الاتحاد

ثقافة

رأى كل شيء وخبر أحوال البلاد

بابل القديمة

بابل القديمة

بهذا البيت من الشعر تبدأ ملحمة جلجامش، الملك السومري· وقد أعادت الأجيال اللاحقة تجديد الملحمة في صيغة بابلية دون أن تطمس أصلها العريق· إن مواجهة الموت، بكل ما في هذه المواجهة من رهبة وغموض وفجيعة، هي الدافع العميق لكل فن عظيم، على امتداد التاريخ· والملحمة بنسيجها الأسطوري تجعل الآلهة تتصرَّف كالبشر وتختلط معهم· فالأسطورة تقول: إن جلجامش ثلثاه إلهي وثلثه بشري، فأمه الربة ''نِنْسون'' وأبوه الملك العظيم ''لوال باندا''· وهذا الملك المتفرِّد في سلطانه الذي كان يعيش مستمتعاً بملذات الدنيا وطيباتها إلى أقصى مدى ''لم يترك بنتا لأبيها ولا زوجة لبعلها'' حتى سئم حياة الترف، وضجت أوروك من تماديه، فاستغاث أهلها بالآلهة لإنقاذهم منه فخلقت أنكيدو لتحديه وأرسلته طليقاً مع الوحوش·
عندما سمع جلجامش من الصياد بظهور هذا الرجل المتوحِّش، أرسل إليه محظية سرعان ما نجحت في ترويض الرجل وإغراقه بالمتعة ''ستة أيام وسبع ليالٍ حتى نفرت منه الوحوش''· ومن ثم عادت المحظية به إلى أوروك ليواجه الملك· في رحاب العاصمة وأجوائها المترفة، يتحوَّل الرجلان من حالة التحدي والصراع إلى صداقة حميمة، كان من أهم ثمارها القضاء على الوحش الأسطوري ''خمبابا''، حارس غابة الأرز، وقتل ثور السماء· وبارتكاب هذه الخطيئة حكمت الآلهة على أنكيدو بالمرض المميت· لم يحتمل جلجامش فاجعة فراق صديقه، وأصابته فكرة الموت بالهلع فأراد الحصول على عشبة الخلود فكانت هذه الرحلة·
اعتمدت في هذه الرحلة أساساً على ترجمة العلامة الدكتور طه باقر والباحث وفراس سواح، لكني رأيتُ أن أستفيد من ترجمات أخرى، خاصة ترجمة الدكتور سامي سعيد الأحمد، فضلاً عن الترجمات الإنجليزية· ولأن فكرة الرحلة هي التي تشغلني، فإنني لم ألتزم بتفاصيل النَّص بل آثرت الإيجاز والتكثيف· ويمكن للقارئ الذي يهمه الاطلاع على نص الملحمة كاملاً أن يعود إلى مراجعه الأصلية·
جاء في اللوح التاسع ''والخطوط المائلة للفصل بين الأبيات'':
''من أجل أنكيدو، صديقه أنكيدو/ بكى جلجامش ملتاعاً وهام في البراري:/ ''ألن يدركني، إذا مت، مصير أنكيدو؟/ سكن الأسى فؤادي/ وانتابني هلع الموت حتى همت في البراري/ وإلى أوتونابشتيم بن أوبارا توتو/ اتخذت طريقي أغذ السير سريعاً''·
رحلة قاسية
كانت رحلة قاسية محفوفة بالمخاطر والأهوال·· جبال غير مطروقة، وحوش ضارية، وظلمة حالكة، ولا من أنيس أو دليل· ويستمر النَّص في وصف المخاوف والمشاق حتى يصل جلجامش إلى سلسلة ''جبال ماشو'' في أقصى غرب الأرض:
''اسم الجبل ماشو/ ''طود'' يتابع الشمس في شروقها وغروبها كل يوم/ وتلامس ذراه أطراف السماء/ وتمتد قواعده عميقاً إلى العالم السفلي/ يحرس بوابته الرجال العقارب/ لهم هيبة مخيفة وفي نظراتهم يكمن الهلاك···''· في مواجهة هذا المنظر المرعب، يمتقع وجه الملك المغامر ويمتلئ قلبه هلعاً، ولكنه يتمالك نفسه ويتقدَّم· ومن حوار الرجل العقرب مع زوجته نرى أن العقارب تدرك أن القادم إليهم ''من طينة الآلهة: ثلثاه إله وثلثه بشر''، لكن الزوج يريد معرفة الدافع لهذه المغامرة الخطرة التي لم يسبقه إليها أحد، فيوضح له جلجامش، قائلاً:
''من أجل أبي أوتونابشتيم أتيت/ من أجل من صار في مجمع الآلهة/ لأسأله عن سر الموت والحياة''·
ثم يرجوه أن يفتح له بوابة الجبال، فيستجيب له بمودَّة:
''امض يا جلجامش/ جبال ماشو شامخة أمامك/ فلتقطع سلاسل الجبال/ ولتذهب سالماً''·
ويمضي الملك في طريقه والظلام الدامس يحيط به ويزيد من مصاعب الرحلة وأخطارها· وبعد ساعات· وساعات مضاعفة - كما يكرر النص - وهذه سمة من سمات أسلوب الملحمة ''لاحت بشائر النور'':
''رأى حديقة أشجارها من حجر كريم فدنا منها/ كان شجر العقيق مثقلا بالثمار/ والأعناب تتدلى···/ وشجر اللازورد يحمل···/ ينوء بثمر يسر الناظرين···''·
وفي اللوح العاشر، آثرت توليفة تجمع بين أكثر من نص، كما اضطررت لحذف أبيات عديدة من قصة الطوفان لأنها تخل بسياق الرحلة·
حكاية الفجيعة
ويتوجه جلجامش بالحديث إلى الفتاة سيدوري، ساقية الحانة في مجمع الآلهة، وهي تقيم عند حافة الأوقيانوس العظيم الذي يحيط الكون· يحكي لها قصته الفاجعة بفقد صديقه، ويخبرها أنه لم يسلمه للدفن، بل هام على وجهه في البراري كالصياد، وأنه بكى عليه طويلاً لعله يستفيق على نحيب:
''سبعة أيام وسبع ليال وأنا أبكي عليه/ حتى سقطت دودة من أنفه···''·
وبعد حوار طويل، يكرر جلجامش فيه قصته، تستغرب الساقية كيف تغيرت ملامحه وكأنما أصابه الضنى من مشقة السفر، وتسهب بنصائحها إليه دون جدوى، ثم تدله على ملاح أوتونابشتيم، واسمه ''سورسونابو'' في النَّص البابلي، وفي النص الآشوري أورشنابي· كان الملاح في تلك الأثناء يحتطب في الغابة المجاورة، فأسرع إليه جلجامش، ولكنه من شدَّة اندفاعه وفي غمرة انفعاله كسر ألواحاً أو صوراً وضعها الملاح جانباً، وهي الرُّقُم السحرية التي يحملها معه دوماً في إبحاره لتساعده على قطع مياه الموت المؤدية إلى أرض دلمون حيث يعيش سيده الخالد· ويقف الملاح عاجزاً، ثم يطلب من جلجامش أن يحمل بلطته قائلاً:
''امضِ إلى الغابة واقطع مائة وعشرين مجدافا/ طول كل منها ستون ذراعاً/ اطلِها بالقار وصفِّح أطرافها ثم جئني بها''·
ثم أبحرا فقطعا في ثلاثة أيام مسيرة شهر وخمسة عشر يوماً حتى وصلا إلى مياه الموت· ويراهما أوتونابشتيم من بعيد ويستغرب من وجود رفيق لملاحه· وهنا يكرِّر جلجامش قصته كما رواها مراراً من قبل· ويجيبه الرجل الحكيم بأمثلة شتى أن الموت والحياة متلازمان، قائلاً: ''منذ القدم، ليس هناك ما يدوم/ النائم والميت صنوان/ ألا يرسم كلاهما صورة للموت؟''
ويسأل جلجامش أوتونابشتيم عن سر خلوده، فيحدثه عن الطوفان وصنع السفينة·· ثم يدله على مكان عشبة الخلود الشوكية فيغوص جلجاميش إلى قاع المحيط ويقتلعها·· ليعود بها في قارب أورشنابي، وهو يحلم أن تعيد له شبابه· لكنهما بعد ثلاثين ساعة مضاعفة توقفا لقضاء الليل:
''رأى جلجامش بركة ماء بارد/ نزل فيها واستحم بمائها/ فتشمَّمت أفعى رائحة النبتة/ تسللت خارجة من الماء وخطفتها/ وفيما هي عائدة، تجدد جلدها''·
ولم يكن أمام جلجامش، في ختام الرحلة، إلا أن يبكي حظه العاثر ويندب خيبته·

اقرأ أيضا

حبيب الصايغ: كتّاب الإمارات يتمسكون بقيم الشيخ زايد ووصاياه