الاتحاد

ثقافة

روائي الخليج الأول

حتى الآن، اعتقدُ أن منطقة الخليج العربي أنجبت روائياً واحداً وسمَ عصر الرواية فيها بميسمه الإبداعي الكبير، ذلك هو الروائي الإماراتي علي أبو الريش· وعندما يكون أحد الأشخاص قريباً من هذا الإنسان المبدع الدال على عصره، والذي أذاب العالم من حوله في نصوص سردية هي شواهد كبرى على حاضرةٍ حافلة بكل ما يمكن تصوره من معطيات، فإن هذا الشَّخص سيمثِّلُ جزءاً من منظومة المحيط الذي يفكِّر فيه أبو الريش، ومجالاً قابلاً للتأمُّل فيه، وحقلاً يمكن استعارة مكنوناته لتكون عنصراً مكوِّناً في نسج سرديات أبو الريش الروائية· يحتاجُ أحدنا إلى منهج التحليل الظاهراتي أو ''الفينومينولوجي'' لقراءة نصوص أبوالريش السردية علَّه يظفر منها بصورة أو معطى انطباعي أو إحالة أو إشارة أو علامة له ثاوية في نصٍّ ما أو في جملة ما، بل حتى في كلمة ما، تحيل إلى موجودية أحدنا في ذهنية أبو الريش الإبداعية· ولكن ما هي صورتنا عنه نحنُ الذين نعيش مع أبي الريش في محيط واحد كزملاء عمل معه تجمعنا مهنة الكتابة؟·
üüü
يسكن أبو الريش في مخيالنا وذهننا ووجداننا وذاكرتنا كظاهرة إبداعية باسقة العطاء، نقرأ وجوده بيننا ككائنٍ نصيٍّ؛ مُتحرِّك، ناشط، صانع قرارات، قاصم لظهر الفتن، قاسط لحقوق الناس، حارث للحب في حقول البغضاء، زارع بذرات الأمل في متاهات يأس الناس، مُعلِّم قلمه الصِّدق وقرطاسه العشق، قديس عباءته الرحمة وعكازه الصفاء· شاعر نقرأ قصائده عبر صمته، ونتلقَّاها بالَّلمح الموحي· أبو الريش اسم بيننا، وندىً عاطر في حدائق بستاننا·
üüü
يغادر أبو الريش ''جريدة الاتحاد'' هذه الأيام، الجريدة التي أعطاها رحيق عمره، ورضاب روحه، وعصارة عقله؛ يغادرها صحافياً ريادياً، ومهنياً حكيماً، وكاتباً أصيلاً، وإنساناً ثمّار العطاء·
كتبَ أبو الريش عن القرية، والمدينة، والبحر· كتبَ عن الإنسان فيها؛ عن المرأة والرجل، عن الطفل والشاب والكهل· كتبَ عن الجوع والفقر والبؤس والثراء، كتبَ عن أزمنة الحاجة إلى البحر كبؤرة كونية، وعن القرية كبؤرة وجودية، كتبَ عن الصحراء كبؤرة عارية، وكتبَ عنها بعد أن اكتست أثواب المدينة الملونة· كتبَ أبو الريش عن كل ذلك وهو تحت قبَّة الجريدة، فما الذي سيكتبه تحت قبب أخرى؟·
كل كاتب يدون سردياته تحت قبَّة ما، لكن قباب الكتَّاب تبقى سقوفاً افتراضية لا غير؛ فالعمل الإبداعي هو عمل روحي متنافذ، بل الإبداع هو الروح وقد أفرغت كيانها في نصوص شعرية وسردية وغير ذلك من نصوص أُخر·
علي أبو الريش شجرة باسقة، وارفة، حانية، مثمرة في كل الفصول، شجرة تبحث عن قبَّة ما لا لكي تتفيأ بها، إنما لتكون الفيء بذاته الذي يمنح المكان الدفء والفضاء النور العاطر·
üüü
أجمل نصوص روائي الخليج الأول كتبها أبو الريش تحت قبة جريدة الاتحاد في ثلاثة عقود خلت، وأجمل نصوصه الإبداعية القادمة سيكتبها تحت قبب أخرى حيثُ الصحراء والقرية والبحر والمدينة والإنسان·

رسول محمد رسول
rasmad@maktoob.com

اقرأ أيضا

«أبوظبي للكتاب» تتويج لنهضة الإمارات الثقافية