تقارير

الاتحاد

البرازيل··· وثورة الوقود البيولوجي

 الإيثانول··· هل ينقل البرازيل لمرحلة جديدة؟

الإيثانول··· هل ينقل البرازيل لمرحلة جديدة؟

قريباً مما تبقى مما كان يعرف بأول مصنع للسكّر في البرازيل، وهو المصنع الذي كان قد شيد في عام ،1877 علقت لافتة كتبت عليها عبارة باللغة اللاتينية تعني ''الحلاوة هي مكافأة الجهد والعمل''· وهناك كانت تلوح العاملة البرازيلية ''دانوزا جومز دا سيلفا''، بسكين أثناء سيرها في أحد الحقول المخصصة لمحصول قصب السكّر· وها هي تنحني لتهم بقطع مجموعة من القصب، ألقت بها شاحنة للتو في ذلك الحقل· إلا أنها تنتصب بقامتها وتنحني بين الفينة والأخرى طوال ساعات عملها· وهناك مثلها كانت مجموعة 12 من العاملين الزراعيين، تؤدي مهمة زراعة قصب السكر في ذلك الحقل، بحيث تفرغ من زراعة 10 أفدنة من المحصول يومياً· والمعلوم عن قصب السكر، أن براعمه الصغيرة سرعان ما تنمو بعد زراعتها بأيام معدودة· إلا أن المشكلة هي أن الجهد البشري المرتبط بحصاده يعد شاقّاً ومتعباً للغاية·
أما العاملة ''دانوزا''، فيتراوح عائدها اليومي مما تؤديه من عمل، بين 8 إلى 13 دولاراً، اعتماداً على حجم إنتاجيتها· هذه العاملة تبلغ من العمر 35 عاماً وهي أم لأربعة أطفال صغار· وتعتمد عمليات الجزء الأكبر من حصاد قصب السكر على الأيدي البشرية، حيث لاتزيد نسبــــة المساحـــات التي تحصد آلياً من إجمالي مساحات قصب السكر البرازيلية البالغة 7,5 مليون فدان، على 20 في المائة فحسب· لكن وعلى رغم مشقة العمــل في تلـــــك الحقــــول، فإن ''دانوزا'' لا تزال شديدة التمسك بعملها وتخشى أن تفقده يوماً·
ويعود هذا الخوف إلى اتساع انتشار ماكينات حصاد قصب السكر على امتداد البرازيل كلها، على رغم البطء البادي على هذا الانتشار· ولئن كانت البرازيل تواصل صعودها باتجاه تصدّر دول العالم قاطبة، في مساعي التحول نحو إنتاج بدائل طاقة أكثر صداقة للبيئة وحفاظاً عليها، فإن من المهم الانتباه إلى أن هذا التحول إنما يأتي مصاحباً معه جملة من المشكلات الاجتماعية التي لا حصر لها·
ففي حين تُستحسن هذه الموارد المتجددة والبديلة لطاقة النفط، من إيثانول وغيره، إلا أن حياة العاملين المهاجرين البرازيليين في حقول العمل اليومي الشاق تلك، هي أبعد ما تكون عن ''الحلاوة'' والاستحسان، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار طول ساعات العمل اليومي، وقسوة العمل في الأجواء الحارة·
ولدى مقارنة الطفرة الاقتصادية التي حققتها البرازيل، بالكثير من دول العالم النامي الأخرى، فإنه قلما تمكنت إحداها من تحقيق ما فعلته البرازيل، هذه الدولة التي كان ينظر إليها حتى إلى وقت قريب للغاية، على أنها أرض الطرب والمرح ورقصة السامبا وكرة القدم، في تجاورها مع الفقر والأحياء السكانية البائسة، إضافة إلى ما عرفت به من غاباتها المطرية الحارقة السخونة، وقد قفزت إلى مقدمة دول العالم الرائدة في مجال إنتاج موارد الطاقة البديلة المتجددة، لاسيما طاقة غاز الإيثانول· ليس ذلك فحسب، بل أصبحت البرازيل من كبريات الدول وأكثرها ريادة في مجال صناعة السيارات القادرة على إدارة محركاتها بمزيج سحري من الديزل وغاز الإيثانول· وعليه فليس من شطط أن نصف هذه الدولة بأنها ''مهد ثورة الوقود البيولوجي'' التي يتوقع لها أن تخلّص العالم من جحيم ارتفاع أسعار النفط العالمي المستمر، الذي بلغ برميل الخام الواحد منه مؤخراً، 100 دولار!
وفي هذه الدولة التي رأى فيها العالم ذات يوم قريب، أسطورة كرة القدم العالمي ''بيليه'' وهو يقف جنباً إلى جنب مع الفقر في بلاده، فهو يرى اليوم بلداً وقد أخذت الحياة فيه بالتبدل الكامل، إلى دولة تسير فيها نسبـــة 80 في المئة من سياراتها الجديدة، بطاقة هجينة من الجازولين وغــــاز الإيثانول· وبالإضافة إلى ذلك، فإن كل جالون جازولين تنتجه البرازيل اليوم، يحتوي على نسبة تقارب الـ25 في المئة من الإيثانول، بينما تصل نسبة استهلاك الإيثانول إلى حوالي 40 في المئة من إجمالي استهلاك البرازيل للوقود·
يذكر أن هذه النسب، تكشف في الجانب الآخر، الأهداف والسياسات الأميركية الجديدة في مجال الطاقة، التي ترمي إلى استبدال سدس واحد على أقل تقدير، من استهلاكها الحالي للجازولين، بطاقة الإيثانول بحلول عام ·2020 بعبارة أخرى، فقد تبيّن أن البرازيل دولة تتطلع إلى الغد والمستقبل، بينما ظلت أميركا تنظر إليها نظرتها التقليدية الثابتة، التي طالما رمتها بالانغماس في حنايا الماضي وتجاويفه· لكن وفي حقيقة الأمر، فإن لكلتا الصورتين ما يساندهما في الواقع· فمن ناحية، تمكنت البرازيل من شق الطريق العالمي نحو التحول إلى طاقة الإيثانول، ولها من سعة الأراضي الزراعية الصالحة لاستزراع قصب السكر، ما يجعل من إنتاجها من الإيثانول، ضعف نظيره الأميركي بحوالي ثماني مرات للهكتار الواحد، مع ملاحظة أن الإيثانول الأميركي يستخلص من الذرة الشامية، مما يؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار المواد الغذائية فيها· وخلافاً لما هو عليه حال بديل الإيثانول الأميركي -إذ لا يزال في مراحل الدراسات التجريبية الاقتصادية، أكثر من دخوله إلى مجال التبادل التجاري العملي بعد- فقد أثبت الإيثانول البرازيلي قدرته على ضخ أساطيل من السيارات الجديدة الصديقة للبيئة، التي تعمل محركاتها بغاز الإيثانول وحده، بينما تعمل أخرى بطاقة هجينة مؤلفة من الجازولين والإيثانول·
غير أن زيارة واحدة إلى حقول قصب السكر، التي يعتمد عليها إنتاج هذه الطاقة البديلة في البرازيل، بحيث يقضي خلالها المرء يوماً كاملاً في مراقبة عناء العاملين والعاملات في تلك الحقول، تكون كافية لحساب تكلفة العناء البشري المبذول في إنتاج هذه الطاقة· وهذا هو الجانب الذي لابد من الأخذ به بعين الاعتبار، خاصة إذا ما شرع العالم في توسيع إنتاج الطاقة البديلة هذه، في أنحاء أخرى من دول العالم النامي، مثل القارتين الآسيوية والأفريقية·
روجر كوهين
كاتب ومحلل سياسي أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة نيويورك تايمز

اقرأ أيضا