الاتحاد

الملحق الثقافي

السينما السعودية.. تلامس الحلم

مشهد من فيلم «ماري شيلي» للمخرجة السعودية هيفاء المنصور

مشهد من فيلم «ماري شيلي» للمخرجة السعودية هيفاء المنصور

أدّت الظروف الجيوسياسية والتحولات الكبرى بين الحربين العالميتين وما بعدهما، إلى ظهور البوادر السينمائية الأولى بالمملكة العربية السعودية، وهي ظروف هيأت أيضاً ـ فيما يشبه التقاطع التاريخي ـ لظهور الشكل السينمائي المبكر في دولة الإمارات قبل توحدها واستقلالها.

نتحدث هنا عن الفترة التي سبقت الخمسينيات من القرن الماضي، حيث كان لشركة آرامكو النفطية بالمملكة دور ملحوظ في ولادة طقس الفرجة السينمائية، واطلاع عدد من السعوديين العاملين في الشركة على الأفلام التي اصطحبها الموظفون الأميركيون والأجانب معهم، كان لهذه الصدمة الثقافية دورها الإيجابي في تلك الفترة من أجل الانفتاح على أنماط عرض مغايرة، باتت تضخّ دهشتها وطابعها المتنوع داخل مجتمع تقليدي، يبحث عن منافذ جديدة للاتصال مع العالم، ويسعى كذلك للتعرف إلى أفق إنساني وتعبيري يتجاوز الحدود الضيقة للمكان الواحد، والفكر الثابت.
الصدمة الإيجابية هذه خبرها وتفاعل معها أيضاً عدد من أهالي وسكان الإمارات بعد الحرب العالمية الثانية، عندما كان الضباط الإنجليز يعرضون أفلامهم في القاعدة الجوية الملكية بالشارقة (Royal Air Force)، ويسمحون للعاملين المحليين في المحطة برؤية هذه الأفلام على الشاشة المفتوحة في الهواء الطلق، ما ساهم في تعرّف هؤلاء الأهالي البسطاء على وافد بصري وعجائبي جديد لم يألفوه من قبل.

مقياس متفاوت
وبرغم وجود هذا التقاطع التاريخي بين المكانين إلا أن مقياس النمو والاستمرارية، ثم مقياس التراجع والانكفاء، أصبح مقياساً متفاوتاً بشدة، اعتماداً على ما طرأ من أحداث اجتماعية وثقافية، أثّرت بالسلب هناك وبالإيجاب هنا، ما خلق بوناً شاسعاً في التعاطي مع السينما أفقياً وعمودياً، وإنتاجاً وتلقياً، خصوصا في بداية الثمانينيات ووصولاً إلى ما قبل سنوات عدة من اليوم.
ومع ذلك لابد أن نستعيد بعضاً من المظاهر السينمائية المبهجة التي شهدتها الساحة السعودية، وتحديداً في نهاية الستينات وحتى بداية السبعينات، عندما انتشرت صالات العرض في الأندية الرياضية، وفي البيوت الكبيرة بجدة والطائف والرياض والدمّام، وفي بعض السفارات الأجنبية، حيث تذكر الوثائق التاريخية أنه وبالرغم من عشوائية أماكن العرض، وافتقادها للتنظيم والبرمجة والتسويق، إلا أنها ساهمت في خلق وعي خاص تجاه مفهوم السينما كوعاء ثقافي قادر على صنع حراك تنموي واقتصادي في المجتمع السعودي، بعد أن بات هذا المجتمع مقبلاً على طفرة حياتية كبيرة توازي الطفرة النفطية، وظهور بوادر التحولات المدنية الحديثة والمعاصرة المواكبة لتلك التحولات المشهودة في الدول الخليجية المجاورة.
ومع انسحاب هذا الشكل السينمائي الوليد، وامتداد الأرضية القاحلة للتراجع والنكوص في أواسط الثمانينيات، إلا أن الحس السينمائي ظل حياً وحاضراً كهاجس فني لدى الكثير من المبدعين السعوديين، وكان الحلم الفردي والحماس الشخصي لإنتاج الأفلام يجد صداه المقبول والمشجع لدى دوائر المثقفين والشغوفين بالفنون بشكل عام، انقطعت السينما في السعودية كشكل وإنتاج عن البيئة الاجتماعية إلا ما ندر، وانطمست كحالة ومناخ ومداومة ومسلك، ولكنها ظلت تتناسل كأفكار ومشاريع ورؤى وانتباهات، اشتغل بعض هؤلاء المهمومين بالسينما كممثلين ومخرجين ومنتجين وبجهود فردية وفي أماكن وبلدان عرفت صناعة السينما مبكراً مثل مصر ولبنان والولايات المتحدة، ونذكر من هؤلاء السينمائيين السعوديين الممثل سعد خضر، والمنتج محمد تركي، والمخرج عبد الله المحيسن.

حضور في الإمارات
وخلال العشرين سنة الفائتة، شهدت السينما السعودية حضوراً لافتاً في المهرجانات والمسابقات المختلفة التي نظمتها دولة الإمارات، وهي على التوالي: مسابقة أفلام من الإمارات، ومهرجان دبي السينمائي، ومهرجان أبوظبي السينمائي، ومهرجان الخليج السينمائي بدبي. وبرغم توقف بعض هذه الفعاليات مثل مسابقة أفلام من الإمارات، ومهرجان أبوظبي، ومهرجان الخليج، إلا أن الزخم النوعي والتنوع الأسلوبي الذي قدمه المخرجون السعوديون في هذه المناسبات الفنية الكبرى بالإمارات، جعلت الفيلم السعودي واحداً من أهم الاتجاهات المرصودة للنقاش والتحليل والجدل الخلّاق، خصوصا فيما يتعلق بانضمام العديد من الروائيين والشعراء والفنانين التشكيليين السعوديين إلى الحراك السينمائي هناك ومساهمتهم في إنتاج أفلام متميزة على صعيد الفكرة وأساليب السرد والتوليف والإخراج، وبأشكال وحقول سينمائية متعددة مثل: الفيلم الروائي القصير، والفيلم التسجيلي، والفيلم الروائي الطويل، وأفلام التحريك (الأنيميشن)، وأفلام اليوتيوب والأفلام التجريبية وغيرها.
كانت المشاركة الأولى لهذه الأفلام في بداية الألفية واضحة وملحوظة في مسابقة أفلام من الإمارات بالمجمع الثقافي بأبوظبي، وساهم الشاعر والسينمائي مسعود أمر الله مدير المسابقة وقتها في توفير الأرضية الخصبة للأفلام القادمة من السعودية واحتضان مخرجيها وكتّاب نصوصها والباحثين عن فرص لإنتاج أفلامهم في بيئات ومواقع تصوير إماراتية.
استند هذا التعاون على محبة مشتركة للفن، وعلى رغبة ملحّة لتطوير الحالة السينمائية في السعودية ودفعها لمنطقة أكثر جرأة على صعيد المواضيع المطروحة في الأفلام، وأكثر نضجاً أيضاً على صعيد التنفيذ الذي يتطلب تحضيراً مسبقاً قوامه الرؤية الواضحة من المخرج والسيناريو المحكم من الكاتب والتقنيات الحديثة والملائمة التي تترجم هذه الرؤية وهذه الصياغة.
أسّست جهود مسعود أمر الله في المسابقة لبيئة تنافسية مشجعة بين صانعي الأفلام السعوديين، وكانت الجلسات النقاشية والورش الفنية والتغطية الإعلامية والقراءة النقدية للأفلام تحت سقف المجمع الثقافي بأبوظبي، عناصر مهمة في دفع السينما السعودية إلى الواجهة الخليجية والعربية، وضخ دماء جديدة وتصورات خلاّقة في بنيتها التعبيرية والجمالية، واستطاع الفيلم السعودي في الفترة ما بين عام 2001 إلى 2015 أن يتسيّد المشهد العام ويعوّض سلبيات الضمور الفني والفراغ الإنتاجي قبل هذه الفترة.
ارتكزت النقاشات والأسئلة المطروحة في «مسابقة أفلام من الإمارات» حول ماهية الفيلم السينمائي وتياراته ومدارسه، ومدى قدرة الأفلام السعودية الشابة على التحرر من الطابع التلفزيوني والمسرحي، ومدى وفائها للمحتوى السينمائي، وما يتمتع به هذا المحتوى من خصوصية التعبير ومن لغة بصرية تتجاوز وبمراحل الشكل النمطي المهيمن على ثقافة الصورة في المنطقة، وهي نقاشات كانت مطلوبة وملحة، لأنها تضطلع وتنبش في مجمل التجربة السينمائية في الخليج، كما أنها نقاشات تنسجم وتتناغم مع طموحات وتطلعات القائمين على هذه المسابقة لخلق حالة سينمائية فائرة ومتواصلة ومبشرة أيضاً لمستقبل الفن السابع في المنطقة.

تعدد الأصوات
وفي فترة مشحونة بالتجارب واختبار الأدوات، طبعت الأفلام الروائية السعودية القصيرة ظلالها وألوانها المتباينة على شاشات مهرجاني أبوظبي ودبي السينمائيين الدوليين، ومرد هيمنة الأفلام القصيرة على مناخ المهرجانين يعود لتعدد الأصوات والمواهب السينمائية السعودية الشابة التي وجدت في الشريط السينمائي القصير مساحة ذهبية من التعبير البصري الجريء والمتعدد المستويات، والقابل أيضاً للتأويل والمداولة والبحث في قيمة وقوة هذه الأفلام على المستويين الموضوعي والفني، بينما ظلت الأفلام السعودية الطويلة تبحث عن آليات مناسبة فيما يتعلق بطبيعة الإخراج وبناء السيناريو والتسويق وعمليات ما قبل وما بعد الإنتاج، لأن الفيلم الطويل دونه الكثير من الصعوبات الفنية والتقنية التي تحتاج إلى دربة ومران وخبرة في التعامل مع قصص ممتدة ومتشبعة يصعب لملمة خيوطها وإكسابها نوعاً من التماسك والوحدة الموضوعية، على الأقل في تلك الفترة، وفي زمن الملامسات الأولى لتجارب شابة وطموحة تسعى لصياغة مشروع حقيقي ومتواصل مع الفيلم الروائي الطويل في منطقة الخليج.
أما في مهرجان الخليج السينمائي بدبي الذي نظمته هيئة دبي للثقافة والفنون، وأداره كل من عبد الحميد جمعة رئيس المهرجان، ومسعود أمر الله المدير الفني للمهرجان، فكانت الأفلام السعودية هي الأكثر تميزاً في الطرح، والأكثر انحيازاً للخطاب الرمزي، والأكثر طموحاً أيضاً لاختراق قشرة التكرار والإغراق في المحلية والوصول للعالمية، وهو الهدف الذي حققه فيلمان مهمان بعد ذلك، وهما فيلم «وجدة» للمخرجة السعودية هيفاء المنصور، وفيلم «بلال» وهو فيلم تحريك سعودي ثلاثي الأبعاد من إخراج أيمن جمال وخورام ألفي، ونال كلا الفيلمين إعجاب الجمهور وحظيا بإشادات نقدية في الدوائر السينمائية الخليجية والعربية والدولية.
وبجانب هيفاء المنصور التي قدمت مؤخراً فيلمها العالمي الأول بعنوان «ماري شيلي»، فإن الحراك السينمائي السعودي في المهرجانات الإماراتية أفرز العديد من الأسماء المبدعة التي عمل بعضها وبشكل شخصي على تطوير أدواتها السينمائية، بينما خرج البعض الآخر من عباءة الفعاليات السينمائية في داخل السعودية مثل مهرجان جدة للعروض السينمائية، ومسابقة الأفلام السعودية بالدمام، ومهرجان الفيلم السعودي الذي ترعاه قناة روتانا، وغيرها من الفعاليات التي استفادت من النواحي التنظيمية لمهرجانات السينما في الإمارات، وتبادلت الخبرات الفنية معها.
ونذكر من الأسماء السعودية البارزة في مجال الإخراج السينمائي، والتي قدمت أفلاماً لافتة على شاشات السينما الإماراتية: عهد كامل مخرجة فيلم: «القندرجي»، وعبد الله آل عياف مخرج الفيلم المميز: «عايش»، ومشعل العنزي، وتوفيق الزايدي، وبدر الحمود، وعبد العزيز النجيم، وحمزة جمجوم، وعبد الرحمن عايل، وعبد المحسن الضبعان، وعبد الله أحمد وحسام الحلوة، وطلال عايل، وعبد المحسن المطيري وغيرهم.
هي أسماء وطاقات وجهود جمعها حب السينما والشغف بإمكانات الصورة وتجلياتها، سواء في الإمارات أو السعودية، حيث استقرت التوأمة الفنية على هدف كبير ومنصة عالية لترويج ثقافة التسامح والسلام والتعايش ونبذ ثقافة الكراهية والتعصب والاتجاهات المغلقة والمتشددة، تعاون وتداخل أدى مؤخراً لإعلان مبشر ومحوري واستثنائي هو السماح بإنشاء دور العرض والصالات السينمائية في السعودية بعد غياب امتد لأكثر من ثلاثين عاماً، لتنفتح بذلك بوابة تغيير كبرى لنشر الثقافة السينمائية في المجتمع السعودي، وتشجيع صناع الأفلام والمنتجين، ورعاية هذا الفن الإنساني الراقي ودعمه مادياً ومعنوياً ولوجستياً، وصولاً إلى خلق بيئة سينمائية تتنفس حضورها الدائم، وتدفع بمفهوم الترفيه في السعودية إلى أفق تنموي واقتصادي وثقافي طموح، ويلامس الحلم.

اقرأ أيضا