الاتحاد

دنيا

مغاربة يلجأون إلى «السكن المشترك» لمواجهة ارتفاع الإيجارات

ضعف الرواتب حمل أسراً مغربية على استئجار غرفة في منزل أسرة أخرى

ضعف الرواتب حمل أسراً مغربية على استئجار غرفة في منزل أسرة أخرى

تلجأ بعض العائلات في المغرب إلى السكن المشترك في منزل واحد كحل لمشكلة ارتفاع أسعار الإيجار وانخفاض الرواتب، وتعد فئة العاطلين ومحدودي الدخل الأكثر طلباً على السكن المشترك، وأغلبهم أسر صغيرة حديثة العهد بالزواج، وجدت في السكن المشترك حلاً مؤقتاً يساعد على خفض تكلفة الإيجار على الأسرة.

تعتبر مشكلة السكن المشترك واحدة من المشاكل المتفاقمة في المغرب حالياً، حيث إنها تسبب الكثير من الجرائم والصراعات بين سكان المنزل الواحد، مثل انتهاك الخصوصية والصراع بين العائلات والخلاف حول أولوية استعمال الملحقات المشتركة كالمطبخ والحمام، وتنتهي بعض هذه الخلافات بجرائم الاغتصاب والقتل.
شقة واحدة
بعد أن كان السكن المشترك حالة خاصة بالعزاب والطلبة، أصبح اليوم مقبولاً من طرف الأسر، التي تشترك في بيت واحد وتتقاسم غرفه، لتصبح حياة كل منها على مسمع ومرأى من البقية، حيث لا تمنع الجدران، التي تفصل بينها وصول الصوت والروائح إلى الآخرين، كما أنها لا تمنح الخصوصيات للأزواج، وعلى الرغم من ذلك لا تزال أعداد الراغبين بتأجير الغرف والشقق المزدوجة مرتفعة، لا سيما بعد ارتفاع أسعار العقارات بشكل كبير مؤخراً.
وعلى الرغم من الجهود، التي تبذلها الحكومة لتوفير مساكن اقتصادية لذوي الدخل المحدود، إلا أن الإقبال على السكن المشترك لا يزال مرتفعاً، لا سيما في المناطق القريبة من وسط المدينة ومن الجامعات وأماكن العمل، بينما توجد المساكن الاقتصادية، التي تبيعها الدولة للمواطنين بالتقسيط في ضواحي المدن الكبرى، بعيداً عن الوسط التجاري، الذي يؤمن فرص عمل كثيرة للعاطلين.
ويجد الكثير من محدودي الدخل في هذا المعطى مبرراً للإقبال على السكن المشترك، حيث يعتبر إبراهيم العوفي، الذي تزوج حديثاً، أن حاجته للسكن قرب مكان عمله في سوق العاصمة هي السبب في قبوله السكن مع أسرتين داخل منزل مكون من ثلاث غرف ومطبخ وحمام، ويقول “أنا وزوجتي نقضي أغلب الوقت خارج البيت، حيث إننا نعمل بدوام كامل ولا نحتاج الغرفة إلا في المساء”. ويعترف العوفي أنه يواجه صعوبة في العيش داخل بيت تسكنه ثلاث أسر. ويقول “أفضل البقاء بالمقهى بعد الدوام أو زيارة أصهاري مع زوجتي على البقاء مسجوناً بالغرفة. كما أنني أجد بعض الصعوبة في النوم مبكراً بسبب صراخ أطفال الجيران”. ويعتبر إبراهيم أن هذه الفترة مرحلة مؤقتة من حياته ستنتهي حين يجد بيتاً مناسباً لإمكانياته، فالمهم بالنسبة إليه حالياً هو الانطلاق مبكراً للعمل وتوفير المال الكافي لاستئجار بيت كامل”.
مشاركة الغرباء
تقبل بعض الأسر تأجير جزء من بيتها لأسر من أفراد عدة، وأحياناً لطلبة وعزاب بهدف زيادة دخلها، مثل أسرة فوزية المراكشي، التي أجرّت الطابق السفلي لبيتها، وقسمته إلى غرف تسكن كل عائلة بإحداها، وتقول “استقبلت أسراً عدة منذ أن أعلنت عن حاجتي إلى من يشاركني المنزل، وكنت حريصة على اختيار الأسر المحترمة وقليلة العدد. وعلى الرغم من ذلك فقد واجهت المشاكل بسبب الشجار على المطبخ والحمام وخلافات الأطفال. فأصبحت أفضل التأجير للعزاب والطلبة، لأنهم أقل مشاكل من الأسر”. ولا ترى فوزية أن هناك أي صعوبة في التعامل مع العزاب والطلاب، فهي أرملة منذ عشر سنوات وأم لطفل واحد وليس لديها بنات تخاف عليهن من الغرباء.
أما سعاد، التي تقطن بغرفة في منزل مكون من خمس غرفة ومطبخ وحمامين، فهي تعاني تحرشات بعض السكان بابنتها، وتقول “لا أستطيع ترك ابنتي وحدها في المنزل لأني لا أثق في الجيران، لا سيما العزاب، الذين يصر مالك البيت على التعامل معهم. واصطحبها معي دائماً خوفاً من أن يستغل أحدهم الظرف ويقتحم عليها الغرف”. وتعيش سعاد مع زوجها وأطفالهما الأربعة في غرفة واحدة طولها ستة أمتار وعرضها ثلاثة أمتار، وبجانبها في البيت نفسه تعيش ثلاث أسر، يفوق عدد أفرادها الـ14 شخصاً، إضافة إلى الضيوف، وإلى جانب الأسر يقطن أربعة عزاب في الغرفة الخامسة، ويشترك الجميع في الاستفادة من مطبخ واحد وحمامين وبهو كبير.
وتقول سعاد إنها تحاول الحفاظ على خصوصية عائلتها قدر الإمكان، لكنها تواجه ببعض الصعوبات حين لا تجد ابنتها مكاناً تلجأ إليه عندما تريد تغيير ملابسها بسبب وجود الأب والأخوة المراهقين في الغرفة، إضافة إلى صعوبة النوم وتبديل الثياب، فإن عائلة سعاد تعاني شجار القاطنين بالبيت الواحد على أمور تتعلق بقضاء الحاجة والأسبقية للمطبخ واختفاء الأثاث والملابس والمواد الغذائية من داخل المطبخ.
ويبقى السكن المشترك الحل السحري لمحدودي الدخل بسبب ارتفاع قيمة الإيجار وتكاليف الحياة، والحل المؤقت لغير القادرين على شراء المنازل، ريثما يتسنى لهم شراء شقة مناسبة لإمكانياتهم، كما أنه المكان المفضل لمخالفي القانون والهاربين من العدالة.

السكن الاقتصادي

سارعت الحكومة إلى إيجاد حل لمشاكل السكن بتقديم تسهيلات للاستفادة من برامج السكن الاجتماعي والاقتصادي، حيث تتيح مشاريع السكن الاجتماعي للموظفين الاستفادة من تمويل شامل بهدف شراء مسكن، بينما تمنح مشاريع السكن الاقتصادي للعمال والمواطنين، الذين لا يملكون دخلاً لشراء شقة صغيرة، وتسديد ثمنها على أقساط، بحيث لا يتجاوز ثمن القسط الشهري ثمن منزل صغير.
وساهمت الإصلاحات، التي عرفها قطاع العقار، في خلق دينامية حقيقية مكنت من تراجع أزمة السكن، وبفضل المجهودات المبذولة للقضاء على السكن العشوائي وإنعاش السكن الاجتماعي، مكن برنامج “مدن من دون صفيح”، والذي تم الشروع في إنجازه سنة 2004، من ضمان السكن اللائق لما يزيد على 830 ألف نسمة، وتحسين ظروف سكن الفئات المعوزة القاطنة بالمدن. وساعدت التشجيعات والتسهيلات على مستوى العرض والطلب، في تراجع العجز السكني في المجال الحضري وإنتاج السكن الاجتماعي.

اقرأ أيضا