الاتحاد

دنيا

شيرين النويس: «عسر القراءة» صعوبة في التعلم قابلة للعلاج والتحسن

التدخل الفردي من أهم طرق علاج «الديسلكسيا» (الصور من المصدر)

التدخل الفردي من أهم طرق علاج «الديسلكسيا» (الصور من المصدر)

ربما يغيب عن كثيرين أن هناك عدداً كبيراً من مشاهير العالم الذين خلفوا وراءهم بصمات مميزة، ونجاحات كبيرة، وإنجازات أفادت البشرية في مجالات متباينة، قد عانوا أعراض «الديسلكسيا» في طفولتهم المبكرة، ومنهم على سبيل المثال: «ليوناردو دافنشي»، و«وينستون تشرشل»، و«بابلو بيكاسو»، و«ألكسندر جراهام بل»، و«ألبرت آينشتين»، و«محمد علي كلاي»، و«والت ديزني»، وغيرهم. ويغيب عن كثيرين أيضاً الحقيقة العلمية الثابتة من أن الطفل «الديسلكسي»، ليس متخلفاً عقلياً أو غبياً، بل أغلب الأطفال المعُسرين في القراءة لديهم معدلات طبيعية أو فوق المتوسطة، بل إن بعضهم قد تتعدى نسبة ذكائه المعدلات الطبيعية.

خورشيد حرفوش (أبوظبي) - ما المقصود بعسر القراءة والكتابة؟ وكيف نكتشف هذه الحالة مبكراً لدى الأطفال؟ وكيف يتم تشخيصها وتقييمها على وجه الدقة؟ وكيف نتعامل مع الأطفال الذين يعانون هذه المشكلة؟ وما هي الآفاق المستقبلية لتأهيل وتعليم أطفال «الديسلكسيا»؟ شيرين جاسم النويس، الرئيس التنفيذي لمركز «تعليم» للتدريب وتطوير المهارات في أبوظبي، بادرت حديثاً بتأسيس هذا المركز، في تجربة تنطوي على كثير من الصعاب والتحديات المغلفة بتجربة ذاتية ناجحة، وآمال كبيرة من خلال رسالة إنسانية واجتماعية مسؤولة وطموحة.
توضيح
تؤكد النويس أن التعامل العلمي مع مشكلة «عسر القراءة» لدى الأطفال في أمس الحاجة إلى توعية مجتمعية وأسرية واسعة من خلال نشر الوعي حول كيفية التعرف على عسر القراءة «الديسلكسيا» في وقت مبكر، كأحد أهم صعوبات التعلم التي يعتقد كثيرون أنها ترتبط بنسبة ذكاء الطفل، أو إصابته بأحد المعوقات الجسدية أو الذهنية وهو فهم واعتقاد خاطئ. فالطفل «الديسلكسي»، ليس متخلفاً عقلياً أوغبياً، لأن أغلب المُعسرين في القراءة لديهم معدلات ذكاء فوق المتوسطة، بل إن بعضهم قد تتعدى نسبة ذكائه المعدلات الطبيعية. وهم يتميزون عادة بأسلوب مختلف في مواجهة المشكلات وحلها، وهناك كثير من المشاهير الذين حققوا نجاحات وإنجازات عالمية في حياتهم. وتوضح النويس: «عسر القراءة والكتابة» ما هو إلا اضطراب وظيفي، وصعوبة تعلم نمائية تتعلق بالطريق التي يستقبل بها المخ المعلومات وينظمها ويرتبها ويخزنها ويتذكرها ويستعيدها في ترتيب منهجي طبيعي، وعلى الرغم من الاعتقاد بأن عُسر القراءة يكون نتيجة اختلال عصبي، إلا أنه لا يُعد إعاقة ذهنية، حيث يصيب «عُسر القراءة» أشخاصاً بمستويات ذكاء طبيعية، سواء كان ذكاء متوسطاً أو فوق المتوسط أو العالي، ولديهم رغبة في التعلم، ويتمتع بسلامة الحواس الأخرى. وهذه الحالة وإن كانت مجهولة الأسباب، إلا أنها وراثية المنشأ، فقد تبين أن «الديسليكسيين» ينحدرون من آباء أو أمهات قد عانوا السبب نفسه.
وتشير الأرقام والإحصاءات العالمية المعتمدة من منظمة الصحة العالمية إلى أن النسبة العالمية لحالات «الديسليكسا» تتراوح ما بين 5- 17% من الأطفال في سن المدرسة ذكوراً وإناثاً لدي جميع الجنسيات والمناطق الجغرافية والفئات الاجتماعية المختلفة، كما يلاحظ أيضاً أن حوالي 40% منهم يعانون اضطراب «فرط الحركة وتشتت الانتباه»
التشخيص المبكر
تؤكد النويس أن من الأهمية أن يتم التشخيص السليم من قبل متخصص في طب التطور والنمو، عندما يشك أو يلاحظ الوالدان أو المعلم أية علامات تؤشر إلى وجود صعوبات ظاهرة، وأن يقوم بوضع التشخيص خبير في مثل هذه الحالات بعد إجراء اختبارات لغوية وعقلية خاصة للطفل، ومن الأهمية أيضاً أن يكون التشخيص والعلاج مبكرين، فإن ذلك يسهم في تحسن حالة الطفل، ويمكن الطفل أن يتعلم القراءة و الكتابة بشكلٍ جيد إذا ما عولج بشكلٍ مبكر، ويقوم بالعلاج كوادر تعليمية مدربة على التعامل الخاص مع هذه الحالات وذلك من خلال مشاركة أكثر من حاسة واحدة خلال عملية تعليم الطفل، كالبصر والنطق واللمس معاً، وبعض الأطفال يتحسنون بالعلاج بمفردهم وآخرون بالعلاج الجماعي، وقد يحتاج البعض لمنهاجٍ خاص يعتمد على السمع أكثر مما يعتمد على القراءة من الأوراق وعلى الكتابة بواسطة الكومبيوتر أكثر من الاعتماد على الكتابة بالقلم، ريثما تتحسن حالة الطفل، ويحتاج الطفل بالضرورة إلى الدعم النفسي والتشجيع، لأن ذلك يساعده كثيراً في تحسن حالته».
أما عن برامج التعليم والتدريب في المركز، تقول النويس: «المركز يعتمد أحدث الأساليب العلمية في التشخيص والتعليم، وذلك يستند إلى تقييم دقيق للحالة من قبل كوادر متخصصة في طب التطور والنمو، ومؤهلة تأهيلاً عالياً، بهدف الوقوف على مواطن ونقاط القوة والضعف لكل طفل، ووضع خطة عمل ومنهج محدد لدعم الوالدين أو المعلمين، إلى جانب تحديد برنامج التدخل المبكر، وهو برنامج تعلُم مصمم خصيصاً للطلاب من ذوي صعوبات التعلم، ويتم وفقاً للتوصيات الواردة في «تقرير التقييم»، ويدير هذا البرنامج مجموعة من الخبراء من خلال جلسات فردية مع كل طالب على حدة، لفترة محددة من الوقت لا تقل عن ثلاثة أشهر، ويستخدم فيه التقنيات الموصى بها، وعادة ما تركز على القراءة والرياضيات، والكتابة، والتدقيق الإملائي أو النقاط الأخرى المحددة في تقرير التقييم».
قدرة الدماغ
تضيف الدكتورة علوبة: «الطفل الطبيعي عادة ما يمكنه الكلام ويتقن نطق الكلمات، وهو ما بين سنتين أو ثلاث من العمر، ويمكنه التحدث وفهم الجمل، ويكون الدماغ لديه قدرة على تفسير وفهم اللغة المنطوقة، أما بالنسبة للقراءة والكتابة، فهما مهارتان أكثر تعقيداً في الكيفية التي تعالجان بهما، لأن أدمغة «عسيري القراءة» تعتمد على مناطق دماغية مختلفة في عملية القراءة عن تلك التي تعتمدها أدمغة القراء العاديين. وهذه المناطق لدى هؤلاء غير متطورة بالشكل السليم والطبيعي لأسباب معينة في الدماغ، أي أن العمل يتركز في الدماغ لديهم في مناطق تتسم بتدني الكفاءة أقل من المستوى الطبيعي.
فعندما يشاهد الطفل كلمة «طائرة» مثلاً، من الطبيعي أن تنتقل صورة الكلمة إلى الدماغ، ومن ثم يطابق الدماغ الحروف بالأصوات التي تمثلها. ثم يجمع الدماغ مختلف الأصوات المنفصلة إلى صوت واحد. ومن خلال استخدام الذاكرة طويلة المدى، يقوم بوضع صورة ذهنية لتلك الكلمة حتى تأتي شكل كلمة «طائرة». ويجد المتضررون من عسر القراءة صعوبة بالغة في هذه العملية.
مشاكل التعلم
أما عن مشاكل التعلم التي تظهر لدى الأطفال الذين يعانون من «عسر القراءة والكتابة»، تقول النويس: «واحدة من أهم الدلائل عند الأطفال المصابين بالدسلكسيا هي صعوبة التحصيل العلمي في المدرسة، مع أنه يظهر عندهم نفس قدرات الطلبة الآخرين الذين ليس لديهم صعوبة في التحصيل العلمي، ويظهر عليهم أحيانا أن استيعابهم العلمي بطيء مقابل أوقات أخرى يظهرون بحالة لا بأس بها، كما أن الاختلاف في العمر يظهر مشاكل بطرق مختلفة. ولاشك أن هناك علاقة طردية قائمة بين اكتساب القراءة، وإتقان الكتابة والتهجئة الإملائية. وأن صعوبات الأولى ستنعكس حتماً على الثانية. فعادة يلاحظ أن الطفل ما بين الثالثة والسادسة، قد تأخر في النطق والكلام، ويجد صعوبة في التعامل مع الكلمات الطويلة والأرقام، ويلاحظ عليه عند النطق تبديل الحروف ليحل حرفاً مكان الآخر، كأن ينطق «مدرسة» بالقول «مردسة»، أو «مشتفسى» بدلاً من «مستشفى»، ويستعمل يده اليسرى بدلاً من اليمنى، وقد يختلف تركيزه بأحد الأعين عن الأخرى، وليس لديه مهارة استعمال الكلمات الموزونة، ويغلب استبدال كلمات وحروف مكان الأخري، ولا يستطيع تذكر ما تعلمه بالأمس، لأن الدماغ لديه لا يخزن ما تعلمه، وعند الكتابة فإنه يشطب كثيراً مما كتب، ويبذل مجهوداً في التذكر والتعلم، فعند نقل المكتوب على «السبورة» من السهولة أن تلاحظ المعلمة تكرار نقل الحروف أو الكلمات والأرقام، بل تجده في مادة الرياضيات يخلط ويعكس رقمي 2 وs، أو الخلط بين حرفي b وd أوتكرار واستمرار التبديل في الأرقام مثل 15 لرقم 51 أو «ج» بحرف «خ»، مع صعوبة تحديد الاتجاه يمينا أو يساراً، مع صعوبة التركيز والمتابعة، ونقص بعض المهارات الذاتية مثل «ربط الحذاء وإمساك الكرة أو رميها».

اقرأ أيضا