الاتحاد

تقارير

3 أعوام على اتفاقية نيفاشا

مرت يوم التاسع من يناير الجاري الذكرى الثالثة للتوقيع على اتفاقية ''نيفاشا'' بجمهورية كينيا التي قصد بها الانتقال بالسودان من حالٍ إلى حال، بعد إنهاء حرب أهلية دامية استمرت لأكثر من عقدين من الزمان بين الشمال والجنوب· كان الغرض من هذه الاتفاقية- وما زال- إنهاء القتال بترتيب أوضاع السودان كله بنشر ألوية الحرية والتعددية السياسية وتبادل الحكم وتحقيق حكم ذاتي للجنوب ووضع أسس لسودان فيدرالي يراعي أوضاع المناطق المهمشة والطرَفية، ويكون الحكم فيه عادلاً في توزيع الثروة والسلطة على أبنائه دون تمييز إثني أو ديني أو مناطقي·
واليوم نقف لنعيد البصر فيما جرى في فترة السنوات الثلاث الماضية من عمر الاتفاقية، وهل حدث فعلاً ما نادت به تلك الاتفاقية العظيمة التي كانت نتاج جهد سوداني وأفريقي ودولي تواصل في البحث والمناقشة لأكثر من عامين كاملين؟
لقد تم وقف إطلاق النار في الجنوب فعلاً، ولكن ما زالت هناك أوضاع وبؤر تشبه القنابل الموقوتة التي يمكن أن تنفجر في أية لحظة وتعود بالسودان شماله وجنوبه إلى المربع الأول، أي إلى الحرب والاقتتال· وأهم هذه البؤر وأخطرها النزاع حول منطقة ''أبياي'' الحدودية بين الشمال والجنوب، التي يقول الجنوبيون إنها جزء من أرضهم ويؤيدهم في ذلك الخبراء الذين احتكم إليهم طرفا الحكم· ويقول أصحاب الأغلبية في الحكم حالياً (المؤتمر الوطني) إنها جزء من السودان الشمالي· لقد كان هذا الاختلاف واحداً من أسباب الأزمة الأخيرة التي أحجم بسببها كل وزراء ''الحركة الشعبية'' في الحكومة المركزية عن العمل لفترة امتدت لعدة أسابيع، ورغم أن اتفاقاً ما قد تم بين الشريكين لإنهاء تلك الأزمة إلاّ أن مشكلة ''أبياي'' تركت دون حل مع الالتزام بحلها قريباً·
وحتى يأتي ذلك الحل من ''المؤتمر الوطني'' فقد تفجر الوضع في ''أبياي'' خلال الأيام القليلة الماضية، وقتل نحو 60 مواطناً أغلبهم من قبيلة المسيرية، وهي القبيلة العربية الشمالية التي يقيم بعض أبنائها في منطقة ''أبياي''، وقد قع الاشتباك المسلح بين المسيرية وفرع من قبيلة ''الدينكا'' الجنوبية يقيم أيضاً في ذات المنطقة·
وكانت العلاقة بين المسيرية و''الدينكا'' في منطقة ''أبياي'' من قبل مثالاً يحتذى في التآلف والتحابب، وكان لكل أن يقوم بدوره في حدود متعارف عليها، فالمزارعون حيث هم والرعاة حيث هم بلا خوف ولا احتكاك إلى أن أصبح الأمر في يد الحكم الحالي وتحديداً ''المؤتمر الوطني'' الذي يسعى للاستثمار بالمنطقة بعد أن اتضح أنها غنية بخام البترول، ولهذا كان تحريض القبائل العربية (المسيرية) وتدريب أبنائها وتسليحهم وإعدادهم للقتال بؤرةً جاهزةً للانفجار في أي وقت، وهو أمر لو حدث، فإنه لن ينتهي عند ''أبياي'' وحدها·
إن ما تحقق تنفيذه من بنود الاتفاقية في النطاق العام في الشمال، في تقدير بعض المراقبين، لا يزيد على نسبة ضئيلة· فقد تم إقرار الدستور المؤقت وكُوّن مجلس وطني بالتعيين، وشكل مجلس وزراء ما زالت الكلمة فيه للأغلبية التي يحتلها حزب ''المؤتمر الوطني''، ولا يشرك في قضايا مهمة حتى شريكه الأكبر ''الحركة الشعبية'' (الجنوب)·
ورغم أن الدستور وهو الوثيقة الأم في الحكم اشتمل على مبادئ جديدة، ووضع الأسس لحكم رشيد وللحريات كلها، فإن ''المؤتمر الوطني'' لا يطبق تلك المبادئ ولا تلك الأسس وما زال يتلكأ في إلغاء القوانين القمعية القائمة، ويتغافل عن كل دعوة لوضع قوانين جديدة تناسب ما جاء في الدستور وتحتم على الحكومة الالتزام به نصاً وروحاً· وهناك قضايا مهمة أخرى جاءت في الاتفاقية ولم تجد حتى الآن نصيبها من الاهتمام·
إن مشاكل السودان وأزماته في الغرب أو الجنوب أو غيرهما كلها لن تحل أو تنتهي ما لم تطبق كل بنود الاتفاقية، التي يمكن أن تؤدي إلى الاستقرار أولاً في داخل البيت السوداني وفي أهم أجزائه السودان الشمالي ومركز السلطة فيه·
محجوب عثمان

اقرأ أيضا