الاتحاد

تقارير

استراتيجية ترامب لهزيمة «داعش»

كان إلحاق الهزيمة بتنظيم «داعش» على رأس الأولويات الأمنية لدونالد ترامب أثناء حملته الانتخابية، وهو أيضاً أحد الأهداف التي بقي متمسكاً بها بقوة، وعندما أعلن أنه يحتفظ بخطة سرية لتحقيق هذا الهدف، وأنه سيحتفظ بسريتها، فقد كان يتبع استراتيجية جيدة على رغم أنها بدت للخبراء في الأمن الوطني مثيرة للاستغراب، وهي تقضي ببساطة أن يركّز المجهود الحربي الأميركي أولوياته على محاربة «داعش»، وأن تغيير النظام القائم في سوريا يمكن أن يؤدي إلى نتائج عكسية أثناء محاولة البحث عن نظام الدولة المستقرة التي يمكنها الوقوف في وجه الإرهاب، كما أن هذا الهدف أيضاً مكلف جداً وفقاً لحسابات الدعم التي تلقاها النظام السوري من روسيا وإيران، وهذا يعني أن الاستقرار ينبغي أن يسبق من حيث الأولوية كل القضايا الأخرى بما فيها القضايا الإنسانية والبحث عن الديمقراطية.
وسبق للرئيس ترامب أن قال حول هذه الخطة: «نحن بصدد وضع الفكرة بين أيدي كبار الجنرالات مع توجيه التعليمات البسيطة إليهم بأن أمامهم 30 يوماً لتسليم المكتب البيضاوي خطة يمكنها أن تضمن إلحاق الهزيمة بتنظيم داعش بالسرعة الكافية»، وبعد أن كثر الكلام عن انقضاء المهلة التي حددها ترامب من دون التوصل إلى خطة معتمدة، إلا أن وزارتي الخارجية والدفاع وضعتا هزيمة «داعش» ضمن أولوياتهما، وهما تعملان على هذا الأساس.
وقد نظم وزير الخارجية ريكس تيلرسون أول حدث دولي عندما دعا إلى عقد اجتماع يضم دول التحالف التي تحارب «داعش» من أجل تنفيذ مضمون الرسائل التي وجهها الرئيس بأن «الولايات المتحدة ستزيد من الضغوط على تنظيمي داعش والقاعدة، وستعمل على إنشاء منطقة آمنة مؤقتة يسودها الأمن والاستقرار ووقف إطلاق النار حتى يعود النازحون إلى ديارهم».
واجتمع أيضاً وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس بشركاء التحالف من دول الشرق الأوسط، واتخذ عدة قرارات تقضي بتعزيز القوى العسكرية المجندة في هذه المعركة، وزيادة أعداد العسكريين الأميركيين من الرجال والنساء في العراق وسوريا. وفازت الخطة التي تقضي بنشر قوة أميركية على تخوم الجبهة، وإنزال قوة جوية بالمظلات على الطرق المهمة المحيطة بمدينة الموصل، بالموافقة الرئاسية.
وبالنسبة للكثير من المعلقين والملاحظين، فإن هذا الهدف الجديد يبدو وكأنه لا يعدو أن يمثل استراتيجية أوباما ذاتها، مع زيادة الموارد المخصصة لتنفيذها. ويبدو ذلك واضحاً بالنسبة للديمقراطيين، ولكن ليس لهم وحدهم. فقد صدرت انتقادات مماثلة عن كل من السياسي المحافظ «ستالوارتس كمبيرلي» و«فريد كاجان» من خلال تقرير أصدراه مؤخراً حول الأوضاع في سوريا. وأما أنا، فإنني أحمل الانطباع القائل إن الإدارة الجديدة تعمل على الابتعاد عن الأهداف التي رسمها أوباما، وربما لا يكون البيت الأبيض قد وافق رسمياً حتى الآن على الاستراتيجية التي تستهدف هزيمة «داعش»، إلا أن خياراته الإضافية يمكنها أن تصنع الفرق عن الأهداف التي رسمها أوباما بأربع نقاط أساسية. الأولى، أن منفذي هذه الخطط يبحثون الآن عن السرعة. بخلاف استراتيجية أوباما التي كانت تتحدث عن حملة تدوم سنوات حتى يتم القضاء على «داعش» تماماً. وحتى الآن، دفعت المنطقة ثمناً بشرياً باهظاً في العراق وسوريا قبل أن تكتمل المهمة. وفضل ريكس تيلرسون تلخيص الموقف عندما قال: «إن هدفنا النهائي في هذه المرحلة هو استئصال تنظيم داعش من المنطقة كلها من خلال استخدام القوة العسكرية». وهذه الخيارات التي وضعها ترامب أصبحت تفعل فعلها المهم في تسريع العمليات التي تستهدف إلحاق الهزيمة بالتنظيم الإرهابي. والثانية، هي أن تلك الخطط تُلزم الولايات المتحدة بالتدخل في المنطقة خلال مدة طويلة. وكان أوباما يفضل اختصار هذه المرحلة أو تحجيم أطرافها بحيث تترك مسؤولية تحقيق الاستقرار، بعد النصر على الإرهاب، على الحلفاء المحليين. وقال أوباما في هذا الشأن: «لا يمكننا أن نرغب في تحقيق ذلك بأكثر مما يرغب فيه حلفاؤنا».
وخلافاً لما فعله أوباما، صرح كل من «ماتيس» وقائد هيئة أركان القوات المشتركة الجنرال جوزيف دانفورد، خلال شهادة أدليا بها أمام الكونجرس، بأنه خلافاً للانسحاب العسكري السريع من المنطقة الذي أمرت به إدارة أوباما، فإن القوات الأميركية ستبقى في العراق لفترة طويلة من الزمن بعد دحر «داعش».
وتكمن النقطة الثالثة في أن البيت الأبيض أصبح الآن أقل تأثراً من إدارة أوباما حول القضايا المتعلقة بالسلوكيات الاستبدادية وعدد ما يسقط من الضحايا المدنيين في الحروب، وسجل خروقات حقوق الإنسان في الدول الحليفة بالإضافة إلى التدخل الإيراني في المنطقة. وتتعلق النقطة الرابعة بتشكيل تحالف مضاد للتحالف الإيراني في المنطقة بعد هزيمة «داعش». وفيما لا يبدو حتى الآن أن إدارة ترامب قد اكتشفت صيغة مناسبة للتفاهم مع تركيا حول دور القوى الكردية في استعادة الرقة من «داعش»، إلا أن الولايات المتحدة توصلت إلى اتفاقات مع حلفائها حول كل القضايا التي تحظى باهتمام دول المنطقة.

* محللة وباحثة سياسية زميلة في معهد هوفر- جامعة ستانفورد
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا