الاتحاد

دنيا

«المبارك» كثير المنافع والخيرات في الدنيا والآخرة

القرآن الكريم كتاب مبارك أنزله الله للناس ليتفكروا في آياته

القرآن الكريم كتاب مبارك أنزله الله للناس ليتفكروا في آياته

قال العلامة الإمام النسفي إن «المبارك» هو كثير المنافع والفوائد والخيرات، والقرآن الكريم كتاب مبارك أنزله الله سبحانه وتعالى للناس ليتفكروا في آياته فيقفوا على ما فيه ويعملوا به وليتعظ به أولو العقول، وذهب العلماء إلى أن «المبارك» اسم أو صفة القرآن، ورد في العديد من الآيات البينات منها قوله تعالى: «وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون» سورة الأنعام - الآية 92، وقوله سبحانه: «كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب» سورة ص - الآية 29 ، وقوله تعالى «وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون» الأنعام - الآية 155، وكذلك قوله جل جلاله: «وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون» سورة الأنبياء - الآية 50.

قال السيوطي إن «المبارك» اسم من أسماء القرآن وقال القرطبي نعت للقرآن الكريم، أي أنه كثير الخيرات، وقال ابن كثير فيه الدعوة للاتباع ويرغّب سبحانه وتعالى عباده في كتابه ويأمرهم بتدبره والعمل به والدعوة إليه ووصفه بالبركة لمن اتبعه وعمل به في الدنيا والآخرة، وهو مبارك لأنه يرشد إلى المقاصد الصحيحة والمآخذ العقلية الصريحة.
وقال المفسرون في تفسير هذه الآيات، إن هذا القرآن كتاب أنزله الله سبحانه وتعالى، كثير الخير، باق إلى يوم القيامة، مصدق لما تقدمه من الكتب المنزلة، مخبر عن نزولها، لتبشر به المؤمنين وتخوف الكفار من أهل مكة ومن حولها في جميع أنحاء الأرض من غضب الله إذا لم يذعنوا له، والذين يصدقون بيوم الجزاء يحملهم رجاء الثواب والخوف من العقاب على الإيمان به، وهم لذلك يحافظون على أداء صلاتهم كاملة مستوفاة، وهذا القرآن المبارك مشتمل على الخير الإلهي والمنافع الدينية والدنيوية، فاتبعوه واتقوا مخالفته، ليرحمكم ربكم، فقد جاءكم من ربكم علامة واضحة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم، ليبين لكم جميع ما تحتاجون إليه في دينكم ودنياكم، وهو هاد إلى الطريق السوي، ورحمة لكم باتباعه، ولا يكون أحد أظلم ممن كذب بآيات الله التي أنزلها في كتبه، وهذا الكتاب كثير النفع ليتعمقوا في فهم آياته وليتعظ به أصحاب العقول الصحيحة والبصائر النيرة.

ثمرة المعرفة
والأمر الرائع في أول القرآن نزولا هو هذا الخطاب الإلهي السامي المتضمن لطلب القراءة من النبي صلى الله عليه وسلم، ولفت نظره إلى التفكير في خلق الإنسان والإشادة بالعلم، مما يدل على أن خاصية الدعوة الإسلامية هي المعرفة التي قد تأتي في أول الواجبات، وهذا يرشدنا إلى أن ثمرة المعرفة هي التقوى التي تعني حسن السلوك ومحاسن النفس، فالعلم في الإسلام غاية في ذاته، ولكنه وسيلة إلى تزكية النفس ونفع العباد والقرآن معجزة الإسلام الباقية على مر الزمن، تقيم الحجة على البشر وتؤيد دعوته ومازال قائما بالحجة، ناهضا بالدليل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ففي كل عصر وفي كل جيل يقوم القرآن بالمهمة التي كانت تقوم بها المعجزة المحسوسة لتصديق الرسل السابقين، لكنه معجزة معقولة تخاطب الضمير والوجدان، وتحفز الإنسان على تحكيم عقله.
ومن أعظم مقاصد هذا القرآن المبارك أنه شرع للناس ما ينظمون به أحوالهم المعاشية ويضبطون به أمور الحياة الدنيا بقوانين وأحكام صانت مصالح الفرد والجماعة، وحمت حقوق الناس جملة وتفصيلا، وكان رائدها تحقيق العدالة الاجتماعية والحرص على المساواة بين عباد الله، فأقامت للإنسان ميزان التقوى والاستقامة، وهكذا هدى القرآن البشر من الضلال، وأنار لهم سبيل الحياة الراضية المرضية في الدنيا والآخرة، فأي خير عظيم هذا الذي أنزل في ليلة القدر ليحقق سعادة لا شقاء بعدها أبداً؟ هو كتاب الهداية الربانية الكبرى، أنهى الله سبحانه وتعالى إليه كل تشريع حكيم، ويحقق به سعادتي الدنيا والآخرة، لأنه التشريع العام الخالد الذي تكفل بجميع ما يحتاج إليه البشر في أمور دينهم ودنياهم، في العقائد والأخلاق، والعبادات والمعاملات والحدود والعلاقات، فمنه استمد العرب علومهم ومعارفهم، فما من علم من علومهم إلا وله في القرآن سبب، وله منه مورد ومدد ولو أن المسلمين استفادوا بما في هذا الكتاب العظيم من توجيهات وإرشادات لكانوا أسبق الأمم إلى الكشوف العلمية والاختراع والإبداع ولصاروا سادة الدنيا وأضحى بيدهم زمام الأمور.
والقرآن المبارك هو الكتاب الذي صلحت به الدنيا، وحول مجرى التاريخ إلى وجهة الهدى والعدل والحق والخير وأقام أمة مضرب الأمثال في الإيمان والإخاء والعدل والرحمة والاتحاد والمحبة وصّبر من أبناء الصحراء خلفاء عادلين رحماء وعلماء حكماء وسادة قادة عقمت الدنيا أن تجود بأمثالهم وسيظل العمود الفقري لهذه الأمة فيه عزتها ومنه مكانتها وعليه تقوم نهضتها وتزدهر حضارتها وعرف السابقون فضله فأحاطوه بعنايتهم وجعلوه نبراسا في حياتهم فالقرآن هو النبع الفياض الذي ترتوي به الحياة فتربو وتهتز وتثمر.

النماء والزيادة
ويقول الدكتور خمساوي أحمد الأستاذ بجامعة الأزهر في كتابه «أسماء القرآن الكريم في القرآن» حول معنى اسم «المبارك» لكتاب الله أن البركة هي النماء والزيادة يسببها سبحانه بلا سبب معهود، وفي البركة تحقق الغاية وفي النماء والزيادة يتحقق النمو في الزاد، والقرآن الكريم مبارك في عدة وجوه منها بركة الأجر في تلاوته، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف ولكن الألف حرف واللام حرف والميم حرف»، وبركة الخير فهو شافع ومشفع وكما ورد عن رب العزة في الحديث القدسي «من شغلته قراءة القرآن عن مسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين».
وبركة القرآن بما جاء فيه من علم وإعجاز وآيات وعظات لا تنقطع إلى يوم القيامة، فكلما علم منه علم وأخذت منه موعظة، تجدد معها علم جديد وموعظة جديدة، سواء للعالم عندما يدرسه أو للأجيال المتعاقبة عندما تتدارسه.
والمعنى القويم والدائم للقرآن الكريم أنه كتاب الله المنير والحكيم والخالد الذي يحمل علوم الدين وأحكامه وأخلاقه ولغته وفيه كل مقومات التوجيه السليم لعلوم الدنيا في شتى مجالاتها، حتى لا تتناقض مع علوم الدين التي لها منزلة السيادة والقيادة، والتوجيه والتصويب في حياة المسلمين، وهو مصدر مناهج التنشئة والتربية والإرشاد للمجتمع.

اقرأ أيضا