الاتحاد

الاقتصادي

مخاوف تغير جغرافيا الشركات العابـرة للقــارات

محمد شمس الدين (أبوظبي)

لم يتخيل المحللون أن تصبح الشركات العابرة للقارات أو متعددة الجنسيات بإمكاناتها وقدراتها الهائلة، مضطرة لإعادة النظر في انتشارها الجغرافي وخريطتها الاستثمارية وتمددها عبر حدود الدول والقارات. ففي ظل العديد من المتغيرات الاقتصادية وربما السياسية وكذلك المخاوف والتحديات الاقتصادية والتجارية، أصبح عدد من تلك الشركات مضطراً للرحيل من دول وبقاع تقليدية إلى مناطق تمركز جديدة، وإعادة توجيه بوصلته الاستثمارية الجغرافية لتتلاءم مع تلك التحديات.
وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلى حجم الأصول والأعمال والاستثمارات الضخمة لتلك الشركات سواء على الصعيد الجغرافي أو الاستثماري، ووفقاً لقائمة «فورشن 500 شركة» نجد أن 418 شركة منها تتخذ مقرها الرسمي في ثلاث مناطق اقتصادية رئيسية، هي أوروبا وأميركا واليابان، ويتركز فيها ثروة تقدر بحوالي 20 تريليون دولار أي أكثر من 80 % من إجمالي الإنتاج القومي العالمي، وتستأثر هذه الشركات بحوالي 85 % من إجمالي التجارة العالمية‏!
وتتمثل أبرز التحديات أو المخاوف التي تواجه العديد من الشركات العابرة للقارات في عدة سيناريوهات لم تكن متوقعة، بدءاً من إعادة تشكيل نسيج التحالفات الدولية، وتغير وتيرة ما يعرف بمفاهيم حرية التجارة لتقترب شيئاً فشيئاً من الحمائية، وكذلك بروز شركات واستثمارات عابرة للقارات لم نكن نسمع عنها البارحة، لتمتلك تلك الشركات الجديدة الصاعدة في طرفة عين العديد من الحصص التسويقية، وتزاحم بقدراتها التنافسية العالية ورخص تكاليفها مكانة الشركات العابرة للقارات التي تأسست منذ عقود وباتت من مسلمات الاقتصاد العالمي.
ليس هذا وحسب، بل ما يزيد من زخم التحديات للشركات العابرة التليدة، تغير وتيرة التحالفات تحت وطاءة الأزمات الاقتصادية الدولية والإقليمية المتعاقبة، إذ عادة تؤدي الأزمات إلى القبول بالتحالف مع منافسين آخرين أو بيع حصص تحت مسمى أكثر قبولاً، وهو الاندماج أو الاستحواذ، مما يولد شركات وكيانات عابرة للقارات تمتلك قدرات أكبر ونسب مبيعات وأصول وخطوط إنتاج أقوى وأكثر.

نسيج التحالفات الدولية
لا يمكن لتوقعات متخذي القرار في الشركات العابرة للقارات، أن تتجاهل ما يحدث في خريطة العلاقات والتحالفات الاقتصادية الدولية، ولا يمكن لتلك الكيانات الضخمة التي تتشعب عملياتها في كافة دول العالم، أن تسقط من أجندتها تداعيات إعلان الخروج البريطاني المدوي من الاتحاد الأوروبي «البريكست» قبل نهاية العام 2016، حيث يمثل خطوة مفاجئة غير متوقعة بالنظر إلى حجم التبادلات التجارية بين كل من بريطانيا والاتحاد الأوروبي، ولا يمكننا القول إن الخروج يعني انشقاقاً كاملاً بين بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي، أو أن على تلك الشركات خاصة المنتمية للمنظومة الأوروبية، أن ترحل باستثماراتها عن السوق البريطاني، فهذا يصعب قبوله في ظل هيمنة دعاوى التحرر التجاري ،وإزالة الحواجز والقيود على الاستثمارات.
ولكن يمكننا القول إن هناك إمكانية لارتفاع تكلفة ممارسة أعمال تلك الشركات بين الطرفين سواء في الاتحاد الأوروبي، أو في بريطانيا نتيجة لتعقيدات تفرضها عملية الخروج.
وأظهرت البيانات والمؤشرات أن قيمة استثمارات الشركات الأوروبية في بريطانيا تتخطى التريليون جنيه إسترليني، ومع الخروج ستتضرر حركة التجارة بين الطرفين، وبالتبعية توجد شريحة كبيرة من الشركات الأوروبية في السوق البريطاني، تصنف كشركات واستثمارات عابرة للقارات.
حيث أشارات الإحصائيات إلى أن صادرات الاتحاد الأوروبي إلى بريطانيا بلغت 290 مليار جنيه إسترليني سنوياً، يضاف إلى ذلك، أن شركة عابرة للقارات، هي شركة فورد الأميركية العملاقة، ستناهز خسائرها جراء الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي أكثر من 600 مليون دولار.

حروب وحمائية
وفي العام الماضي، ظهرت بقوة على خريطة التجارية العالمية نبرة الحمائية التجارية بما لها من تداعيات على خريطة التجارية العالمية تعد انتكاسة لقواعد وقوانين تحرير التجارة العالمية، وتبدو عقبة ستلوح في الأفق أمام متخذي القرار في الشركات العابرة للقارات، لاسيما مع ما أطلقته الولايات المتحدة الأميركية، بعد انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من إشارات تهدف لتعزيز تفوقها الاقتصادي، وصيانة مسيرة الاقتصاد الأميركي عبر الانسحاب من مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة لدول المحيط الهادئ، فضلاً عن تهديد الشركات الأميركية التي تصنع مخرجاتها في دول آسيوية بسبب توافر العمالة الرخيصة، ثم تعيد إدخالها للسوق الأميركي، بفرض رسوم على صادرتها للسوق الأميركي.
ومن المتوقع في تزايد وتيرة الحمائية أن لا يتم استثناء الشركات العابرة للقارات من آثار الحروب المتوقعة في هذا المجال، والتي تبدو أقرب الآن للتحقق، وعلى سبيل المثال، فإن شركة فورد الأميركية اضطرت بلا مواربة لمسايرة قرار وتهديدات الرئيس الأميركي رونالد ترمب، حيث اتخذت قراراً هي الأخرى مطلع العام الجاري، بصرف النظر عن خطتها لتشييد مصنع سيارات في المكسيك، وبدلاً من ذلك تقوم بتجميع سياراتها في مصنع قائم، مع تخصيص 700 مليون دولار للاستثمار في مصنع لإنتاج السيارات الكهربائية في ولاية ميتشغن. تفادياً لتهديدات الإدارة الأميركية، حيث ذكر مديرها التنفيذي مارك فيلدز، أن الشركة ستلغي خطة بقيمة 1.6 مليار دولار. لمواكبة تطلعات الإدارة الجديدة.

تحالفات وقدرات
من جهة أخرى، لا يستثني المحللون تأثيرات التحالفات بين الشركات والاستثمارات العابرة للقارات، وإن كانت لا تتم في شكل تحالفات تقليدية بل تحالفات بغية الاشتراك المرحلي في تصنيع أو تسويق منتج معين، فهي في نهاية المطاف تمثل تحديات أمام مثيلاتها التي لا تستطيع تطوير تحالفات، كون الشركات العابرة للقارات، والتي تستطيع تعزيز شبكة تحالفاتها تمتع بقدرات تسويقية وإنتاجية ضخمة بغض النظر على حجم الأصول والاستثمارات.
ويتضح ذلك أكثر في حالة الشركات متعددة الجنسيات، إذ يتيح ذلك الشكل المطور، والذي بات أكثر ظهوراً في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن المنصرم وجود تحالفات قوية لا تتضح مخرجاتها إلا في شكل المنتج النهائي، والذي يتم تصنيعه في أكثر من دولة في العالم، وهو ما يعني أن على الشركات والاستثمارات العابرة للقارات، والتي لم تدخل بعد في دائرة التحالفات مع آخرين، أن تعيد تشكيل ثوابتها ومسلماتها وقناعاتها الإدارية.

الشركات الصاعدة
كان آخر ما تتوقعه الشركات العابرة للقارات، التي مضى على تأسيسها عقود طويلة، هو بروز شركات بدأت بأفكار واختراعات جديدة، ثم تضخمت وتوسعت في أكثر من بلد وقارة في العالم، حتى أصبحت تلك الشركات تهدد كيانات شركات كبرى قائمة وتنهي وجودها التاريخي، والتي اعتقدت أن بقاءها على عرش الشركات الضخمة سيظل مرتبطاً بتاريخ تواجدها، وتجدر الإشارة في هذا المجال إلى شركة كوداك، التي تعود في نشاطها لنحو قرن ولكن لم يدر في خلدها يوماً أن إنتاجها من أفلام التصوير سيتم الاستغناء عنه مع بروز شركات تقنية جديدة بما يعرف بالكاميرات الرقمية.
ولا ينبغي أن نذهب بعيداً عن لغة الإحصائيات والمؤشرات المتعلقة بالشركات الصاعدة والتي تختصر بتقنيات أو ربما لمسة زر على الحاسب الآلي أو الهواتف الذكية معايير كثيرة لتصنيف الشركات والاستثمارات العابرة للقارات.
ولننظر قليلاً لأرباح شركات التقنية العالمية كـ «مايكروسوفت» و«إنتل» و«سوني» وغيرها، وشركات مثل «آبل» و«سامسونغ»، ثم شركات التواصل الاجتماعي مثل «تويتر» و«فيسبوك» و«يوتيوب» و«الواتس آب»، وقد قدرت القيمة السوقية لشركة «آبل» بما يربو فوق 600 مليار دولار.

الدول المستضيفة
ويثور التساؤل أيضاً حول مدى تقبل الدول المستضيفة للشركات العابرة للقارات لأجندة استثمارات تلك الشركات على أراضيها، فهناك مطالب باتت تعلو وتدحض الشعارات التي تروجها الشركات العابرة للقارات في الدول المستضيفة له، وبالأخص إن كانت تلك الأخيرة دولاً نامية أو مجتمعات فقيرة.
ولعلنا نتذكر جيداً شعارات المسؤولية المجتمعية للعديد من الشركات والاستثمارات العابرة للقارات والتي تزايدت خلال حقبتي السبعينات والثمانينات لاسيما في دول ومجتمعات القارة الأفريقية الأكثر فقراً في العالم، إذ يبدو أن تلك الطروحات لم تتعد قوتها كشعارات، وهذا ما يضيف لهجة من التوجس في نوايا تلك الشركات في تلك المجتمعات وتركيزها على الربحية فقط، وهذا يعني أن على الشركات العابرة للقارات التنافس في كسب وجهات جديدة بناء على تلك القاعدة الأثيرة، ألا وهي طروحات التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية تجاه الدول المستضيفة لاستثماراتها.

التشريعات الضريبية
ويرى المراقبون أن القدرات الهائلة للشركات العابرة للقارات وتغلغلها في العديد من المؤسسات في الدول التي تستثمر فيها، وكذلك تعقد وتشعب عملياتها الحسابية، من بين العوامل التي ساعدت تلك الشركات على أن تكون أكثر هروباً وتملصاً من تلبية ومجابهة المستحقات الضريبة في الدول التي تستثمر فيها، وهذا يعلي أيضاً تزايد نبرة العداء لتلك الشركات.

اقرأ أيضا

صفقات «دبي للطيران» تقفز إلى 215.2 مليار درهم