الاتحاد

تقارير

تغير المناخ بين البيت الأبيض والجمهور

أظهر تحليل جديد لاستطلاع رأي لمركز «جالوب» أجري في وقت مبكر من شهر مارس المنصرم أن هناك 50% من الأميركيين من «المقتنعين القلقين» من ارتفاع درجة حرارة الكوكب، وهذا يسجل رقماً قياسياً على رغم أن هذه النسبة قريبة للغاية في الواقع من 49% المسجلة في عام 2001 حين بدأت سلسلة تسجيل البيانات. والتحليل الحالي يدرج 31% من الأميركيين البالغين الذين يعيشون حالة من «الالتباس» بشأن تغير المناخ، ويصنف 19% باعتبارهم «منكرين بلا لبس» للظاهرة، وأيد استطلاع رأي أجرته جامعة «كوينيبياك» في مارس هذه النتيجة ليؤكد أن 73% من الناخبين الذين خضعوا لاستطلاع الرأي قالوا إنهم «قلقون للغاية»، أو «قلقون إلى حد ما» من تغير المناخ، وأن 63% يعتقدون أنه يجب على الرئيس دونالد ترامب ألا «يتخلص من إجراءات محددة قصد بها التصدي لتغير المناخ». وتشير مجموعة أخرى من بيانات استطلاعات الرأي من «برنامج جامعة يال لاتصالات المناخ» إلى أنه في عام 2016 كانت هناك أغلبية من الراشدين في كل دائرة انتخابية في البلاد تعتقد أن الحكومة يجب أن تقيد انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من محطات توليد الطاقة التي تعتمد على حرق الفحم.
فلماذا إذن وقع الرئيس أمراً تنفيذياً مؤخراً «يبدأ في تفكيك مجموعة من القواعد والأوامر التنفيذية لمكافحة تغير المناخ» بما في ذلك تقييد انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم؟ أعتقد أنه يمكننا أن نُرجع بعضاً من هذا الانفصال بين الرأي العام وتصرف السلطة التنفيذية إلى تقلبات النظام الانتخابي الأميركي الذي يدعم عادة وجهات النظر المتطرفة على حساب السعي للتوصل لاتفاق الآراء، ويحابي الأغنياء على حساب الجماهير العريضة. ثم هناك عدم ثقة الرئيس المعروفة في استطلاعات الرأي، وهناك أيضاً العمل الجاد للفريق الانتقالي الذي وضعه «مارون إيبل» المناهض المخضرم للمدافعين عن البيئة لصياغة سياسة الإدارة في هذه القضية.
ولكن بعد تصفح بيانات استطلاعات الرأي على مدار سنوات تكونت لدي فكرة أخرى لا تبتعد عن الأسباب السابقة كثيراً، ولكنها تستحق أيضاً تفكيراً منفصلاً. فمعظم الأميركيين لا يعرفون على وجه اليقين كيف يكونون وجهة نظر دقيقة عن مشكلة تغير المناخ. صحيح أن مستويات القلق مرتفعة حالياً ولكن هذا في جانب كبير منه رد فعل حزبي ضد شخصية الرئيس، فكما تزايد عدد منكري تغير المناخ في السنوات المبكرة من رئاسة باراك أوباما تزايد أيضاً عدد القلقين من تغير المناخ مع وصول ترامب إلى البيت الأبيض. وعلى مدار العقدين الماضيين ظلت هناك نسبة ثابتة تبلغ نحو 25% من الأميركيين القلقين من تغير المناخ، ونسبة ثابتة أيضاً تبلغ نحو 15% ممن ينكرون الظاهرة. أما ما تبقى أي نسبة 60% من البالغين فهم مستعدون لسماع الحجج المقنعة، ولكن عدداً صغيراً للغاية من الأميركيين لا يعتبرون معالجة تغير المناخ من أبرز أولوياتهم.
ومن الجدير بالذكر أن اتفاق الآراء العلمية حول الظاهرة تهاوى إلى حد بعيد في السنوات القليلة الماضية، ولكن قبل قرن من الزمن، أشار عالم الكيمياء السويدي سفانت أرهينيوس إلى أن ارتفاع تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي الناتج عن الانبعاثات الصناعية قد يسبب ارتفاع درجة حرارة الكوكب، ومنذ ذلك الحين ارتفعت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون ومعها درجات الحرارة، ولكن هذا ليس دليلاً على ارتباط بينهما إلا أن الاعتراضات والبدائل لفرضية «أرهينيوس» سقطت تباعاً، فقد تزايدت درجات حرارة الكوكب في اتجاه صعودي منذ وقت مبكر من القرن العشرين. وأفضل تفسير متاح حالياً هو أن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن حرق الوقود الأحفوري هي السبب الرئيسي في ذلك.
وأنا متأكد إلى حد كبير من أن غالبية كبيرة من الأميركيين قد تبلغ 75% أو ربما أكثر تتفق مع هذا الرأي. ولكن فيما عدا هذا، هناك كثير من عدم اليقين والجدل بشأن ما إذا كان ارتفاع درجة حرارة الكوكب شيئاً مروعاً، أو ما إذا كان التأثير الإيجابي لزيادة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون على التنمية العالمية أمراً يتعين الاحتفاء به، وكيفية إحداث توازن بين الوقت وعدم اليقين في تغير المناخ وتحليل التكلفة والفوائد، وأنا أهتم بالقلقين من تغير المناخ أكثر من اهتمامي بمنكري الظاهرة، لأنه تبين أن القلقين كانوا على صواب في الغالب، ولكن لدى بعض الناس شكوك وآراء مختلفة ويجدون صعوبة في تحديد أولوية القضية. وهذا بالضبط ما تظهر استطلاعات الرأي أنه يحدث وسط الناخبين الأميركيين. ويا ليتنا نستطيع فحسب أن نجعل زعماءنا السياسيين يفكرون ويتحدثون بهذه الطريقة.

* كاتب أميركي متخصص في شؤون الاقتصاد
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا