الاتحاد

رمضان

مشروع الجزيرة يواجه مستقبلاً غامضاً


الخرطوم- أحمد طه:
تأسس مشروع الجزيرة عام ،1926 وبعد قيامه انقلب الميزان التجاري وتفوقت الصادرات على الواردات وصار اسم السودان معروفاً في بورصة القطن الدولية، ودارت المصانع الانجليزية في لانكشير بالقطن السوداني طويل التيلة وعاد إلينا القطن في شكل أرقى الثياب التي كانت ترتديها المرأة السودانية مواكبة الموضة وعالم الأزياء·
مؤسسة الجزيرة
كان مشروع الجزيرة مؤسسة متكاملة وصار منصب مدير المشروع من أرفع المواقع في السلم الوظيفي، تقلّده عمالقة الخدمة المدنية منهم مكي عباس والزين الشفيع ورحمة الله عبدالله الذي انتقل إلى السلك الدبلوماسي عام ،1956 كما جلس في مقعد المدير عمر الكارب وأحمد ابراهيم خلوتي وآخرون·
كان للمشروع سكك حديد خاصة تسمى اختصاراً 'أشفور' وكان شريطها الحديدي يتقاطع مع شريط السكة الحديد العام عند محطة (بركات) لتأتي بالأقطان الخام من وسط وغرب الجزيرة للمحالج بمارنجان، وغطى قسم الخدمات الاجتماعية بالمشروع كل المدن والقرى والأرياف بالمنطقة بخدماته الفنية وقام بتشييد الأندية والعيادات الطبية والمدارس ووحدات تعليم الكبار، وأصدر صحيفة 'الجزيرة' وكان على رأسها الإعلامي المتميز محمد خير البدوي الذي انتقل إلى محطة الإذاعة البريطانية، كما كان بالمشروع شبكة تليفونات تربط القرى والقناطر لضمان توزيع المياه بأسبقيات مقننة حتى لا يضار المزارعون بالمنطقة· ومرّ مشروع الجزيرة في مطلع الخمسينات من القرن الماضي بفترة من الرخاء والرفاه جعلت المزارعين يمتلكون أحدث الأدوات الكهربائية والثياب الفاخرة·
وكانت إدارة المشروع تساهم مع المزارعين منذ تحضير الأرض حتى مرحلة الحصاد·
وجاءت الإنقاذ رافعة شعار 'نأكل مما نزرع' وتم توجيه مشروع الجزيرة للانتقال إلى زراعة القمح بدلاً من القطن، ومنذ ذلك الحين بدأ العد التنازلي حتى صار إلى ما آل إليه الآن وحاولت الحكومة تلافي هذا التدهور، وفجأة أطلت بمشروع قانون لم يشارك في صياغته المزارع أو مشورته في الموضوع·
إجازة مشروع القانون
أجاز المجلس الوطني مشروع قانون مشروع الجزيرة مما أثار جدلاً واسعاً ولا سيما أن مشروع الجزيرة هو أقدم وأكبر المشاريع المروية بالبلاد بل يعتبر من أكبر الوحدات الزراعية على مستوى العالم إذ تبلغ مساحته (2,182,303) أفدنة، وقد مر المشروع منذ إنشائه بمرحلتين أساسيتين الأولى مرحلة الشركات الانجليزية في الفترة من 1927-1951 والمرحلة الثانية: جاءت في أعقاب ضمه للقطاع العام وكانت سمة المشروع في المرحلة الأولى نجاحاً منقطع النظير، أما بعد ضم المشروع للقطاع العام فحدثت تحولات كبرى فيه شملت الإدارة العليا ودخول ممثلي المزارعين مجلس الإدارة وابتدع نظام الحساب الفردي بدلاً من الحساب المشترك
آراء الخبراء
يرى البروفيسور عبدالله أحمد عبدالله الذي قاد الفريق الاستشاري للإصلاح المؤسسي بالمشروع أن تدهور الانتاج قد أبرز عللاً ومعوقات عديدة حالت دون تطور المشروع بل أضحى بسببها في حالة متكررة من الانتاج المتناقص والمردود المنخفض
كما يرى المهندس عمر عبدالرحيم أحمد من قيادات المزارعين بالمشروع أن من الممكن تحسين الأداء وتطويره إذا توفرت للمزارعين المشاركة في اتخاذ القرار وحرية اختيار المحاصيل، إضافة لتولي أمر التسويق والمشاركة في إدارة مياه الري
أما الباحث حامد حسن مكي من 'البحوث الزراعية' فيرى أن عودة المشروع لسابق عهده في التحليق بالاقتصاد الوطني يمكن تحقيقه بالتعاون بين البحوث الزراعية والمشروع، خاصة أن البحوث الزراعية ظلت هي المرجعية الأساسية لمعظم السياسات والقرارات الانتاجية
يمتلك المهندس يحيى عبدالمجيد الوزير الأسبق للري معرفة موسوعية بالمشروع، وفرتها له سنوات خدمته الطويلة هناك كمهندس للري، ويقول إن نظم الري في العالم مختلفة تماماً عن نظام الري بمشروع الجزيرة، ولا يوجد نظام ري في العالم يماثله وهو نظام راسخ عمره ثمانون عاما، فقد بُني على تخطيط سليم منذ بداية المشروع وهو حالة خاصة جداً، ويضيف نحن ورثنا مشروعاً ضخماً لكننا لم نستطع المحافظة عليه، والآن قد انهارت بنياته تماماً وقال إن مشروع الجزيرة قد تأسس باعتباره شركة مساهمة عامة استفادت من المشروع، وكان التخطيط أن العائد من المشروع يذهب كاملاً للذين يقومون بالعمليات الفلاحية والذين يديرون المشروع
وأكد المهندس عبدالمجيد أن (المُلْك الحر) موضح في قانون ،1948 تمتلكه عدد من العائلات وتفرعت هذه الأسر إلى عدد من العائلات، بمعنى أن الحواشة 'المزرعة' تورث لأبناء الأبناء وأصبح غير معروف من هو صاحب المزرعة ومن هو صاحب الأرض وصاحب المُلْك الحر، ويرى أن من الضروري أن تستمر الشراكة بين الدولة والمزارع وأن تكون الحكومة مسؤولة عن الصيانة عامة وصيانة وإدارة خزان سنار الذي يروي المنطقة التي تقع بين النيل الأبيض والنيل الأزرق حتى التخوم الجنوبية لمدينة الخرطوم وهي المنطقة التي تسمى بالجزيرة المروية التي أنشئ فيها هذا المشروع العملاق
ردود أفعال مختلفة
عدد كبير من المزارعين والمواطنين يعارضون مشروع القانون ويرون في العجلة بتمريره عبر المجلس الوطني ومجلس الوزراء مؤامرة تستهدف المزارع، وأكثر النقاط المثيرة للجدل تلك التي تعطي للمزارع حق بيع الأرض، ويخشى أن تؤول ملكية الأرض في المستقبل للرأسمالية الطفيلية التي انتشرت ووضعت يدها على كثير من الأصول بعد شرائها من أصحابها بسبب الحاجة وكثرة الوارثين·
يذكر أن اتحاد المهندسين الزراعيين قد أرسل مذكرة لوزير الزراعة والغابات يحذر فيها من المخاطر التي تهدد الموسم الزراعي هذا العام·
إذن جاء مشروع القانون في وقت غير مناسب واستعجلوا اجازته بالرغم من أن نظام حكم جديد، يبدأ بعد توقيع الدستور في 9 يوليو الجاري، وكان الأجدر التمهل في القانون الذي يستهدف أكبر المشاريع الزراعية بالبلاد·

اقرأ أيضا