الاتحاد

الملحق الثقافي

تقاطعات الماضي والحاضر

التراث من أقوى الروابط الثقافية والاجتماعية بين الإماراتيين والسعوديين (أرشيفية)

التراث من أقوى الروابط الثقافية والاجتماعية بين الإماراتيين والسعوديين (أرشيفية)

شكل مجلس التعاون الخليجي منظومة إقليمية ما كانت لتنجح لولا ذلك التجانس والتوافق بين أطرافه. وتمثلت شبه الجزيرة العربية من خلاله وحدةً مترابطةً جغرافياً واجتماعياً وثقافياً، نظراً لأنها تضم سكّاناً لهم سلوكيات وعادات وفنون وثقافات ونظم اجتماعية مشتركة، شكلت نظاماً ثقافياً اجتماعياً مشتركاً، إلى نظام سياسي متماثل. وساهمت حكومات دول الخليج في تجذير وتأكيد تلك الروابط المشتركة من خلال اتفاقات ‏وبرامج مشتركة.

‏عندما نتحدث عن الإمارات والمملكة العربية السعودية يظهر ذلك التنسيق جلياً في العديد من مظاهر العمل المشترك والجامع لتلك المظاهر. كل ذلك كان يمثل طبيعة العلاقات التي تأسست منذ مطلع القرن العشرين، ومع حكم عبد العزيز آل سعود بدأ التواصل بين السعودية وحكام الإمارات إما على شكل تحالف أو ابتعاث شيوخ العلم والمعرفة إلى المنطقة، ولقد أكد ملوك السعودية ذلك التواصل بدءاً من الملك فيصل الذي دعم، وأكد على حماية تأسيس الاتحاد في بدايات 1970 من الأطماع الإقليمية عندما بدأت فكرة قيام الاتحاد منذ عام 1968.

تماثل ومصالح
كان التماثل الاجتماعي والسياسي والجغرافي، وأيضاً المصالح المشتركة، هي المحرك الأساسي في التنسيق لمواجهة التحديات الخارجية للمنطقة في بداية السبعينيات، وخاصة بين المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والمغفور له الملك فيصل بن عبد العزيز (رحمهما الله).
ومن مظاهر ذلك التنسيق وقوف المملكة لدعم هذا الكيان الاتحادي الجديد في الخليج العربي من أي تدخل خارجي، ومن التهديدات والأطماع الإيرانية خصوصاً، ‏بعد إعلان بريطانيا الانسحاب من إمارات الخليج العربي عام 1968.
وفي يوم 20 أكتوبر 1973 وفي المؤتمر الصحفي الذي عقده المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في قصر البحر بأبوظبي وتحدث فيه عن أسباب وضرورة قطع النفط عن الدول المساندة والداعمة لإسرائيل خصوصاً الولايات المتحدة الأميركية أثناء الحرب العربية الإسرائيلية في أكتوبر 1973 مساهمة في دعم المجهود الحربي العربي، وليكون عامل ضغط على الدول الداعمة لإسرائيل، سأل مندوب صحيفة اطلاعات الإيرانية الشيخ زايد: كيف قطعت النفط وحدك؟ وهل تعتقد أن بقية الدول العربية المنتجة للنفط سوف تحذو حذوك أو تتبعك؟ أم أنها ترى أن قرارك كان خاطئاً ومغامرة سياسية؟ وقبل أن يجيبه الشيخ زايد دخل إلى موقع المؤتمر المستشار الإعلامي لوزارة الإعلام والثقافة وسلم وزير الإعلام آنذاك الشيخ أحمد بن حامد ورقة قام بدوره بتسليمها إلى الشيخ زايد الذي فتح الرسالة وقرأها، وابتسم، وقال: اقرأها على الصحفيين الحضور، فقرأها المستشار وجاء فيها أن الملك فيصل قرر أيضاً قطع النفط عن أميركا، فالتفت الشيخ زايد إلى مندوب صحيفة اطلاعات الإيرانية، وقال له: هذا أسرع رد على سؤالك من أخي جلالة الملك فيصل.
ذلك واحد من المؤشرات والدلالات التي تكفي للبرهنة على التنسيق والتعاون بين الدولتين في كافة المحافل، سواء في قطاع النفط ضمن منظومة «أوبك» أو في المحافل الثقافية أو الاقتصادية أو السياسية.

قبل الاتحاد
عن العلاقات الثقافية بين الإمارات والمملكة العربية السعودية قديماً تحدث الباحث بلال البدور، في ورقته المقدمة ضمن فعاليات معرض الشارقة الدولي للكتاب، موضحاً أن أفواج من العلماء والدعاة والشعراء جاؤوا للمنطقة إما للدعوة أو لبث العلم بين قبائل المنطقة. وتحدث عن الجذور التاريخية للعلاقات الثقافية وأكد أنه في فترة الحج يلتقي الناس في حلقات الذكر ودروس الوعظ، وتتوفر لهم الفرصة لشراء ما يصادفهم من كتب تكون زادهم للاطلاع والقراءة إذا عادوا. وأكد البدور على قنوات التواصل الثقافي بين البلدين ‏بدءاً من التعليم واتصال العلماء السعوديين بالإمارات عندما جاء إبراهيم بن عفيصان بناء على طلب أهل زعاب والرمس من الأمير سعود ليبعث لهم من يعلمهم، وكان فيهم الكثير من علماء وأعيان نجد والأحساء. وذكر أن الشيخ صالح بن محمد الخليفي جاء إلى دبي عام 1926 ودرس في المدرسة السالمية التي أسسها الوجيه سالم بن حمودة، ثم انتقل إلى الشارقة وأسس المدرسة الصالحية عام 1930، والشيخ أحمد حمد الرحباني الذي تولى القضاء في رأس الخيمة، وكذلك منهم الشيخ عبد العزيز المبارك الذي جاء إلى دبي وتولى التدريس في الأحمدية.
وعلى الضفة الأخرى هناك العديد من طلاب المعرفة من الإمارات هاجروا إلى السعودية للاستفادة من فرص التعليم هناك، ومنهم: الشيخ سيف بن هلال المهيري، الشيخ سيف بن محمد المدفع، الشيخ مبارك الشامسي، الشيخ جمعة بن سيف المنصوري، راشد بن خلف العتيبة، والشيخ محمد نور بن سيف بن هلال الذي درس في مكة وعاد ليتولى إدارة المدرسة الأحمدية في دبي، بالإضافة إلى منحة السعودية التي قدمتها لأفواج من الطلاب من دبي ورأس الخيمة وعجمان للدراسة فيها. ومن الشعراء الذين ارتبط اسمهم بذلك الزخم الثقافي بين البلدين عبد الله الهاشمي، ومبارك بن حمد العقيلي الذي جاء ‏إلى الإمارات وسكن بها حتى وفاته.

بعد الاتحاد
عندما نتحدث عن التماثل الثقافي والاجتماعي بين البلدين في مرحلة ما بعد قيام اتحاد الإمارات، فإننا لا ننسى التماثل الجغرافي والتاريخ المشترك، والجوانب الثقافية والاجتماعية والتعليمية التي تتقارب وتتقاطع، وتأخذ بعداً مشتركاً بين مؤسسات البلدين، ومنها التقارب والتواصل في البنية والتفكير الثقافي على المستوى الرسمي أو الأهلي.
وفي ورقته بالمعرض أيضاً، تحدث الدكتور عبد العزيز السبيل وكيل الشؤون الثقافية في وزارة الثقافة بالمملكة العربية السعودية سابقاً، عن مظاهر التقارب والتواصل، وضرب مثلاً بمركز زايد للتراث والتاريخ في الإمارات، ودارة الملك عبد العزيز ومؤسسة الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية في الرياض. ومؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية ومركز جمعة الماجد في دبي ومركز حمد الجاسر الثقافي بالرياض. وجائزة الملك فيصل العالمية وجائزة الشيخ زايد للكتاب. وجائزة خادم الحرمين الشريفين عبد الله بن عبد العزيز العالمية للترجمة ومشروع «كلمة» للترجمة التابع لهيئة أبوظبي للثقافة والتراث (دائرة الثقافة والسياحة -أبوظبي حالياً). ومهرجان الجنادرية بالرياض ومهرجان الظفرة في أبوظبي.. كل ذلك يمثل الدور المتكامل بما يحققه من أهداف بعيدة المدى. ولا ننسى أعمال مؤتمر الفهرس العربي الموحد بين مكتبة الملك عبد العزيز العامة بجامعة الإمارات العربية المتحدة، وفعاليات التحكيم للجوائز بين البلدين، ‏والمهرجانات المسرحية والفنية والمشاركة الفاعلة والنشطة للمبدعين السعوديين فيها، وأيضاً الأسابيع الثقافية السعودية التي تقام في الإمارات لخلق ذلك التواصل، ووجود العديد من الكتاب والفنانين والإعلاميين والمثقفين السعوديين الذين يقيمون في الإمارات ويعملون بها ويثرون الساحة الثقافية والفنية بإبداعاتهم ومشاركاتهم.
ونختم بالقول: إن ما طرح هنا لا يمثل إلا جزءاً يسيراً من تنوع العلاقات على المستوى الثقافي الذي امتدت جذوره، ونمت، وتطورت على مختلف الأصعدة، لتجسد اهتمام قيادة البلدين بتوفير فرص التقارب والتواصل، بدءاً من الثقافة والاقتصاد والمصالح المشتركة وانتهاء بالسياسة التي تلتقي فيها هذه القيادة عبر قواسم مشتركة وضع أساسها ‏المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «رحمه الله»، وتنهجها حكومتنا الرشيدة مع إخوتنا في المملكة العربية السعودية.
إن علاقات الإمارات بشقيقتها السعودية تتجاوز الأطر التقليدية المعروفة؛ فهي ضاربة بجذورها في عمق التاريخ، ونحمد الله أن وهبنا زايد ومدرسته التي تدرك جيداً قيمة الشقيقة المملكة العربية السعودية، وهو نهج متجذر في الذاكرة الوطنية لأبناء وبنات الإمارات يترجمون من خلاله كل يوم محبتهم للأشقاء في السعودية.
وعلى الصعيد الثقافي فإن جسور التواصل الحضاري بين الشعبين ممتدة وآفاقها سامقة إلى عنان السماء، وها نحن اليوم نرى هذه الصورة الرائعة من وحدة الهدف بين البلدين تجاه قضايا الأمة وحاضرها ومستقبلها.

وحدة القرار
في مؤتمر صحفي عقده المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ليتحدث عن أسباب وضرورة قطع النفط عن الدول المساندة والداعمة لإسرائيل أثناء حرب أكتوبر 1973، سأل مندوب صحيفة اطلاعات الإيرانية الشيخ زايد: كيف قطعت النفط وحدك؟ وهل تعتقد أن بقية الدول العربية المنتجة للنفط سوف تحذو حذوك أو تتبعك؟ أم أنها ترى أن قرارك كان خاطئاً ومغامرة سياسية؟ وقبل أن يجيبه الشيخ زايد دخل إلى موقع المؤتمر المستشار الإعلامي لوزارة الإعلام والثقافة حاملاً رسالة من جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود، جاء فيها أن الملك فيصل قرر أيضاً قطع النفط عن أميركا، فالتفت الشيخ زايد إلى مندوب صحيفة اطلاعات الإيرانية، وقال له: هذا أسرع رد على سؤالك من أخي جلالة الملك فيصل.

اقرأ أيضا