الاتحاد

دنيا

الأب الشيطان

الحيوانات الأليفة والمفترسة والضارة والنافعة كلها تموت وتضحي بحياتها من أجل الدفاع عن صغارها وانقاذهم من أي اعتداء لكن هذا الرجل لم يرق الى مستوى البهائم العجماء وانحدر الى ما دون ذلك بكثير وارتكب ابشع الجرائم التي لا يصدقها عقل لأنها أكثر ما تكون بعيدا عن الواقع، فقد تجرد «كمال» من كل المشاعر والقيم والأحاسيس وتحجر قلبه وذبح ثلاثاً من بناته وحاول ذبح الابن الرابع المعاق بيديه ولم يحرك ذلك عنده ساكناً ولم يرتدع من أيام السجن ولياليه الطويلة وزنزانته الضيقة المظلمة وعاد إليه مرة أخرى بجريمته النكراء.
كان عمره خمسة وعشرين عاماً عندما نزح إلى العاصمة واستقر بها، وتزوج إحدى الفتيات ورزقه الله ثلاثة أولاد من الذكور وما أن شبوا عن الطوق وبلغ الأول والثاني منهما مرحلة الصبا حتى لحقا به للعمل في المعمار ولم يفكر بل رفض أن يلحقهما بالمدرسة كل همه الحصول على المال ومع هذا لم يحقق ثروة ولا يمتلك شيئا يذكر غير مسكن صغير في منطقة عشوائية لا تستحق الذكر لأنها بلا قيمة بينما كان الابن الثالث معاقاً منذ ولادته ولم يخف الأب تبرمه وضيقه منه رغم انه لا يتحمل مسؤوليته وتتولى أمه رعايته وهي التي تحمله وتجوب به المشافي وتبحث له عن العلاج والدواء مهما كلفها ذلك من جهد وعرضها لمتاعب فهي أم ولن يهدأ لها بال، ولن يطمئن قلبها إلا اذا رأته يسير على قدميه مثل بقية الصغار وكثيراً ما تقضي الليل تدعو وتبكي وحتى في النهار لا تتوقف دموعها من أجله وعلى العكس كان الأب بلا رحمة أو شفقة يتأفف منه يدعو عليه بالموت العاجل وأخيراً استغل وجوده وحده في البيت وحاول أن يطبق على رقبته الضعيفة بكلتي يديه ولكن تدخل القدر لانقاذه فقد حضرت الأم قبل تنفيذ جريمته وصرخت صرخة مدوية جعلته يرتعد ويتراجع وينجو المريض البريء من القتل ومنذ تلك اللحظة وهي لا تأمن أن تتركه حتى لا يعيد الكرة.
بعد عشرين عاماً أو يزيد عاد «كمال» إلى قريته حيث مسقط رأسه وذهب زائراً لأهله وعشيرته وتطرق الحديث الى سنوات الغربة الطويلة الماضية التي قضاها مثل المشردين وكأنه في منفى والبعض سأله عن الأموال التي جمعها خلال تلك الفترة والعقارات التي يملكها ورصيده في البنوك، فكانت الإجابة لا شيء والرصيد صفر من هنا تطرق الحديث الى ضرورة أن يعود ويكفي ما ضاع من عمره ورغم عدم قناعته بوجهة نظرهم فأنه سايرهم في أقوالهم وعندما رأى جارته أكثر جمالا من زوجته اتخذ قراره بالزواج منها مدعياً أن ذلك نزولا على رغبة عائلته وتزوج في منزل أبيه القديم الذي أكل عليه الدهر وشرب، فقد أعاد جميع أبناء القرية بناء بيوتهم لكن هذا البيت لايزال بالطين علامة على الماضي الأليم وترك «كمال» زوجته وأبناءه الثلاثة هناك على بعد مئات الأميال لا يهمه كيف يعيشون ولا كيف يدبرون معيشتهم.
ولم يكن خبر زواجه سراً فقبل أن يتم طار سريعاً الى زوجته الأولى التي جن جنونها ولم تجد سبباً لفعلته فلا هو ذو مال ولا جاه ولا هي قصرت في حقوقه ولم ترتكب ذنباً ولا تستحق أن يعاقبها على وقفتها بجانبه كل هذه السنين ولم تجد ايضا إجابة على تساؤلاتها بل رفضت حتى الحديث اليه لسماع وجهة نظره او تبرير فعلته وأصرت على الطلاق فوراً وعندما حاول أن يماطلها ولا يحقق لها ما تريد هددته بأنها ستخلعه وستكون فضيحته على رؤوس الأشهاد ولأنه أبو أبنائها ومن أجلهم فعليه أن يفارقها بالمعروف، وانصاع وخشي أن تنفذ ما هددت به وطلقها وانقطعت صلته بها وبأبنائه، حتى المريض منهم لا يعرف اين وصلت به الحال وقد يكون الأمر وصل الى انه نسيهم جميعا كأنه لا يعرفهم ولا يعرفونه وهذا هو الأقرب الى الصواب.
انغمس «كمال» في حياته بالقرية وانجب أربع بنات من زوجته الثانية لكن الغريب أن الابنة الثالثة ماتت فجأة بعد أسبوع واحد من ولادتها وهي صحيحة سليمة لا تعاني من اي مرض أو علة ودار الحديث الهامس بين الناس عن أن أباها قتلها لأنه يكره البنات.
وقالوا إن زوجته تسترت على جريمته ليس حباً فيه وإنما خشية ضياع الأسرة كلها فلو دخل السجن فسيكون قد ضاع وضيع الجميع معه وعندما يفتح أحد معه الحديث عن هذا الموضوع اما ان يثور وإما أن يبتسم ابتسامة صفراء وفي كلتا الحالتين لا ينفي وانما يتهرب من المواجهة وهذا ما جعل الجميع يتأكدون من انه قتلها وربطوا بين هذه الواقعة ومحاولته قتل ابنه المعاق من قبل.
منذ خمس سنوات عاد الأب الذي لا يستحق هذا الاسم ولا صفة الأبوة من الخارج عند العشاء ليجد ابنته الثالثة نائمة وقد غلبها النعاس في صحن الدار فركلها بقدمه لتلحق بأختها في الغرفة لكن النوم غيب إدراكها فلم تستجب بسرعة لمطلبه فضربها على رأسها ضربة شجت رأسها وتدفقت منها الدماء ومع صرختها وصرخات أمها تجمع الجيران وحاولوا انقاذها لكنها فارقت الحياة قبل أن تصل الى المستشفى والقي القبض على الأب القاتل الذي اعترف بجريمته لكنه بررها بأنه لم يكن يقصد قتلها وادعى انه كان يحاول تهديدها فقط ولم تعتبر المحكمة الجريمة قتل عمد وانما اعتبرتها ضربا افضى الى موت ونظرا لصلة القربى خففت عنه العقوبة من المؤبد الى السجن عشر سنوات واقتادوه الى محبسه لينفذ العقوبة.
لم تعد الزوجة تطيق البقاء على ذمته بعد أن قتل اثنتين من بناتها وتزوجت الكبرى ونجت بحياتها فقامت الزوجة بطلب الطلاق لتضررها منه بسبب جريمة قتل ابنتيها ولأنه محكوم عليه بالسجن مدة طويلة وتأكدت من أن الحياة معه ستكون مستحيلة وهي التي تعرفه بعد عشرة زادت على العشرين عاما، وبالفعل حصلت على الطلاق ليخسر الزوجة الثانية وهو مقيد الحرية خلف القضبان عاجز عن فعل اي شيء وكل ما يتم كان رغما عنه والمصائب تتوالى على رأسه لكنه معدوم الاحساس.
بعد ان قضى مدة العقوبة تقدم بطلب إلى إدارة السجن بالإفراج عنه حيث تتيح اللوائح ان يتم العفو عن بعض النزلاء بعد مضي نصف مدة العقوبة وكان هذه المرة محظوظا إذ قوبل طلبه بالايجاب وخلع ملابس السجن الزرقاء واسترد حريته وعاد الى منزله الخرب بعد ان فقد اثنتين من بناته وتزوجت الكبرى وطلقت زوجته فلم يبق إلا صغرى البنات وكانت في السابعة عشرة من عمرها انتظرته حتى خروجه من محبسه لأنها ليس لها غيره وليس له غيرها، وعندما التقته انهمرت دموعها غير مصدقة ونسيت انه قاتل اختيها وطليق أمها ولم تتذكر فقط إلا انه أبوها الذي عانت كثيرا من الوحدة في غيابه.
وها هو يقترب من الستين وتسللت الشعيرات البيضاء الى رأسه وتساقط بعض الشعر ولم تؤثر فيه كل هذه الأحداث فمازالت غلظته كما هي حتى مع ابنته الوحيدة التي ترعاه وتتولى شؤونه وتعد طعامه وتغسل ملابسه وتنظف بيته وتخدمه واستأذنته لزيارة اختها المتزوجة على أن تعود في المساء فإذن لها لكنها لم تعد في الموعد المحدد واتصلت به هاتفيا تبلغه انها ستقضي ليلتها عندها وستعود في ظهيرة اليوم التالي ولم يرد بالإيجاب ولا بالنفي واكتفى بانهاء الاتصال وهي لا تدري ما يدور بذهنه فقضت الليلة وفي اليوم التالي عادت لتجده في انتظارها لا يخفي انه اضمر شرا ولم يرد تحيتها وتوجه الى الداخل واحضر سكينا وانهال عليها بالطعنات وهي تصرخ لكن صرخاتها توقفت بعد الطعنة الثالثة أو الرابعة وسكت صوتها إلى الابد ومع ذلك لم يتوقف بل واصل الضربات حتى تخطت العشرين طعنة في كل مكان من جسدها وسال الدم على الأرض واغرقها وتناثر على ملابسه ويديه وألقى السكين بجوار الجثة ثم توجه ليضع قطعة من الفحم على النار واعد النارجيلة وكوباً من الشاي واحضرهما بالقرب من الجثة وجلس يرشف الشاي ويدخن وينفث الدخان في الهواء وكأن شيئا لم يحدث واتصل بالشرطة ليبلغ بنفسه عن جريمته وعجبا رأى رجال الشرطة من أمر الرجل انه يجلس على الدماء ويدخن ويشرب الشاي كأنه في نزهة أو حديقة ولم يتوقف عن التدخين.
ضرب كل من حوله الأكف عجباً من أمره فلم يسمعوا ولم يروا مثل بشاعته ولم يتعاطف معه أحد بل كلهم يتمنون أن يصدر عليه حكم بالإعدام هذه المرة بينما هو مصمص شفتيه بعد أن اعترف بتفاصيل جريمته وقال غير مكترث إن السجن ليس غريبا عليه فقد عرفه خمس سنوات ولا ضير من أن يعود اليه مرة أخرى بينما لم يستطع أن يبرر جريمته ولا يقدم لها سبباً وها هو قد قتل ثلاثا من بناته وضيع زوجتيه وأبناءه الكبار.

اقرأ أيضا