الاتحاد

عربي ودولي

تكاثر الدول الفاشلة·· يهدد بطرح خيار إعادة استعمارها من جديد ؟


إعداد - نادية حمزة :
يقول الكاتب الأميركي سباستيان مالابي إن ' الدول الفاشلة عادة ما تكون دائرة في فلك مغلق من الفقر والعنف ، أما الفكاك والحل بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها فهو أن تتعلم كيف تحب الاستعمار من جديد ' هذا القول يكاد ينطبق في العصر الحاضر على عدد كبير من دول العالم الثالث وخاصة الأفريقية الواقعة جنوب الصحراء حيث متلازمة حكم الفرد والنظام الشمولي والفساد والفقر التي جعلت من دول كالصومال وليبيريا وسيراليون وساحل العاج وجمهورية الكونجو الديمقراطية أنموذجا صارخا للدول الفاشلة في ادارة نفسها بعدما عجزت عن السيطرة على إقليمها وأضحت مجرد دويلات متقاتلة يديرها أمراء الحرب والخارجون على النظام والقانون ·
درج البروفيسور لورانس سمرز الذي سادت نظرياته السياسية أبان عهد الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون على القول بان الولايات المتحدة هي الدولة الكبرى الوحيدة في التاريخ التي ليس لديها ماض استعماري ، ولكن هل من الممكن تعزيز هذا الادعاء في عالم اليوم ؟ يتساءل مالابي كاتب العمود الشهير في صحيفة ' واشنطن بوست ' ··· فالحرب ضد الارهاب قد سلطت الاضواء على دول خطرة توفر المأوى وتتربح من الخارجين على القانون ، ابتداء من السودان وأفغانستان ثم سيراليون والصومال · وكان في الماضي عندما يحدث فراغ في السلطة يهدد القوى العظمى فإنه كان لديها حل وحيد وهو استعمار هذه الدول ، ولكن هذا الخيار تم استبعاده منذ الحرب العالمية الثانية التي انتهت رسميا في العام 1945 ، فبعد قرنين من الاستعمار فان مجتمعات الدول المتقدمة نفسها أصبحت ترفض فرض رؤاها على المجتمعات المتخلفة ·
الحروب الأهلية
هذا الكابح للتطلعات الاستعمارية قد أصبح من العسير لجمه خاصة بعدما تنامت الفوضى في الدول الفقيرة وأضحت تشكل خطرا متزايدا ، فالحروب الأهلية قد تطورت الى الأسوأ وأصبحت أكثر قذارة وطولا ، ففي دراسة للبنك الدولي شملت 52 نواعا منذ العام 1960 تبين أن الحروب التي اندلعت بعد العام 1980قد تضاعفت مدتها ثلاث مرات مقارنة بتلك التي وقعت قبل عقدين من ذلك التاريخ ، ولأن هذه الحروب تستمر لفترة طويلة فإن عدد الدول المتورطة فيها يزداد باستمرار ومن ثم فإن هذه الردة السلبية في الفوضى ربما تشكل البيئة الملائمة لاندلاع حروب جديدة · وعندما تدخل أمة في الفوضى والعنف فان أفرادها يركزون فكرهم على النجاة بأنفسهم أكثر من التفكير في مستقبل البلد ، اذ سرعان ما يختفي الادخار والاستثمار وفرص خلق الثروة ، بينما يعمد المسؤولون الحكوميون الى استغلال وظائفهم في جمع الثروة ولا يلقون بالاً لعملية اعداد سياسات ربما تؤدي الى ازدهار على المدى الطويل ومن ثم تبرز دائرة الفقر وعدم الاستقرار والعنف ·
وهناك سبب آخر للفشل المركب للدول ، وهو أن العنف والفوضى الاجتماعية مرتبطان بالنمو السريع في عدد السكان وهذا الانفجار السكاني لايظهر أي علامات على الحد منه ، ففي العشرين سنة القادمة ينتظر أن يرتفع عدد سكان العالم من ستة مليارات الى ثمانية مليارات نسمة حيث تتركز معظم هذه الزيادة في الدول الفقيرة ، وبعض من أكبر هذا الضغط السكاني سيتركز في أفغانستان ، باكستان ، السعودية ، اليمن ، والأراضي الفلسطينية وهذه كلها مجتمعات مسلمة تذخر بمشاعر قوية مناهضة للغرب على حد قول الكاتب الأميركي سيباستيان مالابي ، فقط الدول الأفريقية الواقعة جنوبي الصحراء الكبرى تواجه تحديا سكانيا يفوق ما يواجه العالم الاسلامي ، وهنا فان المزيج الخطر من ارتفاع نسبة المواليد والمصابين بفيروس ' الايدز ' يهددان بانفراط النسيج الاجتماعي وسقوط الحكومات وهذا ما يوفر الملاذ الآمن للارهابيين ·
الإرهاب··أنواع
ان الارهاب هو واحد من الاخطار التي تمثلها الدول الفاشلة ، فمعظم الامدادات العالمية غير الشرعيةمن المخدرات تأتي من هذه الدول سواء كان هيروين من أفغانستان أو كوكايين من كولومبيا ، كما تزدهر أنواع أخرى من الأعمال الاجرامية خلال فترة النزاع ، فقد جنى سفاحون من مثل الرئيس الليبيري السابق تشارلز تيلور ومنظمات ارهابية أرباحا طائلة من السوق السوداء للماس في سيراليون · وتمثل الدول الفاشلة أيضا تحديا للدول المستقرة وذلك من خلال ضغوط النزوح والهجرة غير الشرعية ·
ويرى الكثير من المراقبين أن أخطار الدول الفاشلة هذه لن تساهم في احياء النزعات الاستعمارية اذا كانت لدى الغرب طرق أخرى لمعالجة الوضع ، لكن التجربة أوضحت أن الخيارات غير الاستعمارية وخاصة العون الخارجي ومختلف الجهود لبناء أمة قد لا تكون مصادر موثوق بها في كل الأحوال ·
ويشير المراقبون بصفة خاصة الى فشل المجتمع الدولي في الصومال وفي ساحل العاج والى تعثر جهود بناء الدولة المركزية في أفغانستان كنماذج لفشل خيارات العون والمساعدات ، كما يشيرون في هذا الصدد الى تقرير دولي صدر حديثا حذر من أن غينيا تلك الدولة الواقعة في غرب أفريقيا قد تصبح دولة فاشلة وتلحق بزمرة الدول التي تتحلل وتندثر فيها السلطة المركزية مما يجعلها عرضة للتفكك والانهيار وبالتالي نهبا للصراعات بين المجموعات العرقية والجهوية والسياسية ، وذلك ما لم تعمد الى تطبيق اصلاحات سياسية وتتجنب حدوث انقلاب عسكري في ضوء تدهور صحة الرئيس الحالي لانسانا كونتي ·
عواقب وخيمة
وقالت مجموعة الأزمات الدولية وهي هيئة أبحاث مستقلة أن غينيا في وضع مزر يزيده سوءا ركود اقتصادي وفساد مستشر وقوات معادية بالقرب من الحدود وجيش قوي ولكنه منقسم على نفسه ، وحذرت المجموعة من أن أي خطأ في الحساب من جانب أي مجموعة قد تكون له عواقب مدمرة وقالت ان هناك حاجة ملحة لاتخاذ خطوات شجاعة من اجل تفادي حدوث أزمات أخرى في غرب أفريقيا ، فالاصلاحات التي وافقت عليها الحكومة تعتبر أفضل فرصة أمام البلاد لتترك خلفها عقودا من الحكم الشخصي ·
والجدير بالذكر أن غينيا عرفت حاكمين فقط منذ استقلالها عن فرنسا في العام 1958 هما الرئيس الاشتراكي الراحل أحمد سيكوتوري والجنرال لانسانا كونتي الذي استولى على السلطة في انقلاب عسكري عام 1984 ، وتعتبر هذه الدولة التي تماثل بريطانيا من حيث المساحة ثالث أكبر دولة تمتلك احتياطيا من معدن البوكسايت وهو المادة الخام المستخدمة في صناعة الألومنيوم ، كما أن بها احتياطيات من الذهب والماس وخام الحديد العالي الجودة ، وبالرغم من هذه الثروات فإن العديد من سكانها البالغ تعدادهم ثمانية ملايين ونصف المليون نسمة يعيشون في فقر مدقع ، كما أن سنوات من سوء الادارة الاقتصادية جعلت العاصمة كوناكري من دون خدمات الكهرباء وساهمت الزيادات المضطردة في أسعار السلع الضرورية في حدوث عدة اضطرابات العام الماضي ، وقالت مجموعة الازمات الدولية إن الجانب الأكبر من مشاكل غينيا خلقه المسؤولون عن ادارة البلاد وذلك من خلال تفضيلهم الحلول القصيرة الأمد والتي عادة ما تؤدي الى نتائج مدمرة وقالت ان الغينيين يخشون من أنهم يتجهون نحو مفترق خطير ·
ومما يذكر ان الرئيس كونتي وهو مدخن شره يعاني من مرض السكري قد سافر للعلاج في الخارج عدة مرات خلال السنوات الثلاث الماضية ، وحذر المحللون من رحيله المفاجئ قد يؤدي الى حالة من العنف ، والى حدوث انقلاب عسكري · وقد لعبت غينيا دورا نشطا في حروب ليبيريا وسيراليون كما قامت بالمساعدة في شحن أسلحة الى كوت ديفوار ، ويخشى المراقبون من تدخل الدول المجاورة في شؤونها في حالة رحيل كونتي ·
وترى مجموعة الازمات الدولية أنه يجب على غينيا تطبيق اصلاحات اقتصادية وسياسية وتأمين ابعاد العسكريين عن السياسة ، كما يتوجب عليها تشكيل لجنة انتخابات مستقلة لتشرف على الانتخابات البلدية المقررة أواخر العام الحالي من أجل تمهيد الطريق امام انتخابات رئاسية حرة وشفافة ·
وتجمع مختلف الهيئات الدولية والمنظمات المعنية بالازمات الى أن خيار الاصلاحات السياسية والاقتصادية المدعوم من الدول الغنية قد يقلل من مخاطر الدول الفاشلة وتكاثرها الذي ينذر العالم بشر مستطير ·

اقرأ أيضا

مساعدات إماراتية تغيث أهالي «تريم»