الاتحاد

الإمارات

زمن بوتين.. منطق "الأوراسيّة" مقابل "الأطلسية"

غلاف الكتاب

غلاف الكتاب

عرض: طه حسيب

«أكبر كارثة جيوسياسية حدثت في القرن العشرين هي انهيار الاتحاد السوفييتي.. من لم يحزن على انهيار الاتحاد السوفييتي لا قلب له.. ومن يريد إعادته بحلته السابقة لا عقل له»، كلمات قالها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وجعلها الدكتور وسيم خليل قلعجية مقدمة للفصل الأول من كتابه «روسيا الأوراسية.. زمن الرئيس فلاديمير بوتين».
الكتاب وصفه سيرجي لافروف، وزير خارجية روسيا الاتحادية، بـ«أنه محاولة لسبر أغوار الفترة الأخيرة من تاريخ روسيا القريب»، ويوضح «لافروف» في تقديمه لمتن الكتاب أن روسيا مهتمة بتوسيع علاقاتها المثمرة مع العالم العربي ودعم شعوب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في سعيهم إلى الازدهار وإلى حياة أفضل، عبر تجاوز الخلافات والانقسامات الداخلية ومكافحة التطرف والإرهاب. عودة روسيا الاتحادية بقوة إلى ساحة الصراع الدولي أحدث تغيراً كبيراً في توازن القوى على الصعيد العالمي.
وهذه المرة يترسخ الصعود الروسي عبر رؤية واقعية متحررة من البعد العقائدي، أي لا تحكمها أيديولوجية مثلما كانت الحال إبان الحقبة السوفييتية. أبرز ملامح هذه العودة، تتمثل في الرئيس فلاديمير بوتين الذي يصنع القرار الروسي منذ توليه مقاليد الحكم عام 2000، فرؤية بوتين تجاه العلاقات الروسية- الأميركية وتجاه العلاقات بين موسكو والغرب عموماً تختلف عن سابقيه، ويبدو أنه ينطلق من وعي إصرار الولايات المتحدة على التعامل بمنطق المنتصر في الحرب الباردة وأن روسيا هي المنهزمة.

التعامل بندية مع الولايات المتحدة الأميركية أسلوب واضح انتهجه بوتين في أزمات مرت بها روسيا الاتحادية، ساعياً لتغيير نظرة واشنطن لبلاده، وطامحاً لفرض علاقات متكافئة تضمن احترام أمن روسيا ومصالحها.
بوتين- حسبما يراه وسيم قلعجية في مقدمة الفصول الثمانية لكتابه، يعتبر المنطقة الأوراسيّة جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي والمصالح الوطنية الروسية، التي لا يمكن التهاون فيها، وللحفاظ على هذه المصالح ينتهج بوتين ثلاث سياسات، أولاها تدشين نظام إقليمي جديد بديل عن الاتحاد السوفييتي السابق تحت مسمى «الاتحاد الأوراسي» بقيادة روسيا وعضوية مجموعة من الجمهوريات السوفييتية السابقة (روسيا البيضاء وكازاخستان) في مواجهة الاتحاد الأوروبي. وثانيها، التصدي لمساعي تطويق روسيا، وذلك بالتدخل العسكري المباشر، في الدول التي يحاول الغرب استقطابها، مثلما حدث في جورجيا وأوكرانيا. أما البعد الثالث فيتمثل في البحث عن التوازن في مواجهة الغرب خارج النطاق الإقليمي لروسيا الاتحادية، وفي مناطق مثل الشرق الأوسط والشرق الأقصى، أملاً في وضع حد لسيطرة الغرب على النظام الدولي، وتحويل هذا الأخير إلى نظام متعدد الأقطاب.

السقوط ضار أم نافع؟
في الفصل الأول والمعنون بـ«روسيا الاتحادية في عالم ما بعد الاتحاد السوفييتي»، يطرح قلعجية تساؤلاً مؤداه: هل كان سقوط الاتحاد السوفييتي يوم 26 ديسمبر 1991 ضاراً؟ الإجابة يحددها استطلاع أجرته مؤسسة «جالوب»، بمناسبة مرور 22 عاماً على تفكك الاتحاد السوفييتي، وكان نتيجته أن أغلبية في 7 جمهوريات من أصل 11 جمهورية سوفييتية سابقة يعتقدون أن ضرر انهيار الاتحاد السوفييتي كان أكبر من نفعه على بلادهم. وإذا كان الانهيار حدثاً اعتبره كثيرون نهاية فعلية لحقبة الحرب الباردة، فإن الأمور لم تمض على هذا النحو، فسرعان ما تبخر وقع عبارة مفادها (بأن الحرب الباردة قد انتهت) التي أطلقها الرئيس جورج بوش الابن يوم 5 أبريل 2008 أثناء لقائه نظيره الروسي فلاديمير بوتين بمنتجع سوتشي على البحر الأسود، فبعدها بأربعة أشهر تقريباً، في أغسطس 2008، بدأ النزاع العسكري في أسويتا الجنوبية، ووقعت مواجهة عسكرية بين روسيا وجورجيا، لتعود أجواء الحرب الباردة من جديد.

البداية من «ميونيخ»
وبعبارة «عودة روسيا إلى ساحة الصراع الدولي» يعنون قلعجية الفصل الثاني، مؤكداً أن بوتين كرّس تحولاً واضحاً في سياسة موسكو الخارجية بطريقة واضحة ظهرت خلال خطاب أدلى به أمام مؤتمر ميونيخ للأمن في 10 فبراير 2007، وقتها انتقد بوتين «الهيمنة الاحتكارية الأميركية» على السياسة الدولية، وانتقد أيضاً ميل الولايات المتحدة الأميركية للاستخدام المفرط للقوة العسكرية، قائلاً: «في ظل هذه الظروف لا أحد يشعر بالأمن مما يغذي سباق التسلح». وتضمن خطابه رفضاً لعملية توسيع «الناتو» معتبرها لا تضيف لأمن أوروبا وليس لها علاقة بتحديث الحلف.

المراحل السياسية الثلاث
ويعكس المؤلف رؤية روسيا الاتحادية نحو بناء عالم متعدد الأقطاب، تصبح فيه موسكو صاحبة نفوذ على الساحة السياسية الدولية من دون أن تخوض مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة الأميركية.
ويحدد قلعجية مراحل ثلاث مرت بها روسيا في عهد بوتين، الأولى يسميها بمرحلة إعادة البناء «عقيدة استعادة الدولة»، وتزامنت مع الرئاسة الأولى 2000-2004، آنذاك كانت له عبارة يقول فيها: «الديمقراطية هي ديكتاتورية القانون وكلما ازدادت الدولة قوة شعر المواطن بأنه حر»، و«الدولة القوية الفاعلة وحدها تستطيع ضمان حرية المبادرة وحرية الفرد والمجتمع»، وهذه الفترة كانت أقرب إلى استعادة وحدة الدولة القومية القوية ومتانتها في مختلف جوانبها السياسية والاقتصادية والعسكرية.
وتأتي المرحلة الثانية (2005-2009) التي يصفها المؤلف بـ«عقيدة فرض الاحترام»، أو مرحلة بناء القوة العسكرية العابرة للقارات، وشهدت تحديثاً للقوة العسكرية الروسية، والانتقال من الموقف الدفاعي إلى المواجهة، وتجهيز الجيش بعتاد قادر على مواجهة حلف شمال الأطلسي، بما في ذلك العتاد النووي، والوقوف بحزم ضد أي تمرد من الجمهوريات السوفييتية السابقة، والتعامل الصارم مع أي توسيع للناتو، والتحالف مع قوى تشترك مع موسكو في مخاوفها تجاه الغرب مثل الصين.

«فرض التوازن الاستراتيجي»
أما المرحلة الثالثة الممتدة من 2010 إلى 2015، والتي يسميها المؤلف «عقيدة فرض التوازن الاستراتيجي»، فهدفها الأساس تأكيد المكانة العالمية لروسيا الاتحادية، عقيدة حاول سكرتير مجلس الأمن الروسي نيكولاي باتروشيف تبريرها خريف عام 2009 كرد فعل على استراتيجية الأمن القومي الأميركي التي استبعدت موسكو من قائمة حلفاء وأصدقاء واشنطن في الحرب على الإرهاب، علماً بأن روسيا كانت في قائمة الحلفاء في استراتيجية الولايات المتحدة عام 2002.
وفي هذه المرحلة أيضاً تبنت روسيا خيارات عسكرية استثنائية، مثل توجيه ضربات نووية استباقية، وهو ما ينسجم مع عقيدة فرض التوازن الاستراتيجي، كما أن العقيدة العسكرية الجديدة تتيح استخدام القوة العسكرية خارج نطاق روسيا الاتحادية، علماً بأن روسيا وسعت مناطقها الحدودية الغربية من خمسة كيلو مترات إلى خمسة عشر كيلو متراً، ما يعني العودة إلى حدود الحقبة السوفييتية، ما أثار حفيظة دول أوروبا الشرقية المتاخمة لروسيا الاتحادية وكذلك الولايات المتحدة، وكلها خطوات الهدف منها إعادة التأكيد على مكانة روسيا الاتحادية في القرن الحادي والعشرين.

أهمية آسيا الوسطى
ويركز قلعجية في الفصل الثالث على أهمية آسيا الوسطى والقوقاز في السياسة الروسية، والسبب يعود إلى غناها بالنفط والمعادن النادرة، وتعد ممراً لخطوط نقل إمدادات الطاقة، وفي الوقت ذاته سوق تجارية مهمة وسوق لاستيراد السلاح، لكون دولها تعيد بناء جيوشها، وتضم منطقة آسيا الوسطى خمس دول: أوزبكستان (أكبر منتج للقطن في العالم، رابع أكبر احتياطي عالمي من الذهب، وعاشر أكبر احتياطي من النحاس)، وكازاخستان (لديها ربع احتياطي العالم من اليورانيوم)، وقيرغيزستان وطاجكستان وتركمانستان (تمتلك رابع احتياطي في العالم من الغاز الطبيعي)، ومنطقة القوقاز التي تمتد من بحر قزوين شرقاً إلى البحر الأسود غرباً، وتضم روسيا الاتحادية وجورجيا وأذربيجان وأرمينيا، وهذه الدول تتنافس عليها روسيا الاتحادية والولايات المتحدة والصين. وحرصت روسيا على تكوين تجمع يضم الدول السلافية الثلاث (روسيا وأوكرانيا وروسيا البيضاء)، واتسع التجمع ليضم 12 جمهورية من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، لكن تراجع الدور الروسي في آسيا الوسطى تاركاً الساحة للولايات المتحدة التي سارعت إلى تأسيس علاقات رسمية مع هذه الدول، التي تزايدت أهمية بعد الاحتلال الأميركي- الأطلسي لأفغانستان بعد أحداث سبتمبر 2001. ولتصحيح الوضع اتجهت روسيا لتقوية علاقاتها مع دول آسيا الوسطى من خلال التعاون في محاربة الإرهاب، وتوقيع معاهدات دفاع مشترك، والتنسيق الأمني من خلال منظمة شنغهاي.

مشروع أوراسيا الجديدة
وإذا كان الفصل الرابع يتحدث عن العقيدة العسكرية الروسية، يركز الفصل الخامس على منطق «الأوراسية» مقابل الأطلسية، مشيراً إلى أن مشروع أوراسيا الجديدة (الاتحاد الأورو- آسيوي) يشكل المنظومة السياسية- الاقتصادي- العسكرية التي يتكون منها جوهر مشروع فلاديمير بوتين في بناء روسيا القوية، هذا المشروع يبدأ بربط روسيا وكازاخستان وروسيا البيضاء، إضافة إلى أوكرانيا التي يقول الدكتور قلعجية إن عملية استعادة نفوذ روسيا التاريخي فيها بدأت بضم شبه جزيرة القرم إلى الاتحاد الروسي.
حدود (أوراسيا)- أي قارتي أوروبا وآسيا- التي تمتد غرباً حتى حدود أوروبا الغربية على المحيط الأطلسي، وشرقاً حتى شواطئ الصين وروسيا على المحيط الهادئ، في نطاق يضم 75 في المئة من سكان العالم، وبه ثلثا الناتج العالمي، وثلاثة أرباع مصادر الطاقة العالمية.
ويشير قلعجية إلى أن منطقة (أوراسيا) هي مكمن التحدي السياسي والاقتصادي للسيادة على العالم، خاصة إذا تم جمع أطرافها معاً، فبها أنهار تمتد بطول 10 ملايين كيلو متر توفر 3 آلاف مليار متر مكعب من المياه سنوياً، ما يفسح المجال أمام الزراعة والأمن الغذائي لكسر الاحتكار الأميركي للقمح، وتضم هذه المنطقة الدول الست التي تلي الولايات المتحدة من حيث ضخامة الاقتصاد وحجم الإنفاق على التسليح. وخصص المؤلف الفصل الثامن لأبعاد التدخل العسكري في سوريا، لكونه انتقالاً من التحرك في المحيط الروسي إلى التدخل خارج هذا النطاق، ما يؤكد عودة الدور الروسي كقوة عظمى تطمح إلى التوازن مع الغرب. ويبدو أن الدور المتصاعد لموسكو ينسجم مع عبارة لبوتين التي قال فيها: «روسيا الاتحادية صاحبة مسؤولية تاريخية في عالم غير مستقر يزداد تناقضاً واضطراباً، وفي هذه الظروف تتعاظم المسؤولية التاريخية لروسيا الاتحادية».

بوتين.. الأوراسي
في أكتوبر 2000، أعلن بوتين أن روسيا دولة أوراسيّة.. تعبير يحمل مضامين اجتماعية وسياسية واقتصادية، فبالإضافة إلى أوروبا الشرقية كمحيط مباشر لروسيا الاتحادية، فإن العقيدة العسكرية الروسية تعتمد على الامتداد الآسيوي، لأن الجزء الأكبر من وسط وشرق روسيا يقع في القارة الآسيوية.

الكتاب: روسيا الأوراسية.. زمن الرئيس فلاديمير بوتين
المؤلف : د. وسيم خليل قلعجية - باحث متخصص في الشؤون الروسية، وعضو مجموعة (الرؤية الاستراتيجية روسيا - العالم الإسلامي)، ومقرها موسكو.
الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون
تاريخ النشر: يناير 2017

اقرأ أيضا