الاتحاد

دنيا

مسرح الحكيم·· للقراءة والفرجة


القاهرة ــ أحمد الجندي:
الجدل لا يتوقف حول شخصية الأديب الراحل توفيق الحكيم وفكره·· فالرجل كان ثريا إلى أبعد حد من حيث انه أديب ومفكر موسوعي خاض معارك كثيرة في حياته وأصبح بعد موته مادة شيقة للدراسة والبحث·· وقد أعطى الكثيرون الريادة للحكيم في الكتابة المسرحية لكن هناك من رأى أن مسرحه للقراءة فقط وليس للفرجة وهو ما أطلقوا عليه المسرح الذهني· وكانت هذه الرؤى هي مضمون دراسة د· عصام الدين أبو العلا -الأستاذ المساعد بمعهد النقد الفني- وعنوانها: 'آليات التلقي في دراما الحكيم' ونوقشت في ندوة بأكاديمية الفنون بالقاهرة·
وقال صاحب الدراسة انه أشيع لسنوات طويلة عن توفيق الحكيم أن مسرحه يكُتب للنشر والقراءة· لا للعرض على المسرح وساعد على انتشار هذه الأطروحة توفيق الحكيم نفسه في كتاباته لصديقه الفرنسي 'اندريه' عام ·1943 كما جاء في كتابه 'زهرة العمر' ومقدمات مسرحياته مثل 'أهل الكهف' و'ايزيس' والمسرحيات التي كان ينشرها في الصحف الكبرى منذ عام 1947 حتى أواسط الستينيات حيث كان ينشر فصلا أو مسرحية قصيرة كل أسبوع· وأكد انه لا يمكن لكاتب مسرحي صياغة مسرحية ما إلا إذا كان متصورا لكافة عناصر عرضها· وباختبار هذه الفرضية خلال مسرحية 'أهل الكهف' وهي أولى المسرحيات التي كتبها الحكيم لغرض النشر تبين أن المسرحية بها كافة تفاصيل العرض المسرحي·
وقال انه حلل النصوص الدرامية عند الحكيم مثل الفعل والزمن ومستويات بناء الشخصية واللغة وطبيعتها وسينوغرافيا العرض المسرحي ومنهج أداء الممثل والموسيقى والمؤثرات الصوتية· ووجد أن الحكيم لم يكن يوما يكتب دراما للقراءة وانما كان يكتبها للعرض المسرحي دون أن يجهل إمكانية أن تحفظ هذه المسرحيات من خلال كُتب شأنها شأن التراث الكلاسيكي·
تبسيط
وأوضح أن الحكيم أراد أن يكون متفردا عن كل كتاب المسرح لأن سابقيه كانوا يسعون للعرض المسرحي ثم تذهب نصوصهم إلى دائرة النسيان لكن الحكيم اهتم بنشر نصوصه لكي تظل موجودة وباقية وتكون بمأمن من تفسيرات المخرجين· مشيراً إلى أن الحكيم استطاع أن يبسط لغته في الكتابة الدرامية لتكون في متناول القاعدة العريضة من المتلقين· كما أن النص الدرامي المطبوع ساعد على ترجمة معظم نصوصه إلى اللغات الحية منذ عام 1935 وهو الكاتب الأشهر الذي يعرفه الغرب لان نصوصه تُرجمت منذ ذلك التاريخ·
وقال الناقد د· فوزي فهمي إن الدراسة لم تغفل آراء المنظرين السابقين الذين تناولوا دراما توفيق الحكيم بالنقد والتحليل والدراسة· مثل 'توفيق الحكيم مفكرا ومنظرا مسرحيا' للدكتور أحمد عثمان وتشير عناوين الدراسات إشارة داله إلى محتواها مثل الاهتمام بدراسة 'التعادلية' كفلسفة عند توفيق الحكيم وأثرها على مسرحياته المتأخرة ثم دراسة أثر تيار اللامعقول على ثلاثة من دراما الحكيم هي 'يا طالع الشجرة' و'الطعام لكل فم' و'مصير صرصار'·
وأضاف أن الدراسة اختارت نماذج من نصوص الحكيم اختيارا متعمدا معتمدة على الدراسة السابقة لنفس الباحث الذي حصل من خلالها على درجة الماجستير والتي عنيت بملامح التطور التقني للملهاة عند توفيق الحكيم منذ عام 1924 حتى 1960 واختيار نص ممثل لكل مرحلة من مراحل التوجه للمتلقي عند توفيق الحكيم والنصوص هي: 'أوبريت على بابا' 1926 و'أهل الكهف' 1933 و'أريد أن أقتل' 1950 و'ايزيس' 1955 و'الصفقة' 1956 إلى جانب الإشارات التحليلية لنماذج أخرى من دراما الحكيم بما يفيد في فهم التوجه العام للمتلقي·
وأكد أن النص المسرحي المكتوب لغرض العرض يفترض وجود تصور مسرحي سابق عليه ويتشكل هذا التصور خلال الكتابة المسرحية وهو ما يسمى 'بنيه التوجه الكامنة في النص' أو 'آلية نصية' يتم توظيفها في استراتيجيات معينة للمتلقي وبالتالي يمكن الوصول إلى معرفة المتلقي المستهدف سواء كان النص لهدف العرض أو القراءة أو الاثنين معا·
أمانة
وقال الفنان سعد أردش إن الدراسة لا تدخل ضمن نطاق البحث والنقد المسرحي فحسب بل تتجاوز ذلك إلى علوم أخرى مثل الإخراج المسرحي ونكتشف القيمة الحقيقية للإشارات المسرحية وكيف تعطي التصور الأول للعرض المسرحي كما يريده المؤلف· وصاحب الدراسة حافظ على وجهة نظر توفيق الحكيم دون الغوص في تأويلات أخرى لمسرحياته· فمثلا لو حاولنا اليوم تقديم أوبريت 'علي بابا' فهل سنقدمه كما كتبه الحكيم عام 1926؟ بالطبع لا· لكن د· عصام في دراسته كان أمينا للغاية مع ما طرحه الحكيم من تصور متكامل لعرض الأوبريت أثناء كتابته له· وهو ما يؤكد أن الحكيم كتب مسرحياته جميعا بغرض العرض المسرحي ولم يكن كما قال هو نفسه يكتبها للقراءة فقط·
وأضاف: لقد زاوج الحكيم في كتاباته الدرامية بين آليات التلقي المسرحية والأدبية في وقت واحد لتتوجه إلى المتلقي المتفرج والقارئ معا بما يفيد في إمكانية وجود تراث درامي مطبوع لدينا يمكن دراسته وعرضه في أي وقت· وغالبية مسرحيات الحكيم تضمنت الحبكة المسرحية فيها تقاليد تقديمها مسرحيا مما يشير إلى آلية تلقي مسرحية وأدبية تستهدف جمهور المتفرجين كما تستهدف جمهور القراء· كما أن شخصياته في نصوصه لها أبعاد إنسانية وتاريخية مما يزيد إحساس المتلقي بها وتعاطفه معها وهذا يعد نوعا مما نسميه آليات التلقي المسرحية وقد أشارت الدراسة إلى هذا بشكل جيد· كما أن اللغة في مسرحيات الحكيم مثل 'أهل الكهف وايزيس' اتسمت بالرصانة والعبارات الموحية وصور البلاغة المختلفة وتعمد الحكيم ذلك ليضفي عليها الطابع الأدبي أي أنها تمثل آلية تلق أدبية وان كانت صالحه لتمثل آلية تلق مسرحية وهذا يعني أن هناك آلية مزدوجة·
وأكد أردش أن توفيق الحكيم اعتمد في معظم مسرحياته على عنصر السينوغرافيا 'المفترض' وفي هذا توجه مباشرة للقائمين على العرض المسرحي وهو عنصر يمثل آلية تلق مهمة كما أن هناك نصوصا غير كلامية -غلب عليها الوصف والحركة المسرحية وهذه الحركة تمثل آلية مسرحية صرفه·
آليات التلقي
وقال د· مصطفى يوسف منصور - رئيس قسم الدراما بمعهد النقد- أن الحكيم أثار جدلا نقديا مدويا بسبب توجهات كتاباته المسرحية التي لم تكن مألوفة لتراث الدراما المصرية إذ يصف د· محمد مندور مسرحيات الحكيم بأنها ذهنية أو فكرية ويمثل هذا التصنيف الرأي الغالب في الكتابات النقدية التي عكفت على دراسة مسرح الحكيم ويصفها د· علي الراعي بـ'مسرح من ورق' ووصف صاحبها بأنه 'فنان الفكر'· وأضاف أن الدراسة المعروضة تستمد قوتها وجودتها من رؤية صاحبها لنصوص توفيق الحكيم وبحثه فيها حيث أشار إلى أن آليات التلقي في هذه النصوص يمكن أن تلقي الضوء بشكل موضوعي ملموس على توجهات تقنيات النص المسرحي ولكن ليس من زاوية اجتماعية فحسب وانما من الناحية الجمالية للنص الدرامي نفسه ومرتكزاته التقنية التي توجهه إلى نمط معين من أنماط التلقي· وأشار إلى أن آليات التلقي في الجانب الاجتماعي تشمل عددا من النصوص الدرامية للحكيم أبرزها 'يا طالع الشجرة' و'الطعام لكل فم' وفيها تبرز ملامح تأثير الدراما الغربية وخاصة تيار اللا معقول· وإذا كانت الدراسة قد اشتملت على قراءة تحليلية لعينة عشوائية من مسرحيات توفيق الحكيم المثيرة للجدل النقدي فإن ذلك جعلنا نكتشف آليات التوجه للمتلقي بطريقة ملموسة يمكن الاستناد عليها وتوصيفها وتصنيفها وبيان وظائفها الدرامية كآلية تستدعي استجابة ما·

اقرأ أيضا