الاتحاد

دنيا

البعد الأخلاقي والديني للتقدم العلمي عند المسلمين

نفثت دعوة الإسلام الحافزة إلى العلم والمعرفة قوة دافعة في جسد هذه الأمة، فانطلق مارد الفكر فيها من عقاله، ليخرج للعالم ألواناً شتى من فنون المعرفة وصنوف الإبداع، مستلهماً قوته من نصوص الإسلام التي رفعت من شأن العقل، وأعلت من مكانته، وحثت في الوقت ذاته على تحصيل العلوم والمعارف، وإجالة النظر والخاطر في كون الله تعالى المسطور والمنشور ، فوجدنا في سبيل ذلك آيات الفكر والنظر والتي منها قول الحق سبحانه
« قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا «العنكبوت 20 . وقوله سبحانه « وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ « الذاريات 21. وقوله سبحانه « سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ « فصلت 53 . ووجدنا النبي صلى الله عليه وسلم يستيقظ ذات ليلة باكيا، فتسأله السيدة عائشة رضوان الله عليها عن سر بكائه، فيقول لها النبي صلى الله عليه وسلم « لقد أنزلت على آية ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها، ثم قرأ قول الله سبحانه «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُولِي الأَلْبَابِ *الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» آل عمران 190-191 .
فى ضوء ذلك أقول لقد اصطحب المسلمون تلك النصوص، واستوعبوها فهماً وتطبيقا، فجرت الحياة بهم في ضوء وعي حقيقي لتعاليم هذا الدين التي تنفث في روع أبناء هذه الأمة روح الإبداع، وروعة الابتكار، فها هو الفاروق عمر يوضح في وصيته الجامعة كيف أن عقول الأبناء أمانة لدى الآباء، ومن ثم ينبغي أن لا نقف بتربية هذه العقول عند حدود اليوم ، بل يجب أن نستشرف المستقبل فنعد هذه العقول للقيادة والريادة في عالم الغد.
يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه (لا تقفوا بأبنائكم عند علومكم فإنهم قد خلقوا لزمان غير زمانكم) . وفي سبيل ذلك وجدنا الخلفاء في الدولة الإسلامية ينفتحون بموضوعية على علوم ومعارف الأمم الأخرى ، ليقين أن من وعى التاريخ في قلبه فقد أضاف عمراً إلى عمره ، وأنه لا رقي ولا نهوض إلا إذا وثق الإنسان بذاتيته وقدراته، وفى الوقت ذاته ألم بمعارف وعلوم الآخرين . من أجل ذلك لم يجد الخليفة المأمون ضيراً من أن يشترط في الصلح مع أعدائه تزويده بما عندهم من كتب وإرث فكري كما حدث مع الإمبراطور البيزنطي ميخائيل الثالث ، ومع حاكم صقلية ، أضف إلى ذلك التفاعل الإيجابي مع الحضارات المجاورة حيث رسخ في ذهن المفكر المسلم أن الحضارة الإنسانية إنما هي بساط نسجته أيدي أمم كثيرة، موقنين أن قيمة كل أمة في ميزانها يساوى ما قدمته مطروحاً منه ما استفادته مما سبقها وجاورها من الحضارات والأمم ، وعلى هذا فلا يمارى إنسان أن الحضارة الإسلامية قد استفادت من الحضارات الأخرى ، بيد أن جهد علمائها لم يقف عند حد التلقي والاستفادة ، وإنما كانت كالنحلة التي تمثل الرحيق في نفسها ثم تخرجه شهداً مصفى يسر الناظرين ، ومن ثم طرز علماء الإسلام بساط الحضارة بأجمل الابتكارات، وصنوف المعارف والعلوم .
وفوق ذلك يعد ما قام به علماء الإسلام عملاً إنقاذياً للإرث المعرفي العالمي، ولئن قيل لقد أشعل المسلمون سراج معارفهم من زيت حضارات قد خلت ، فإنى أقول « هذا قول له صدقه ووجاهته ، بيد أنني أزيد عليه أن علماء الإسلام ما لبثوا أن أصبحوا سراجا وهاجا لذاته استضاء بنوره كافة الشعوب وسائر الأمم . ولقد انطلق المسلمون إلى هذا التقدم المعرفى في ضوء إطارين :
الأول : دعوة القرآن الكريم إلى الإبداع والابتكار وعمارة الكون والحياة ، كما قال الحق سبحانه «هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا» هود 61.
والثاني: خدمة البعد الأخلاقي والتشريعي في الإسلام ومن علامات ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل فكرة حفر الخندق في موقعة الأحزاب مع أنها فكرة فارسية، بيد أن ذلك أمر جديد على الإنسان العربى في الحروب والمعارك فطوعه النبي صلى الله عليه وسلم للدفاع عن المدينة ونصرة الدين . ووجدنا الخوارزمي وقد أسس علم الجبر ليحل به بعض المسائل الصعبة في قضايا الميراث. ووجدنا علماء الإسلام وقد نبغوا في علم (الحيل النافعة) مرتقين بذلك في الجانب التقني في الحضارة الإسلامية ، والاستفادة من ذلك في كل ما يخدم الدين والأخلاق حيث جعلوا الغاية من هذا العلم « الحصول على الفعل الكبير بجهد يسير ، ولعلهم يقصدون بذلك إحلال العقل محل القوة ، وإحلال الآلة محل البدن . ومما لا شك فيه أن هذه نزعة حضارية لدى الأمم التي أخذت على عاتقها أن تكون لها الريادة الحضارية في عالم اليوم ودنيا الناس ، ولعل هذا أشبه إلى حد كبير بما دعت إليه العولمة الآن في عملية (الأتمتة) والتي يكون للآلة دور كبير في توفير الجهد على الإنسان».
أضف إلى ذلك البعد الأخلاقي في الحضارة الإسلامية الذى قاد العقل المسلم ليأخذ بناصية الحضارة نحو الرقي والإبداع في المجال العلمي والتقني. ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك أن الأمم المجاورة للحضارة الإسلامية اعتمدت نظام السخرة في إنجاز أعمالها ، محملين طبقة العبيد ما ينوء به كاهلهم ، وما يعلو فوق طاقتهم، فأتى الإسلام فنظر إلى هذه الطبقة نظرة تقدير واحترام في ضوء قول الله سبحانه « وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً « الإسراء 70 . فنهى عن السخرة ، ومنع تكليف العامل مالا طاقة له به حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم «إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم ، فمن كان أخوه تحت يده فليلبسه مما يلبس ، وليؤكله مما يأكل ، ولا يكلفه من العمل مالا يطيق ، فإن كلفتموهم فأعينوهم » .
في ضوء هذا التشريع الإسلامي وما صحبه من أمر إلهي للعقل المسلم بضرورة عمارة الكون والحياة ، أدرك المفكر المسلم جانباً مهماً من جوانب حث التشريع الإسلامي على الإبداع والتقدم ، فبعد أن كانت غاية الأمم السابقة على الإسلام من علم الحيل تقف عند حد استعماله في التأثيرات الدينية والروحية على اتباع مذاهبهم، مثل استعمال تماثيل لها حركات دائرية وصوت معين بواسطة الكهان ، واستعمال الأرغون الموسيقى وغيره من الآلات الصوتية في المعابد.
هنا يأتي الإسلام ليؤكد على مباشرة الصلة بين الإنسان وربه دون حاجة إلى وسيط وشفيع أو حيل بصرية تضفى هالات القداسة على الإله المعبود ، وأصبح في الحضارة الإسلامية استعمال الآلات المتحركة (الميكانيكا) هدفاً لمساعدة الإنسان، وإنجاز المهام الشاقة بالنسبة له في الحياة من رفع الأحجار ، وبناء القناطر والمساجد والمآذن والسدود . أضف إلى ذلك أن عالماً كبديع الزمان أبي العز إسماعيل بن الرزاز الجزري، الذي عاش في القرن السادس للهجرة؛ يعد أول من اكتشف الإنسان الآلى بغرض الخدمة في المنزل ، إذ طلب منه الخليفة العباسي آنذاك أن يصنع له آلة تغنيه عن الخدم كلما رغب في الوضوء للصلاة ، فصنع له الجزرى آلة على هيئة غلام ، منتصب القامة ، في يديه إبريق ماء ، وفي اليد الأخرى منشفة ، وعلى عمامته يقف طائر فإذا حان موعد الصلاة يخرج الطائر صفيراً ، فيتقدم الخادم نحو الملك ويصب الماء من الإبريق بمقدار معين ، فإذا انتهى من وضوئه قدم له المنشفة ، ثم يعود إلى مكانه والعصفور ما زال يغرد.

د. محمد عبد الرحيم البيومي
كلية الشريعة والقانون - جامعة الإمارات

اقرأ أيضا