الاتحاد

الاقتصادي

طموح الناقلات الوطنية يكسر جدار الحمائية

أبوظبي (الاتحاد)

استطاعت ناقلات الإمارات الوطنية خلال فترة قصيرة من تغيير قواعد سوق الطيران وبناء محاور للسفر تربط العالم شرقاً وغرباً عبر مركز طيران عالمي لوجستي يدعمه أسطول من أحدث الطائرات في العالم وواحدة من أفخم وأرقى الخدمات العالمية.
ودفع هذا النجاح شركات عالمية لتشكيل تكتلات فيما بينها لعلها تحد من طموح العملاق الجديد، وشركات أخرى لإعادة حساباتهم لعدم قدرتهم على المنافسة سوى بأمل العودة إلى الحمائية والالتفاف على اتفاقيات الأجواء المفتوحة أو الاستفادة من أي دعم سياسي ممكن.
وأكد الجهات العالمية المشرفة على صناعة الطيران أن من دافع عن المنافسة المفتوحة والسوق الحرة يتحولون بزاوية 180 درجة عن مواقفهم، وباتوا يطالبون بحواجز حمائية تشريعية، وذلك بصرف النظر عن مصالح المسافرين، ومصالح الوجهات أو مصالح المجتمع! فهم يريدون تغيير قواعد اللعبة مجدداً لصالحهم، ذلك أن المنافسة في البيئة التي قاموا بتصميمها وبنائها والترويج لها حول العالم، قد باتت أشد من قدرتهم على الاحتمال.
وأكد الناقلات الوطنية أن معادلة النجاح بسيطة في ظل المنافسة، حيث اعتمدت على الإدارة الكفؤة، وتوفير أحدث الخدمات المبتكرة التي تلبي احتياجات المسافرين، وانتهاج استراتيجية متفردة في النمو والتوسع تواكب متغيرات سوق السفر في القرن، فضلاً عن التمتع بالقدرة الفائقة على التكيف مع الأزمات العاصفة التي تواجه قطاع الطيران.
مصطفى عبدالعظيم (دبي)

نجحت طيران الإمارات على مدار رحلتها التي لم تتجاوز الـ32 عاماً، في إعادة صياغة خريطة صناعة النقل الجوي في العالم، ورسمت من خلال استراتيجيتها المتفردة في النمو والتوسع، مسارات جديدة لمستقبل السفر، ترتكز على نقطة انطلاقها من أرض دولة الإمارات ومطار دبي الدولي الذي تحول إلى محور عالمي لحركة السفر والربط بين المطارات الدولية.
وعلى الرغم من قصر الرحلة في تاريخ عالم الطيران، فإن الناقلة الإماراتية التي سيرت أولى رحلاتها في 25 أكتوبر 1985، استطاعت أن تحقق إنجازات هزت عرش أكبر الناقلات الجوية في العالم التي تكالبت لتشكيل تكتلات فيما بينها لعلها تحد من طموح العملاق الجديد الذي تمكن من تغيير قواعد سوق الطيران وبناء محاور للسفر تربط العالم عبر بوابة دبي بشبكة خطوط تصل إلى 155 وجهة في 83 دولة، يدعمها أسطول من أحدث الطائرات قوامه حتى الآن 257 طائرة من أحدث الطرازات كما في 27 مارس 2017.
وطرح النجاح الذي حققته طيران الإمارات العديد من التساؤلات حول سر هذا النجاح الذي أذهل العاملين في صناعة السفر الجوي، قبل أن يدفع الشركات الأخرى لإعادة حساباتها لعدم قدرتها على المنافسة سوى بأمل العودة إلى الحمائية والالتفاف على اتفاقيات الأجواء المفتوحة أو الاستفادة من أي دعم سياسي ممكن.
وتجيب طيران الإمارات على هذه التساؤلات بأنه لا يوجد أي أسرار خلف هذا النجاح، بل هناك عناصر معروفة تساهم فيه، أهمها الإدارة الكفؤة والعمل الدائم لتوفير أحدث الخدمات المبتكرة التي تلبي احتياجات المسافرين، والاستفادة من سياسة الأجواء المفتوحة التي ترسخها دبي ويتخلى عنها مؤسسوها، وانتهاج استراتيجية متفردة في النمو والتوسع تواكب متغيرات سوق السفر في القرن الـ21، فضلاً عن التمتع بالقدرة الفائقة على التكيف مع الأزمات العاصفة التي تواجه قطاع الطيران، وبناء شبكة عالمية تستهدف الفرص في الأسواق غير المستغلة، عبر امتلاك أحدث أساطيل الطائرات في العالم يزيد على 257 طائرة، وفوق كل هذا الاستفادة من الموقع الجغرافي لدولة الإمارات والبنية التحتية المتطورة لقطاع الطيران والسياحة والتجارة في دبي، التي مكنتها من المنافسة مع 140 شركة طيران تعمل في مطار دبي بلا «حماية».

منظومة تشغيلية
ونجحت مجموعة طيران كذلك في بناء منظومة تشغيلية، مكنتها من تحقيق الأرباح عاماً تلو الآخر، فمنذ تأسيس الناقلة في العام 1985 برأس مال قدره 10 ملايين دولار قدمها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، عندما كان حينها ولياً لعهد دبي، استطاعت الشركة أن تحقق أرباحاً مجمعة بلغت حتى نهاية السنة المالية 2015/‏‏‏ 2016 قرابة 58 مليار درهم، بمتوسط أرباح قدره 1.8 مليار درهم سنوياً، لتحجز بذلك الشركة مكانها ضمن قائمة أكبر 200 علامة تجارية في العالم، وذلك وفقاً لتقرير «غلوبال 500» الذي تصدره «براند فاينانس» سنوياً.
وتقدر طيران الإمارات أن قيمة علامتها التجارية نمت بنسبة تزيد على 21% من 5.48 مليار دولار (20.11 مليار درهم) إلى 6.6 مليارات دولار (24.2 مليار درهم)، كما حافظت الناقلة على مكانتها التي تحتلها منذ سنوات كصاحبة أعلى علامة تجارية من حيث القيمة بين شركات الطيران، وصاحبة أعلى علامة تجارية من حيث القيمة على مستوى منطقة الشرق الأوسط، وتقدمت طيران الإمارات بقوة وثبات، على جدول أقوى 500 شركة عالمية من حيث قيمة العلامة التجارية، حيث تحتل الآن المرتبة 196، متقدمة 38 مرتبة خلال فترة 12 شهراً فقط.

المنافسة بلا حمائية
تلجأ بعض الناقلات المنافسة أحياناً إلى اتهام طيران الإمارات بتلقي دعم حكومي، لكن طيران الإمارات، التي تدعم سياسة الأجواء المفتوحة، والتي تتمتع باستقلال مالي تام منذ نشأتها، لم تتلق أي دعم من حكومة دبي التي تملكها باستثناء تكاليف التأسيس، ولم يقل نمو الناقلة عن 20% سنوياً، حيث استمرت في تحقيق أرباح متنامية منذ تأسيسها حتى الآن باستثناء سنتها الثانية. وأكد سمو الشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم رئيس هيئة دبي للطيران الرئيس الأعلى لمجموعة طيران الإمارات، أن تقرير النتائج المالية، يعكس بما لا يدع مجالاً للشك مدى الشفافية التي تتمتع بها الشركة عبر تاريخها، ويوضح كل تفاصيل الإيرادات والمصروفات، مما يدحض كل الادعاءات التي تروج لها الناقلات الأميركية، التي دعاها مرة أخرى إلى تحسين خدماتها لجذب العملاء، مشيراً إلى أن استفادة الناقلات الأميركية وخاصة العاملة في قطاع الشحن الجوي الواسعة من اتفاقيات الأجواء المفتوحة من خلال عملها في دبي والاستفادة من البنية التحتية العالمية في قطاع الطيران والنقل والخدمات والسياحة واللوجستية والتجارة التي نجحت دبي في بنائها على مدار العقود الماضية.
النجاح يولد الأعداء
وجعل النمو المتسارع والنجاح المدروس لطيران الإمارات التي أدركت مبكراً المتغيرات في السوق في القرن 21، هدفاً للشركات المنافسة وخاصة الناقلات الأميركية الثلاث الكبرى «أميركان إيرلاينز ودلتا ويونايتد، ومعها بعض الناقلات الأوروبية، التي رأت في عملها أنموذجاً يختلف عنها، لتسارع إلى الانتقاد وتوجيه الاتهامات والادعاءات بحصول طيران الإمارات على دعم حكومي يضر بقواعد المنافسة العادلة، وذلك طوال السنوات العشر الماضية، إلا أن ذلك لم يثن الناقلة عن مواصلة التوسع والنمو والتحليق في أجواء مفتوحة لا يستطيع المنافسة فيها إلا من يمتلكون القدرة على النجاح والتفوق.

موقع جغرافي فريد
ولم يكن انطلاق وتوسع طيران الإمارات على حساب ناقلات أخرى أو أنها أخذت حصة غيرها من الأسواق، كما تزعم الناقلات المتذمرة في أميركا، بل وجدت نفسها في موقع جغرافي فريد ومتغيرات اقتصادية متسارعة وتحولات من الغرب إلى الشرق في القوى الاقتصادية، وكان لا بد لها من استغلال فرص النمو في هذه التحولات، كما أن جزءاً كبيراً من هذا النجاح جاء بسبب عدم تغيير الناقلات الأميركية لشبكاتها مع هذه التحولات والتوجه إلى الأسواق والفرص الجديدة.
ففي الوقت الذي كانت تلعب فيه الناقلات الأميركية بمبدأ السلامة بتشغيل رحلاتها على وجهات عبر الأطلسي في أوروبا والهادي في آسيا وبنفس الوقت تجاهلت الأسواق الجديدة في شبه القارة الهندية وأفريقيا، أو ببساطة سلمت المسافرين إلى حلفائها من الشركات الأوروبية والتحالفات التجارية، وانشغالها بالاندماجات المحلية وتجاهل الفرص الموجودة في الأسواق الجديدة، بنت طيران الإمارات وهي الناقلة المستقلة التي لم تنضم لأي تحالف تجاري ومنذ تأسيسها في العام 1985 شبكتها العالمية مستهدفة الفرص في هذه الأسواق وبمزيد من الخدمات المبتكرة التي تلبي احتياجات المسافرين، وعززت طيران الإمارات مركزها التشغيلي في مطار دبي بما يسمح لنقل المسافرين من أي من وجهاتها في الولايات المتحدة إلى أكثر من 15 وجهة في الشرق الأوسط و23 وجهة في أفريقيا و35 في آسيا في الوقت الذي لم تخدم فيه الناقلات الأميركية سوى 4 وجهات في أفريقيا وأربع في الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، يرى روبرت لاند، النائب الأول للرئيس للشؤون الحكومية في خطوط جت بلو، أنه من المفارقة أن تشتكي دلتا، يونايتد وأميركان من نمو الناقلات الخليجية نظراً لأن الناقلات الأميركية تجاهلت إلى حد كبير خدمة هذه المنطقة بأسرها، مشيراً إلى أنه في حين أن الناقلات الخليجية عملت على تنمية شبكاتها في الشرق الأوسط وأفريقيا والهند، اختارت دلتا ويونايتد وأميركان فقط أن تخدم مجتمعة أربعة أسواق في الشرق الأوسط وأربعة في أفريقيا.
وأضاف لاند أنه: «وفي حين تمتلك الناقلات الخليجية شبكات واسعة في الهند وباكستان، تغذي مراكزها وتتدفق منها الحركة الجوية إلى الولايات المتحدة، نجد أن الناقلات الثلاث لا تقدم مجتمعةً سوى رحلتين يومياً»، لافتاً إلى أنه «وعلى الرغم من أنها هي التي اختارت عدم تقديم مستويات خدمة جادة أو خدمات تنافسية لهذه المناطق النامية، والتي كانت متاحة لخدماتها بموجب اتفاقيات الأجواء المفتوحة الحالية، إلا أنها تشتكي الآن من نجاح أولئك الذين ينافسون في تلك الأسواق تحت فرضية أنهم يحققون ذلك بشكل خاطئ».

تحفيز السوق
إلى ذلك، قالت مجموعة الخطوط الجوية الدولية، في بيان صادر عنها، إن «شركات الطيران الخليجية الثلاث» طيران الإمارات والاتحاد للطيران والخطوط القطرية «لا تقدم خدمات وأسعاراً منافسة وحسب، وإنما هي أيضاً تحفز السوق، ولذلك فإن الجزء الأكبر من الزيادة في حركة المسافرين عبرها يأتي بالتدريج، وليس مأخوذاً من المشغلين الحاليين.
من جانبه، يرى ويليام جيه. ماكجي، المسؤول السابق في اتحاد المستهلكين، ومؤلف كتاب «لينتبه جميع المسافرين»، أن الفكرة هي أن أميركان ودلتا ويونايتد، التي ظلت تجني الفوائد من اتفاقيات الأجواء المفتوحة وتحرير الأسواق الأجنبية، تريد أن تسحب الجسر المتحرك وتغلق الولايات المتحدة في وجه الناقلات الأجنبية، وهذا يشكل في الواقع قمة النفاق، فعندما يقدم المرء حجة عادلة، فإنك تحترم رأيه حتى لو كنت لا توافق عليه، ولكن أن تكون غير نزيه فكرياً، فذلك أمر آخر، وأنا لا أفهم كيف يمكنك أن تخلق قضية تريد من خلالها نفس شركات الطيران التي استفادت من اتفاقيات تحرير الأجواء الآن عكس ذلك، وأن تغلق المنافذ في وجه الشركات الأجنبية».
أما البروفيسور جيفري ليبمان، رئيس الائتلاف الدولي لشركاء السياحة، والذي كان يتولى في السابق رئاسة الشؤون الحكومية في الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا) ورئاسة المجلس العالمي للسياحة والسفر، فيرى أن الأبطال الذين طالما دافعوا عن المنافسة المفتوحة والسوق الحرة يتحولون بزاوية 180 درجة عن مواقفهم وباتوا يطالبون بحواجز حمائية تشريعية، وذلك بصرف النظر عن مصالح المسافرين، ومصالح الوجهات أو مصالح المجتمع! فهم يريدون تغيير قواعد اللعبة مجدداً لصالحهم، ذلك أن المنافسة في البيئة التي قاموا بتصميمها وبنائها والترويج لها حول العالم، قد باتت أشد من قدرتهم على الاحتمال (ذلك أن الأوضاع التنافسية وفقاً لقواعد اللعبة التي وضعوها في البداية صارت الآن أكثر من قدرتهم على التعامل معها).
وأضاف أنه من خلال قراءة سريعة للمطالبات والردود، يتضح لنا تماماً أن الأجواء المفتوحة أفضل للمجتمع وللمسافرين على مستوى العالم، وأيضاً للاقتصاد الأميركي- وباتت الدولة التي سوقت للعالم بنجاح هذا المفهوم الذي يعترف به العالم الآن، في مواجهة خيارين: إما أن تكون جريئة وتحافظ على رؤيتها، أو أن تكون ضعيفة، لأن بعض الناقلات لديها لم تعد تحب تبعات الأجواء المفتوحة.

94 طائرة A380 في الخدمة
تعتبر طيران الإمارات، بطلبيتها المكونة من 140 طائرة إيرباص A380، أكبر مشترٍ لهذا الطراز العملاق من الطائرات، حيث تستأثر بأكثر من 40% من إجمالي الطلبيات المؤكدة عليها، ويضم أسطول الناقلة حالياً 94 طائرة من هذا الطراز العملاق، وخلال عام 2013، سلمت إيرباص 13 طائرة A380 لطيران الإمارات، ما يعادل 50% من إجمالي عدد الطائرات من نفس الطراز التي تم تسليمها في ذلك العام.
وتقدر إيرباص أن طلبيات طيران الإمارات من الطائرة A380 تدعم 41 ألف فرصة عمل بصورة مباشرة وغير مباشرة في أوروبا. وينقسم نحو 70% من فرص العمل هذه بالتساوي بين ألمانيا وفرنسا، في حين تستأثر المملكة المتحدة بنسبة 17%، والـ5000 فرصة الباقية لإسبانيا، وتندرج فرص العمل هذه ضمن الفئة التي تتطلب مهارات عالية ولها تأثيرات عالية القيمة في سلسلة عملية الإنتاج.
بعدد طائرات يصل إلى 161 طائرة، من طائرات بوينج 777، تربعت شركة طيران الإمارات على عرش أكبر مشغلي طائرات بوينج 777 في العالم، ولتصبح كذلك شركة الطيران الوحيدة في العالم التي تشغل جميع طرازات طائرة 777 الستة من بوينج، وفي سابقة هي الأولى من نوعها منذ 15 عاماً، قامت شركة بوينج الأميركية، خلال شهر سبتمبر 2015، بتسليم طيران الإمارات ثلاث طائرات من طراز 777 دفعة واحدة.

اقرأ أيضا

صفقات «دبي للطيران» تقفز إلى 215.2 مليار درهم