الاتحاد

تقارير

ميانمار: حدود العفو السياسي

جيسون موتلاج
كاتب ومحلل سياسي


عندما تعهد رئيس ميانمار «ثين سين» بأن يعفو عن جميع السجناء السياسيين بحلول العام الماضي، اعتقدت «هكوان نان» أن زوجها سيكون من بينهم. وكان قد تم القبض عليه واسمه «برانج يونج»، 25 عاماً، بينما كان يرعى الماشية هو ورجل آخر يدعى «لابيه جام» بالقرب من معسكر للنازحين حيث تقيم أسرته. وقد تحمل الاثنان سوء المعاملة لإرغامهما على الاعتراف كذباً باتصالهما بإحدى الجماعات المتمردة، بحسب رواية محاميه.
وبالفعل قامت حكومة ميانمار، الدولة التي كانت تعرف أيضاً باسم بورما، العام الماضي بإطلاق سراح مئات من السجناء السياسيين، في آخر بادرة على طريق الانتقال من مرحلة دامت أكثر من خمسة عقود من الديكتاتورية العسكرية، كما تم أيضاً إجراء انتخابات وتخفيف القيود المفروضة على وسائل الإعلام.
ولكن راعي الماشية ورجلاً آخر يعمل معه لا يزالان خلف القضبان، فيما يدل على أن الوعد بإصدار العفو عن الموقوفين لم يكتمل بعد. وقد ذكرت جماعات حقوقية أن السجناء السابقين ما زالوا معرضين لاحتمال الاعتقال مرة أخرى في أي وقت، وأن المزيد من المعتقلين يعانون في السجن بمقتضى قوانين اعتقال الجميع التي تستهدف على نحو غير متناسب سكان مدينة «كاشين» وغيرهم من الأقليات العرقية، خاصة القادمين من الهضاب الشمالية التي مزقتها الحرب.
يقول ماثيو سميث، المدير التنفيذي لجماعة «فورتيفاي رايتس» وهي جماعة دعم مستقلة ومقرها بانكوك، إن «حياة الناس أصبحت ممزقة، ولم يعد هناك مجال للوصول إلى العدالة. إن هذا ليس إصلاحاً».
ووفقاً لجمعية مساعدة السجناء السياسيين، وهي الهيئة التي تراقب أحوال سجناء الرأي في ميانمار، إن 33 سجيناً سياسياً على الأقل ما زالوا قيد الحبس، وإن 166 آخرين ينتظرون المحاكمة. كما ألقي القبض على عشرة أشخاص على الأقل منذ بداية العام، بعضهم يخضعون للقوانين نفسها المستخدمة لاحتجاز آخرين تم العفو عنهم.
ويقول ناشطون إن بعض الإجراءات يتم تطبيقها لجعل الاعتقالات ذات دوافع سياسية، أبرزها مادة تتيح للسلطات احتجاز الناس من دون تهمة رسمية أو أي شكل من أشكال الإجراءات القانونية الواجبة. ويرى المنتقدون هذا القانون الذي يعود تاريخه إلى حكم الاستعمار البريطاني، باعتباره سبب الكارثة في ولاية «كاشين» الشمالية، حيث نشب صراع مدني منذ انهيار وقف إطلاق النار الذي أعلن منذ 17 عاماً بين القوات الحكومية ومسلحي «جيش كاشين المستقل»، في يونيو 2011. ويريد «جيش كاشين» المزيد من الحكم الذاتي في إطار النظام الفيدرالي.
ومن بين أكثر من 100 ألف شخص مهجر بسبب القتال حتى الآن، يعيش ما يقارب 7000 فقط في مخيمات المشردين المغبرة حول «متكيينا»، والميناء الذي تسيطر عليه الحكومة. وفي أعقاب سلسلة من التفجيرات الغامضة التي وقعت في السنوات الأخيرة، تقول جماعات حقوقية إن العشرات من الرجال بكاشين تم اعتقالهم من قبل قوات الأمن وتعرضوا لسوء المعاملة.
وفي يونيو 2012، تم القبض على فلاح هو «برانج شوانج»، 26 عاماً، في معسكر بإحدى البلدات بعد فترة قصيرة من فراره من الاشتباكات التي نشبت بالقرب من قريته. وذكر الفلاح أنه على مدار الأيام الثلاثة التالية قام أفراد المخابرات العسكرية بتعذيبه لانتزاع اعتراف كاذب منه. وحكم على برانج شوانج بالسجن لمدة عامين بتهمة كونه رقيباً في جيش الاستقلال وبتهمة تورطه في حادث تفجير.
وعندما تحفظ القاضي على اعتراف «شوانج» الأولي بسبب وجود أدلة على إكراهه على الاعتراف، تم استبدال ذلك القاضي، كما ذكر المحامي «مار كار».
وقد ساعد الضغط الشعبي على الإفراج عن «شوانج» في يوليو، بعد مرور أسبوع من إعلان الرئيس «ثين سين» العفو. غير أن المحامي «مار كار» قال إن لديه العديد من القضايا الأخرى المماثلة التي ساعدت على تعميق استياء سكان «كاشين» تجاه الحكومة المركزية.
وفي عام 2012 فقط، قامت لجنة حقوق الإنسان الآسيوية بتوثيق 36 حالة لأشخاص تم اعتقالهم وتعذيبهم من قبل قوات الأمن في ولاية «كاشين» بزعم اتصالهم «غير المشروع» بجيش الاستقلال.
أما راعيا الماشية «برانج يونج» و«لابيه جام» فقد وجهت إليهما تهمة الاتصال بجيش الاستقلال والضلوع في تفجيرات عديدة. وفي الحجز العسكري، كما يقول المحامي «مار كار»، تم إجبارهما على الوقوف عاريين. كما لم يسمح لهما بالإدلاء بشهادتهما في المحكمة.
وفي الشهر الماضي، أصدرت مجموعة عمل الأمم المتحدة المعنية بالاحتجاز التعسفي حكماً ينص على أنه من غير المقبول أن «تضطلع المحاكم العسكرية في ميانمار بدور الجهات المسؤولة وحدها عن العدالة، حيث إنها لا تستجيب للمعايير الدولية لحقوق الإنسان».
وأكدت المجموعة أن «لابيه جام» قد «حرم من حقه الأساسي في الحصول على محاكمة عادلة» ودعت إلى الإفراج الفوري عنه، بينما أشارت إلى أن حكومة ميانمار لم تنكر أي مزاعم بالتعذيب. ولم يرد ممثلو مكتب «ثين سين» ووزارة الشؤون الداخلية على المكالمات الهاتفية العديدة التي كانت تطالبهم بالتعليق. وفي تعليق ظهر على «فيسبوك» في 31 ديسمبر الماضي، كتب المتحدث الرئاسي «يي هتوت» يقول: «أود القول إن الرئيس قد أوفى بوعده الذي أعطاه للشعب».
ولكن الناشطين الحقوقيين المحليين في ولاية «كاشين» يؤكدون أن الاعتقالات المستمرة والتهم الوهمية والانتهاكات تأتي في إطار حملة أوسع لتخويف عشرات الآلاف من سكان «كاشين» النازحين الذين يقيمون في منطقة تسيطر عليها الحكومة، من العودة إلى ديارهم. وقد واجهت وكالات الإغاثة الدولية أيضاً قيوداً مشددة منذ تجدد الصراع.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا