجموعة من الإجراءات والآلات التي تظل قابلة للاشتغال ضمن أرضية الإسلام مثلما استغلت في أرضيات ثقافية ودينية أخرى· أما فيما يتعلق بعلاقة الإسلام بالعلمانية فهي بدورها مركبة وليست على ضرب واحد ونمط واحد، فلا الإسلام شيء موحد ونهائي ولا العلمانية كذلك، كما أن هذه العلاقة ليست على صورة واحدة· بيد أنه على الجملة يمكن القول إن مصطلح العلمانية لا يخلو من التباس دلالي حتى في سياقات استخدامه الأوروبي هنا قبل أن نتحدث عن الاستخدام العربي والإسلامي ولذا من الأفضل استبداله بمصطلحات أخرى أكثر حيادية ودقة·
ليست العلمانية كتلة صماء وموحدة، ولا هي ذات دلالة واضحة ومنضبطة، ولعله من المناسب هنا لضمان تواصل صحي بين مختلف القوى الاجتماعية في عالمنا العربي والتخفيف من حدة الاستقطاب الأيديولوجي والسياسي تسمية الأشياء بمسمياتها بدل استخدام مصطلحات ملتبسة ومغذية للانقسام والصراع· وفعلاً فإن المفكِّر المغربي محمد عابد الجابري ليس مخطئاً حينما طالب بإبعاد هذا المطلب من دائرة الخطاب السياسي العربي·
ü هل يعد ''الإسلام'' بنية صلدة لا يتقبل العلمنة مثل الأديان الأخرى كالمسيحية؟
üü لعله من الأنسب هنا الحديث عن أوضاع المسلمين وأحوال اجتماعهم السياسي بدل الحديث عن الإسلام في حدَّ ذاته، وما إذا كان يقبل أو يرفض العلمانية· أقول هنا باختصار حينما يعجز المسلمون عن اجتراح التسويات الاجتماعية والسياسية وضمان شروط التعايش المدني والسلمي في مجتمعاتهم داخل أرضية الإسلام ومختزناته العامة فإنهم يستدعون الحل العلماني رغماً عنهم، ولذلك لستُ مبالغاً إذا قلت هنا إن الجماعات الدينية العُنفية التي تعمل على تغذية الصراعات الطائفية والدينية والتي انتدبت نفسها لمحاربة العلمانية والعلمانيين، هي أول من يستدعي الحل العلماني قبل غيرها سواء كان ذلك بوعي منها أو من دون وعي؛ فحينما يتحوَّل الدِّين إلى عامل انقسام واستقطاب بدل أن يكون عامل توحيد ورأب للتصدُّعات، فإنه يؤسِّس لشروط تجاوزه نحو الخيار العلماني·
ما زال يحدوني أمل في تفعيل مختزنات الإسلام كالانفتاح والسماحة أو التسامح، وفي إحياء الخبرة التاريخية الإسلامية في التعدُّد الدِّيني والمذهبي مع مزيد من المراكمة عليها وتطويرها بما يستجيب الحاجات الراهنة، كما أنني مازلتُ متفائلاً بأن الذين يعملون على تحويل الإسلام إلى طوائف وجماعات مغلقة ومتعصِّبة لن يكسبوا الرهان في نهاية المطاف·
ü ماذا يعني أن نفكِّر في الإسلام والحداثة اليوم بعد ما فكَّر بها الإصلاحيون؟
üü لقد زرعت الحركة الإصلاحية الإسلامية البذور الأولى لما يمكن تسميته بالحداثة الإسلامية، وذلك في إطار مسعى الإصلاحيين الإسلاميين، منذ جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في القرن التاسع عشر وبقية تلاميذهما فيما بعد، إلى استيعاب ما اعتبروه أُسس المدنية الحديثة ضمن وعاء إسلام نصي يقوم على الاجتهاد ونبذ التقليد، ويقف بعيداً عن المذاهب والطوائف·
لقد كان مطلبهم الأساسي يتمثل في استيعاب التحولات الهائلة الجارية من حولهم، تلك التي فرضتها التدخُّلات الغربية الواسعة، في إطار الشرعية الإسلامية، بحيث يتم وصل ما انقطع من صلة بين الإسلام والعالم الحديث· كانت نظرتهم الأساسية تقوم على إمكانية التواؤم بين إسلام عقلاني مبرأ من الجمود والتقليد، وبين حداثة ليبرالية آخذة في التوسُّع بقوة الجيوش وتمدُّد الرأسمالية، وانتشار المدارس التبشيرية، وذيوع الصحافة·
لقد جنبت الحركة الإصلاحية خياراً صعباً وقاسياً كان من الممكن أن يواجهه العالم الإسلامي، كما واجهته بلدان أخرى كثيرة، وهو بين الحفاظ على موروث ديني وعرفي مفاصل للعصر، وبين الانخراط في حركة حداثة متغربة، فقد شق الإصلاحيون طريقاً بديلاً بين هذين الخيارين القاسيين·
بيد أنه لا يجب الجمود عند اللحظة التي توقف عندها الإصلاحيون لأنه قد أُتيحت لنا اليوم إمكانات النقد والمراجعة ما لم يتح لآبائنا الإصلاحيين· إنه لم يعد من اليسير اليوم قبول رؤية الإصلاحيين للحداثة الغربية أو في الحد الأدنى لبعض مكوِّناتها، ليس لأننا بالضرورة أكثر وعياً أو نضجاً من أسلافناً الإصلاحيين، بل لأنه قد جرت مياه كثيرة في نهر الحداثة الغربية سواء على صعيد الفكر أو على مجريات التجربة التاريخية الحية بما يجعلنا أكثر قدرة على أخذ مسافة من هذه الحداثة ونخل مكاسبها من عثراتها وهنّاتها· ما هو مطلوب اليوم إعمال النظر الحي والاجتهاد المتبصر في هذه الحداثة مثلما هو مطلوب الاجتهاد في الدين·

اقرأ أيضا