الاتحاد

ثقافة

الطبيعة رمز الحياة

حارب الظاهري

حارب الظاهري

حين يتأصَّل في النفس البشرية شيء من الغربة الحياتية، يسري بشكل ذاتي البحث عن ملاذ أو متسع، إن مأزق التشكل المدني الصعب وإفرازات الحداثة الموجعة أحياناً والمتشبعة أحياناً أخرى بالأهداف الوهمية والاقتصادية، أصبح يغلف البشرية بالسياج النفسي المزمن والغير مرئي!
فمن منابت الإنسان منذ خلق وإلى الآن حب التقدم والازدهار، وحب التملُّك والبحث عن مكوِّنات وبيوت يفد إليها وطرق يمر من خلالها الى هذه المنظومة الحياتية المختلفة من التشكُّل المدني الذي يجسد رؤية عمرانية ناضجة وفخمة، فتبدو محببة للنفس كونها تحرك عجلة الحياة، ودائماً ما تبدو التراكمات السكانية والعمرانية زاحفة على حساب الطبيعة الخلابة!! لكن الإنسان نفسه أصبح يرفض كل ما شأنه أن يطبق على أفكاره ومقوِّماته الإنسانية، كما لا يحبب ذلك الزحف المتجسِّد والمتجدِّد من خلال البناء الاسمنتي الصلب فتراه يهج نحو الطبيعة الخلابة لأنها سمة الحياة البكر التي تشكل الدفء والسحر، فالنفس البشرية دائما تواقة إلى الهدوء مهما أخذتها النزعات الصناعية والمادية!
إن الإنسان في أوج مثابرته في البحث عن الحضارة يصنع لنفسه سياجا ويفرط في التراكمات الجوفاء التي باتت تثقل النفس وتجردها من لذتها الحقيقية، فالمدن المتورِّمة بهذا التشكل تزخر بالأمراض النفسية من جراء الكبت والضغط حتى أصبح أمر البحث عن مسارات أخرى كتجسيد الطبيعة ومزج المشاريع التجارية والصناعية بالثقافة، فكانت سمة من سمات الأهداف التي تزخرف الحالة الفنية في الخطط الاقتصادية !!
فكان المعتقد في السابق أن الحروب والاستعمار وحدهما اللذان يخلفان الغربة الذاتية والحياتية، إلا أن الواقع الحالي هو الخطر الحقيقي الذي أدرج الذات البشرية في سياج الحصار، فالتخمة المدنية من الأمراض الصامتة وغير المحسوسة!! ومن منطلق ذلك يخسر الإنسان في هذا العصر، ومن خلالها، كل ملامح القيم، وكذلك يخسر المعتقدات الدينية والروحية، ويخلق بيئة متشابهة عالميا تتجسد في المدن القائمة على الضوضاء والخواء!
مدن كأنها ذات طابع أحادي بحكم التهافت على الدوافع الاقتصادية حتى بات المرء لا يمكنه التجرد من التبعية المالية والولاء إلى المال، وهذا مما ينبئ بأن المستقبل أيضاً أسير لتلك التداعيات، فلا مفر من هذا التشكل البائس!!
إذن، لا يمكن قراءة مخرج ينبئ بتحرير الإنسان من مغبة الحصار النفسي!! فمن جراء يد الإنسان نعتقد إن السنوات القادمة لا تشكل مبعث أمل، بل مبعث خطر يدق ناقوسه كلما عطشت الصحراء، أو كلما ذابت الثلوج البيضاء، أو كلما تقيأ البحر من شدة طفح الكيل!! لذا لايكف أن يصبح للطبيعة أصدقاء ليس بمقدورهم النفع، بل أصبح الإنسان يبحث عن نفسه التي ضيعها في خضم توهج الحياة!

اقرأ أيضا

تجليات صورة المرأة في الرواية الإماراتية