الاتحاد

الاقتصادي

حلول ذكية وتقنيات مبتكرة تعزز كفاءة استهلاك الطاقة في الإمارات

أبوظبي (الاتحاد)

يلعب معهد مصدر للعلوم والتكنولوجيا دوراً هاماً في دعم توجه دولة الإمارات نحو زيادة الكفاءة في استهلاك الطاقة، وتقوية دعائم الاستدامة، والتحول نحو المدن الذكية، وذلك من خلال الجهود العلمية والبحثية المهمة التي يبذلها وما ينتج عنها من حلول ذكية وتقنيات مبتكرة.
ويفرض التوسع الحضري الكبير والسريع لسكان الإمارات تحديات كثيرة تتمثل في ضرورة العمل على استخدام الموارد وفق أساليب ذكية لتكون قادرة على تلبية كافة الاحتياجات، وتعزيز الاستدامة في المباني ووسائل النقل، وإدارة النفايات بطريقة فعالة، والحفاظ على البيئة، وضمان صحة وسعادة المواطنين.
واستجابة لذلك، أطلقت القيادة الإماراتية الرشيدة على مدى العقد الماضي عدداً من المبادرات الطموحة في مجال المدن الذكية.
ففي إمارة أبوظبي، تم في عام 2010 إطلاق مبادرة «استدامة» للتشجيع على تعزيز الاستدامة في المباني والمجمعات العمرانية، والتي تضمنت «نظام التقييم بدرجات اللؤلؤ» الذي يكافئ تصاميم المباني المستدامة، كما أطلقت شركة «مصدر» العام الماضي مشروع «الفيلا المستدامة»، وهو مشروع تجريبي مزود بتقنيات لتوفير الكهرباء بمقدار 72% والمياه بمقدار 35% مقارنة مع الفيلات التقليدية ذات الحجم المماثل في أبوظبي.
وفي إمارة دبي، تم إطلاق مبادرة مدينة دبي الذكية في عام 2014 التي تهدف إلى الاستفادة من التقنيات الرقمية في توفير الخدمات والمعلومات بشكل أسرع، وتعزيز البنية التحتية مثل شبكات الكهرباء الذكية للتوفير في الطاقة والتكلفة. كما جرى إطلاق «استراتيجية دبي للطاقة النظيفة» بهدف توفير 75% من طاقة دبي من خلال الموارد النظيفة بحلول عام 2050.
ودعماً منه لهذه المبادرات ومواجهة تحديات الاستدامة الأخرى، يجري معهد مصدر أبحاثاً متقدمة للتوصل إلى تقنيات ونظم تدعم بناء المدن الذكية. وفي إطار هذه الجهود، قام المعهد باستضافة «منتدى التعاون العلمي في مجال المدن الذكية بين مجلس التعاون لدول الخليج العربية والمملكة المتحدة 2017» بأبوظبي يومَي 26 و27 مارس الجاري، وذلك لتشجيع الباحثين من مختلف ميادين العلوم على تقديم أعمالهم وأفكارهم الإبداعية لتبادل المعارف في مجال المدن الذكية.
وقال الدكتور ستيف غريفيث، نائب الرئيس للأبحاث في معهد مصدر: «لقد عمل معهد مصدر على تكثيف مساهماته الداعمة لتحقيق أهداف الإمارات المتعلقة بالتحول للمدن الذكية، وذلك من خلال إجراء عمليات بحث وتطوير تهدف للتوصل لتطبيقات عملية تجمع بين نظم الطاقة والنظم الذكية. وهذا ما جعل المعهد شريكاً رئيسياً في الجهود البحثية الهادفة إلى تطوير ابتكارات في مجال المدن الذكية».

المدن الذكية
تعتبر كفاءة الطاقة من المقومات المهمة للمدن الذكية، خصوصاً في ضوء التوسع الحضري الذي يتسبب بزيادة استهلاك الطاقة والانبعاثات الكربونية وما يترتب على ذلك من تبعات بيئية وتفاقم مشكلة التغير المناخي العالمية.
ولتحقيق نوع من التوازن ما بين النمو الحضري والحفاظ على البيئة، يعمل معهد مصدر على تطوير أداة مبتكرة تدمج التقنيات الرقمية بنظم الطاقة بهدف خفض استهلاك الطاقة ضمن المباني، دون التأثير على راحة الأفراد أو إنتاجيتهم.
وأوضح الدكتور إيلي عازار، أستاذ مساعد في هندسة وإدارة النظم في معهد مصدر، أن المباني تستهلك أكثر من 70% من الكهرباء في الدولة، مبيناً أن نسبة كبيرة من هذا الاستهلاك تعود إلى هدر الطاقة من قبل المستهلك.
وقال الدكتور عازار: «نظراً لتأثير سلوك المستهلك على أداء الطاقة ضمن المباني، قام فريقي البحثي بتطوير أداة تركز على فهم سلوك الأفراد لتقييم طبيعة أداء الطاقة ضمن المباني، ما يتيح وضع الاستراتيجيات الأمثل للتبريد بما يحقق أقصى مستويات التوفير في الطاقة بالتوازي مع تعزيز مستويات الراحة ضمن المباني».
ومن شأن هذه الأداة البرمجية المتكاملة أن تسهم في تغيير طرق استهلاك الطاقة، كما أنها تعتبر خطوة مهمة على طريق تحول أبوظبي إلى مدينة ذكية. كما يمكن أن تساعد في خفض مقدار كبير من استهلاك الطاقة في قطاع المباني، ما يسمح للمدن بالنمو سكانياً إلى جانب الحفاظ على الطاقة.

تقنيات إنترنت الأشياء
يمثل التطور الكبير الحاصل في مجال التقنيات الرقمية عاملاً أساسياً في نشوء مفهوم المدن الذكية. فالهواتف الذكية التي شاع استخدمها، وتقنيات إنترنت الأشياء، وخدمات التخزين السحابي، هي تقنيات رقمية تعمل مجتمعة على ربط مختلف الأشياء الفيزيائية مع بعضها، كالمركبات والهواتف والأجهزة المنزلية والأجهزة النقالة وغيرها، وكذلك استخلاص معلومات ضخمة منها تساعد في اتخاذ قرارات أفضل قائمة على بيانات حقيقية.
ويعمد معهد مصدر حالياً إلى الاستفادة من هذه التقنيات الرقمية في تحسين المستوى الصحي لسكان مدينة مصدر، وذلك من خلال التعاون مع شركة هواوي، الرائدة عالمياً في توفير حلول تقنية المعلومات والاتصالات. وتهدف تقنيات إنترنت الأشياء التي يجري تطويرها في إطار هذا المشروع المشترك إلى رفع مستوى صحة وإنتاجية الأفراد ضمن مدينة مصدر من خلال ربط بياناتهم الصحية وأنماط الإشغال بالبيانات البيئية.
وسوف يجري العمل على تطوير التطبيقات اعتماداً على منصة هواوي الخاصة بتكنولوجيا «إنترنت الأشياء»، والتي تتكفل بجمع وتنظيم البيانات الواردة من أنماط عديدة من أجهزة الاستشعار. وسوف ترِد البيانات من أجهزة استشعار تجارية يتم ارتداؤها ضمن الحرم الجامعي لمعهد مصدر لتوفير بيانات خاصة بأنماط الإشغال وصحة المشاركين مثل المؤشرات الحيوية ودرجة حرارة الجسم، بالإضافة إلى أجهزة استشعار لاسلكية توفر بيانات بيئية مثل مستوى الرطوبة.
وهكذا ستتم ترجمة البيانات الخاصة بصحة الأفراد وأنماط الإشغال والعوامل البيئية إلى أفكار قابلة للتطبيق تمكن بالنتيجة سكان مدينة مصدر من اتخاذ قرارات صحية أفضل، وبالتالي تعزيز الصحة والإنتاجية والاستدامة.
وقال الدكتور ميهاي ساندولينو، الأستاذ المشارك في قسم الهندسة الكهربائية وعلوم الحوسبة في معهد مصدر والمشرف على المشروع: «يهدف المشروع إلى توفير تنبؤات وتحذيرات آنية حول مجموعة من المخاطر الصحية لكافة سكان مدينة مصدر، ما يسهم في نهاية المطاف في رفع مستويات الصحة العامة».
وبذلك، فإن حلول «إنترنت الأشياء» التي سيجري تطويرها في إطار هذا المشروع سوف تلعب دوراً هاماً في تحويل مدينة مصدر إلى مدينة ذكية وأكثر ترابطاً، وتعزيز صحة وسعادة سكانها.

الأمان في المدن الذكية
وتعتبر عدادات الكهرباء الذكية عنصرا أساسيا آخر ضمن تكوين منظومة المدن الذكية، حيث تقوم بقياس وتسجيل وإرسال معدلات استهلاك الكهرباء لكل من مزود الخدمة والمستهلك، وهو ما يساعد على متابعة وتحليل طبيعة استهلاك الطاقة وبالتالي العمل على خفضه. وإذ تلعب العدادات الذكية دوراً رئيسياً في تحول الإمارات نحو المدن الذكية، يعمل الدكتور زيار أونغ، أستاذ مشارك في الهندسة الكهربائية وعلوم الحوسبة في معهد مصدر، على تطوير هذه الأجهزة وضمان عملها بشكل آمن.
وأوضح الدكتور زيار «سوف تقدم العدادات الذكية منافع كبيرة لشركات الكهرباء والمستهلك والحكومات. لكن في حال عم تأمينها بالشكل المناسب، يمكن أن يتم اختراقها والاطلاع على البيانات المتبادلة وإساءة استخدامها».
ويعمل الدكتور على تحصين هذه العدادات الذكية عبر برمجتها اعتماداً على مفهوم «تنقيب البيانات» و«خوارزميات التعلم الآلي»، التي تتيح رصد أي عملية غير اعتيادية قد تشير إلى وجود شخص يحاول الوصول للبيانات بطريقة غير شرعية.
وهكذا فإن تأمين هذه العدادات الذكية وتزويدها بنظم لرصد أي دخول غير شرعي يمكن دولة الإمارات من تحقيق أهدافها الخاصة ببناء المدن الذكية دون المساس بأمن سكانها.
تهدف الجهود البحثية الرائدة التي يقوم بها معهد مصدر إلى تمكين الإمارات من معالجة التحديات الخاصة بالنمو السكاني، والتوسع الحضري، والنمو الاقتصادي وفق أساليب فعالة تعتمد على تقنيات متقدمة وتخطيط حضري ذكي. ويمكن لهذه الجهود أن تقود إلى تطوير منتجات تنافس فيها الدولة ضمن قطاع المدن الذكية العالمي، الذي تتوقع شركة «ماكينزي» أن تبلغ قيمته 400 مليار دولار بحلول عام 2020. وفي نهاية المطاف، فإن هذه الأبحاث المتقدمة التي يقوم بها المعهد تصب في صالح دعم جهود الإمارات للتحول نحو دولة أكثر ذكاء وكفاءة واستدامة.

بناء مجمعات مستدامة
أبوظبي (الاتحاد)

تعد التصاميم الحضرية الذكية التي تفسح مجالات أكبر للمشي وتحرص على بناء مجمعات مستدامة من العناصر الأساسية التي تقوم عليها المدن الذكية.
ولمعهد مصدر جهوداً بحثية بارزة في هذا المجال الحيوي، لذلك فإن فريقاً بحثياً تحت إشراف الدكتور خالد العوضي، أستاذ مساعد في برنامج ماجستير البنية التحتية الأساسية المستدامة في معهد مصدر، يعمل على عدد من المشاريع التي تهدف إلى فهم كيفية استخدام البنى الحضرية، بكل ما تشمله من أنماط فيزيائية ومخططات وهياكل، وذلك للتمكن من خفض استهلاك الطاقة والارتقاء بمستويات الصحة العامة في أبوظبي.
وتركز هذه المشاريع على زيادة «قابلية المشي» ضمن مدينة أبوظبي، وهو مؤشر على مدى أمان وملاءمة السير على الأقدام ضمن المدينة. وتسعى هذه المشاريع إلى وضع صيغ مستدامة لتصميم وتخطيط المراكز الحضرية في أبوظبي وضواحيها التي تشهد توسعاً.
ونظراً لتوسع الضواحي، بات على السكان قيادة سياراتهم لمسافات أطول، الأمر الذي يزيد من انبعاثات الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي. كما توفر الضواحي منازلاً أكبر حجماً وأقل تكلفة مقارنة بتلك في داخل المدينة، وبذلك يستهلك سكان الضواحي مقدار أكبر من الطاقة اللازمة لتوفير الكهرباء والتبريد في منازلهم الكبيرة.
وبدوره، يعمل الدكتور العوضي على إيجاد حلول ترفع مستويات الاستدامة ضمن الضواحي، حيث قال: «من الضروري تحديد نظم استخدام الأراضي وأساليب التصميم والسياسات التي تتيح المجال لتعزيز الحلول المبتكرة ضمن الضواحي. وإن جهدنا البحثي يتمحور بشكل رئيس حول توفير بيئة وظروف معيشة أفضل وأكثر صحة».
يذكر أن الدكتور العوضي يعمل مع فريق من باحثي معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) على إجراء دراسات تحليل ومقارنة للأحياء في دولة الإمارات وتطوير نماذج حضرية تكون بمثابة الأطر التي تتيح تصميم الأحياء الحالية والمستقبلية في أبوظبي على أسس مستدامة.
ومن شأن التوصل إلى حلول تعزز«قابلية المشي»، وجودة حياة السكان وأسس الاستدامة في المناطق الحضرية والضواحي أن يدعم تحول أبوظبي إلى مدينة ذكية ويسهم في الحفاظ على أهم موارد الإمارة، وهما الإنسان والبيئة.


اقرأ أيضا

صفقات «دبي للطيران» تقفز إلى 215.2 مليار درهم