الاتحاد

دنيا

الفلسطينيون متمسكون بأرضهم المباركة

تتعرض فلسطين عامة ومدينة القدس بصفة خاصة لهجمة إسرائيلية شرسة تهدف إلى تزييف الحضارة وتغيير التاريخ، حيث وافقت الحكومة الإسرائيلية على خطة لترميم عدد من المواقع الأثرية والتاريخية العربية بعد أن اعتبرتها إرثاً يهودياً، كما تنوي بلدية الاحتلال في المدينة المقدسة إقامة حي استيطاني على الأراضي الفلسطينية المصادرة في حي صور باهر، حيث يتكون هذا المشروع من خمس عمارات سكنية تضم مائة وثمانين شقة، وقد تم رصد الميزانيات اللازمة لذلك.
إن هذا المخطط الجديد هو حلقة من حلقات الاعتداءات الإسرائيلية على مدينة القدس والمسجد الأقصى المبارك، حيث تقوم سلطات الاحتلال الإسرائيلي يومياً بمصادرة الأراضي وهدم البيوت وطرد السكان المقدسيين وسحب هوياتهم، كما أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تعمد إلى خطة استيطانية لتزييف المشهد الحضاري والتاريخي في المدينة المقدسة وسائر الأراضي الفلسطينية، كما أنها تقوم في نفس الوقت بخطة استيطانية موازية على الأرض بإقامة آلاف الوحدات الاستيطانية لليهود في محاولة لتزييف المشهد الديموغرافي بالمدينة المقدسة لصالح اليهود.
إن الحملة العدوانية الإسرائيلية ضد مدينة القدس والمقدسات مستمرة، حيث تقوم بعض المجموعات الإسرائيلية بوضع مجسم للهيكل المزعوم على سور المدينة المقدسة بجانب باب الساهرة، بالإضافة لرفع أعلام على السور في محاولة لتغيير واقعه التاريخي، مع العلم أن السور وقف إسلامي تم بناؤه في عهد السلطان سليمان القانوني العثماني.
ومن المعلوم أن فلسطين أرض مباركة، فهي لم تذكر في القرآن الكريم إلا بالأرض المباركة، ولا يمكن أن تذكر إلا ومعها ذكر الأنبياء والمرسلين، وعندما ذكر المسجد الأقصى اقترن به قوله تعالى: «الذي باركنا حوله» كما جاء في صدر سورة الإسراء في قول الله عز وجل: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (سورة الإسراء، الآية 1)، فلم يقل الذي باركنا فيه ولكن قال «الذي باركنا حوله» لكي يشمل فلسطين كلها، وليلفت أنظارنا إلى أن البركة ليست في هذا المكان فقط، بل العبرة بكل ما يحيط به، فالأرض مباركة والمسجد مبارك، وعندما نتأمل قوله تعالى في قصة موسى- عليه الصلاة والسلام - مع قومه: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ}(سورة المائدة، الآية21)، فقد سماها الله عز وجل الأرض المقدسة، وكذلك مع سليمان- عليه الصلاة والسلام -: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ} (سورة الأنبياء، الآية81) فقد سماها الله بلفظ البركة، ومع الخليل إبراهيم- عليه الصلاة والسلام-: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} (سورة الأنبياء، الآية71).
يقول العلماء إن نفخة الحشر تبدأ من هذه الأرض، فقد ورد في كثير من كتب التفسير بأن هذه النفخة تبدأ من فلسطين ومن عند المسجد الأقصى، لقول الله تعالى: {وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ}( سورة ق، الآية41)، حيث ورد في كتب التفسير أن المنادي هو إسرافيل عليه السلام، ينادي من صخرة بيت المقدس وهي أقرب موضع من الأرض إلى السماء «أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعــة إن الله تعالى يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء» (تفسير القرآن العظيم لابن كثير جـ4ص 294).
وليس أدل على أن هذه الأرض مباركة إلى يوم القيامة، إلا صلة أنبياء الله بالمسجد الأقصى وبيت المقدس بفلسطين، حيث جعل الله سبحانه وتعالى كل نبي من الأنبياء يتحرك إلى هذه الأرض المباركة، فالأرض أرض الأنبياء، وأرض الدين، وأرض الصلة بالله تعالى من آدم حتى قيام الساعة.
وقد يظن البعض بأن أهل فلسطين لم يحافظوا على هذه الأرض المباركة، ولم يدافعوا عن وطنهم أثناء حرب فلسطين، وخلال عهد الانتداب البريطاني، وأنهم قد فرطوا فيه، لذلك فإن الواجب على كل باحث وكل طالب علم حريص على دقائق قضيته وحقائقها من عبث العابثين وكيد الكائدين وإرجاف المرجفين، أن يتصدى لهذه الإشاعات، لأن هؤلاء قد زيفوا الحقائق واختلقوا الأكاذيب، محاولين تضليل الرأي العام، وأقولها بصراحة إنه من سوء الحظ أن لقيت هذه الأكاذيب والأضاليل نجاحاً ورواجاً بعض الوقت وذلك أول سنيّ الكارثة والهجرة الفلسطينية، وكان من الواجب على الجميع ضرورة التأمل والتدقيق في تلك الإشاعات قبل تصديقها ونشرها كما في قوله تعالى: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ منَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ } (سورة النساء، الآية 83) - لذلك كان لزاماً عليّ أن أدحض هذه الافتراءات، وأقول إن الفلسطينيين لم يفرطوا في وطنهم، فقد دافعوا عنه أشرف دفاع، ويتجلى ذلك من خلال المواقف المشرفة للمجلس الإسلامي الأعلى في فلسطين برئاسة سماحة السيد محمد أمين الحسيني مفتي فلسطين، حيث وقف المجلس سداً منيعاً أمام الأطماع الإسرائيلية في أرض فلسطين، وكذلك من خلال وقفية المحسنة المرحومة أمينة بدر الخالدي في القدس، وكذلك وقفية المحسنتين عائشة إبراهيم أبو خضرة في غزة، وابنتها مكرم سليم أبو خضرة، والموقف المشرف للهيئة الإسلامية العليا في القدس بعد حرب حزيران سنة 1967م، وكذلك الموقف البطولي للمرأة المقدسية المرابطة المعروفة بأم كامل الكرد- حفظها الله تعالى - وغير ذلك كثير. وقد اشتملت هذه المواقف، والوقفيات المذكورة على بيانات ومعلومات دقيقة ذات شأن عظيم، وحقائق دامغة تدحض التهم الكاذبة، وتنفي الشكوك وأخبار السوء التي حاولت الدعايات الكاذبة والأراجيف اليهودية المضللة إلصاقها بأهل فلسطين من مجاهدين ومرابطين.
ولم يكن هذا الحب لفلسطين والدفاع عن مقدساتها مقصوراً على أهل فلسطين وحدهم، بل شاطرتهم الأمتان العربية والإسلامية في ذلك، وما موقف السلطان عبد الحميد الثاني عنا ببعيد، حيث حاولت الحركة الصهيونية الاتصال به لإقناعه بفتح باب الهجرة لليهود إلى فلسطين، مستغلين الضائقة المالية الشديدة للدولة العثمانية، حيث وعدوا بتقديم (150) مائة وخمسين مليون ليرة إنجليزية ذهباً، ولكن السلطان عبد الحميد الثاني رفض كل هذه الإغراءات المالية ورد عليهم بقوله: (انصحوا الدكتور هرتزل بألا يتخذ خطوات جديدة في هذا الموضوع، إني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من الأرض، فهي ليست ملك يميني بل ملك شعبي، لقد قاتل شعبي في سبيل هذه الأرض ورواها بدمه، فليحتفظ اليهود بملايينهم، إذ مزقت إمبراطوريتي فلعلهم يستطيعون آنذاك بأن يأخذوا فلسطين بلا ثمن، ولكن يجب أن يبدأ ذلك التمزيق أولاً في جثثنا، وإني لا أستطيع الموافقة على تشريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة). ونتيجة لهذا الموقف المشرف، ورفض السلطان عبد الحميد الثاني إعطاء أي موافقة رسمية لاستيطان اليهود في فلسطين، فقد عمدوا إلى التآمر على حياته، والاتفاق على خلعه. هذا الموقف المشرف يسجل بمداد من نور للسلطان عبد الحميد الثاني العثماني، الذي رفض كل الإغراءات والتهديدات، كما أصدر- رحمه الله- أمراً يحرم فيه على اليهود شراء الأراضي في فلسطين، ومن المعلوم أن السلطان عبد الحميد قد دفع عرشه ثمناً لهذا الموقف المشرف، وهذا هو موقف كل العرب والمسلمين.
إن للباطل جولة ثم يضمحل، {وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} (سورة آل عمران، الآية 140)، {ما كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ}(سورة آل عمران، الآية 179)، كما أن دفاع الشعب الفلسطيني عن وطنه الغالي فلسطين لا يخفى على القاصي والداني، وما الانتفاضات والمواقف الشعبية المشرفة التي قامت في فلسطين إلا دليل واضح على ذلك، فالشعب الفلسطيني عندما يدافع عن وطنه، فإنه لا يدافع عن فلسطين فحسب، إنما يدافع عن كرامة الأمتين العربية والإسلامية.
وإن الحقائق والأمثلة التي ذكرت آنفاً من مواقف ووقفيات ما هي إلا غيض من فيض تظهر بجلاء مدى ارتباط الفلسطينيين بوطنهم، وحبهم له، وتمسكهم بدينهم وأرضهم، ودفاعهم عن مقدساتهم، ففي الوقت الذي تكالبت فيه أيدي البغي والعدوان على أرضنا ومقدساتنا في فلسطين الحبيبة، وفي ظل الأجواء الضاغطة عاش أبناء الشعب الفلسطيني المعاناة مزدوجة، احتلال بريطاني، وأطماع صهيونية، وظروف اقتصادية سيئة فرضتها السياسة البريطانية لتحقيق ما تنشده ضمن إطار التحالف البريطاني الصهيوني، في هذا الوقت العصيب برزت مواقف مشرفة للفلسطينيين الذين أخلصوا لدينهم ووطنهم، فرفضوا كل الإغراءات الدنيوية الزائلة، وقرروا العمل بقدر إمكاناتهم المحدودة في سبيل الحفاظ على الأرض وصونها من الدنس وتعرضها لإغراءات البيع والشراء، وعملوا على وقفها لصالح المسلمين وللخير العام، فهذه صور مشرفة من أبناء شعبنا أقدمها للأمتين العربية والإسلامية لعلها تكون قدوة صالحة لجيل مكافح أبي، يعمل لحفظ أرضه وترابه بكل إمكاناته.



الشيخ الدكتور يوسف جمعة سلامة
خطيـب المسـجد الأقصـى المبـارك
www.yousefsalama.com

اقرأ أيضا