الاتحاد

دنيا

«من هو الأحمق؟!»

قد يبدو عجيباً وصعباً أمر توصيف الأحمق، بحيث أننا لو استعرضنا صفات الأحمق من حيث الأفعال والصفات، فلا يكاد يعرف العاقل من الأحمق من بيننا، فمن الأفعال: ترك نظره في العواقب، وثقته بمن لا يعرفه، والعُجْب وكثرة الكلام، وسرعة الجواب، وكثرة الالتفات والخلو من العلم، والعجلة والخفة، والسفه، والظلم والغفلة والسهو والخيلاء، وإن استغنى بطر، وإن افتقر قنط، وإن قال أفحش، وإن سُئل بخل، وإن سأل ألحّ، وإن قال لم يحسن، وإن قيل له لم يفقه، وإن ضحك قهقه، وإن بكى صرخ!
وقد جاوز عدد أسماء الأحمق الأربعين اسماً منها الرقيع، المائق، الهلباجة، الخطل، الخرف، الماج، المسلوس، المأفون، المأفوك، الْفك، الفقاقة، الهجأة، الألق، الخوعم، الألفت، الوطيء، الباحر، الهجرع، المجع، الهبنك، الأهوج، الهبنق، الأخرق، الداعك، الهبنقع، المجع، الذهول، الجعبس، الأوره، الهوف، المعضل، وغيرها، ولو لم يكن من فضيلة الأحمق إلا كثرة أسمائه لكفى، وقال ابن الأعرابي: الرقيع هو الذي يحتاج أن يرقع حمقه. وتقول العرب الأخرق هو الذي يخرق الأشياء ولا يحسن لها مأتى.
ومن أسماء النساء ذوات الحمق: الورهاء، الخرقاء، الدفنس، الخذعل، الهوجاء، القرثع، الداعكة وورد في المستطرف أن الحماقة مأخوذة من حمقت السوق إذا كسدت فكأنه كاسد العقل والرأي، فلا يشاور ولا يلتفت إليه في أمر من الأمور، والحمق غريزة، لا تنفع فيها الحيلة، وهو داء ليس له دواء إلا الموت، قال الشاعر:
لكل داءٍ دواءٌ يستطبُّ به إلا الحماقة أعيت من يُداويها
وقال عيسى عليه السلام «عالجت الأبرص والأكمه، وعالجت الأحمق فأعياني»، والسكوت عند الأحمق جوابه، ونظر حكيم إلى أحمق على حجر فقال: حجر على حجر!
ويقال في المثل «أحمق من أبي غبشان» وقد كان من حديثه أن خزاعة حدث فيها موت شديد ورعاف عمّهم بمكة، فخرجوا منها ونزلوا الظهران فرُفع عنهم ذلك. وكان فيهم رجل يقال له حليل ابن حبشية، وكان صاحب البيت، وكان له بنون وبنت يقال لها حُبيّ، وهي امرأة قصي بن كلاب، فمات حليل، وكان أوصى ابنته حبيّ بالحجابة، وأشرك معها أبا غبشان الملكاني، فلما رأى قصي بن كلاب أن حليلاً قد مات، وبنوه غُيّبٌ والمفتاح بيد امرأته، طلب إليها أن تدفع المفتاح إلى ابنه عبد الدار، وحمل بنيه على ذلك وقال: اطلبوا إلى أمكم حجابة جدكم، ولم يزل حتى سلمت له بذلك، وقالت: كيف أصنع بأبي غبشان وهو وصيّ معي؟ فقال قصيّ: أنا أكفيك أمره، فاتفق أن اجتمع أبو غبشان مع قصيّ في شرب بالطائف فخدعه قصي عن مفاتيح الكعبة، بأن أسكره ثم اشترى المفاتيح منه بزقّ خمر وأشهد عليه، ودفع المفاتيح إلى ابنه عبد الدار بن قصي وطيّره إلى مكة.
فلما أشرف عبد الدار على دور مكة رفع عقيرته وقالت: معاشر قريش، هذه مفاتيح بيت أبيكم إسماعيل قد ردّها الله إليكم من غير غدر ولا ظلم، فأفاق أبو غبشان من سكره أندم من الكُسعي، فقال الناس: أحمق من أبي غبشان، فذهبت مثلاً، وأكثر الشعراء فيه، قال بعضهم:
إذا فخرت خزاعة في قديم وجدنا فخرها شرب الخمورِ
وبيعَا كعبة الرحمن حمقَا بزقُ بئس مفتخر الفخورِ
وقال آخر:
أبو غبشان أظلم من قصيّ وأظـلم مـن بني فهـر خـزاعَه
فلا تلحـوا قصـيّاً في شـراه ولوموا شيخكم إن كان باعَه


إسماعيل ديب

اقرأ أيضا