الاتحاد

تقارير

شبه جزيرة القرم... وتفاقم التدخل الروسي

رجال مسلحون يرتدون أزياء عسكرية يحاصرون قاعدة للقوات الأوكرانية قرب مدينة «سيمفيروبول» في شبه جزيرة القرم. (ا ف ب)

رجال مسلحون يرتدون أزياء عسكرية يحاصرون قاعدة للقوات الأوكرانية قرب مدينة «سيمفيروبول» في شبه جزيرة القرم. (ا ف ب)

دارينا كراسنولوتسكا
أوكرانيا


عبأت أوكرانيا قوات الاحتياط في جيشها ودعت المراقبين الدوليين إلى متابعة الوضع في شبه جزيرة القرم، وذلك بعد دخول القوات الروسية إلى المنطقة في ما يبدو أنه محاولة لبسط السيطرة عليها، الأمر الذي أثار ردود فعل دولية معارضة. ففي يوم الأحد الماضي، وصل المئات من المسلحين مجهولي الهوية إلى القرم وطوقوا قاعدة تابعة للجيش الأوكراني، في وقت وضعت فيه كييف قواتها في حالة استنفار قصوى، ووجهت دعوة لكل من الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي لمراقبة التطورات الجارية في البلاد.
وجاءت هذه الأحداث المتسارعة مباشرة عقب مصادقة المشرعين الروس في البرلمان على طلب بوتين نشر القوات الروسية في حالة الضرورة، وهي الخطوة التي دفعت أوباما إلى الاحتجاج على ما أسماه «الانتهاك الصارخ» للسيادة الأوكرانية في محادثة هاتفية مع نظيره الروسي دامت تسعين دقيقة، بل ذهبت الولايات المتحدة إلى أكثر من ذلك بتحذيرها يوم الأحد الماضي من احتمال فرض عقوبات على روسيا إنْ هي تمادت في تدخلها بالقرم.
وفي هذا السياق، حث رئيس الوزراء الأوكراني المؤقت «أرسيني ياتسينيوك» الرئيس بوتين على «سحب قواته العسكرية»، وأضاف في خطاب متلفز يوم الأحد المنصرم «إذا أراد بوتين أن يدخل التاريخ بأنه الرئيس الذي أشعل الحرب مع بلدين جارين وصديقين، فقد بات على أعتاب هذا الأمر، لذا نحن على شفير الكارثة».
وقد تحولت شبه جزيرة القرم التي تضم غالبية تتحدث باللغة الروسية إلى بؤرة الاهتمام في الأزمة الأوكرانية المستمرة، وذلك في أعقاب الانتفاضة التي أطاحت الرئيس المخلوع فيكتور يانوكوفيتش، فيما اضطر المسؤولون الأوروبيون والأميركيون، الذين كانوا يسابقون الوقت لإنقاذ الاقتصاد الأوكراني وتأمين مليارات الدولارات، إلى تحويل انتباههم إلى كيفية تجنب الحرب التي بدأت إرهاصاتها تلوح في الأفق بعد التحركات العسكرية الأخيرة في منطقة البحر الأسود التي تهدد بزعزعة استقرار ذلك البلد. وبحسب بيان صادر عن الحكومة الألمانية إثر المكالمة الهاتفية بين الرئيس الروسي والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي اعتبرت التدخل الروسي في القرم غير مقبول، فقد وافق بوتين على تشكيل مجموعة عمل لبدء المفاوضات مع أوكرانيا، وأضاف نائب المتحدث باسم المستشارة الألمانية، موضحاً موقف بلاده «يبدو أن بوتين قبل مقترح المستشارة ميركل بتشكيل بعثة لتقصي الحقائق، بالإضافة إلى مجموعة تواصل مهمتها بدء حوار سياسي». ومع أن روسيا تحتفظ تقليدياً بأسطول بحري في ميناء القرم بمدينة سيفاستوبول، إلا أن السفير الأوكراني لدى الأمم المتحدة، يوري سيرجييف، أكد أن أعداد القوات الروسية ما فتئت تتزايد مع مرور كل ساعة، فيما قال وزير الدفاع الأوكراني إن موسكو أرسلت ستة آلاف جندي إلى المنطقة خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية. ولكن في المقابل صرح رئيس وزراء القرم الذي عين مؤخراً بأن الوجود الروسي إنما يهدف إلى حماية المنشآت الحيوية، بحسب ما نقلت عنه وكالة «إنترفاكس» الروسية.
وكان عدد من المسلحين قد توافدوا يوم الأحد الماضي على القرم ووصلوا إلى قاعدة لقوات المشاة التابعة للجيش الأوكراني في اتساق مع نمط من التحركات ساد في الأيام القليلة الماضية، حيث استولى جنود مسلحون على الموانئ والمنشآت الأساسية في المنطقة منذ 28 فبراير الماضي، وبحسب وكالة الصحافة الفرنسية، فقد ضمت القافلة العسكرية التي اخترقت حدود القرم 13 عربة، كل واحدة تقل على متنها 30 جندياً، بالإضافة إلى أربع عربات مصفحة وضعت على ظهرها مدافع رشاشة. وبعد دخول شبه الجزيرة، قامت تلك الآليات العسكرية بتطويق قاعدة من الجنود الأوكرانيين ومنعهم من الخروج. وفيما حذرت أوكرانيا جارتها روسيا من أن أي اجتياح عسكري للقرم سينظر إليه كعمل حربي، أصرت موسكو من جانبها على أنها ستتخذ ما يلزم من إجراءات إذا تعرضت المناطق الناطقة بالروسية للاستهداف.
ولكن التداعيات الاقتصادية للتطورات الأخيرة في أوكرانيا أرخت بظلال ثقيلة على الوضع، حيث تعززت قوة الين والدولار بعد إصدار بوتين لتهديده بغزو القرم، مع توقع المراقبين صعوداً في الأصول الآمنة نسبياً مثل سندات الحكومة الأميركية، والذهب، لا سيما في ظل التراجع الذي تشهده عملات الأسواق الناشئة، هذا في الوقت الذي تسبب فيه التوتر المتصاعد بأوكرانيا في فقدان العملة الروسية، الروبل، لحوالي 0,6 من قيمتها، وتهاوي العملة الأوكرانية إلى مستويات قياسية بوصولها إلى 10,7 للدولار الواحد. وفي تصعيد واضح للهجة الدول الغربية، يبدو أن الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا تدرس احتمال تعليق مشاركتها في اجتماع دول الثماني المقرر عقده في روسيا خلال شهر يونيو المقبل، كما أن موسكو قد تفقد أيضاً عضويتها في المجموعة، فيما تنظر واشنطن في إمكانية فرض عقوبات حسبما صرح بذلك وزير الخارجية كيري. فخلال تدخل له في أحد البرامج الأميركية، قال الوزير إنه إذا لم تتراجع روسيا عن انتهاكها العسكري للأراضي الأوكرانية «قد يصل الأمر إلى تجميد الأصول، وفرض حظر على التأشيرات».
وفيما يتعلق بردة فعل البيت الأبيض على الأحداث المتسارعة، قال المتحدث باسمه جوش إيرنست إن أوباما يتلقى تقارير أولاً بأول عن الوضع في أوكرانيا من مستشاريه للأمن القومي. كما يعتزم الاتصال بحلفاء أميركا لتنسيق المواقف ودراسة الاحتمالات. وكان مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قد عقد جلسة طارئة لمناقشة الأحداث الجارية في أوكرانيا بطلب من بولندا، كما التأم حلف شمال الأطلسي في اجتماع تشاوري يوم الأحد الماضي. وفي توضيحه للموقف الروسي، قال نائب وزير الخارجية الروسي، جريجوري كارسيان، إن روسيا لا تريد الدخول في حرب مع أوكرانيا، مضيفاً أنه يمكن «تطبيع الوضع» إذا «شرعت الحكومة في كييف في تسوية المشاكل الداخلية بالتوافق مع القانون الدولي».

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا