الاتحاد

دنيا

نيران الجيران

كان يوماً حزيناً في حياتي بل أجزم أنه كان الأسوأ، بكل حساباتي فما حدث كان كارثة رغم أنه حدث عادي وبسيط ويحدث كل يوم في كل مكان، عندما كان الحمالون ينقلون أثاث منزلي والأجهزة لأنني سأنتقل إلى مكان جديد في حي راق وشقة أكثر اتساعا يحسدنا عليها كثيرون، كنت أشعر كأنهم يحملونني إلى مثواي الأخير، قلبي يحترق، وعيناي لم تتوقفا عن ذرف الدموع لم أكن قادرة على التحكم فيها، فتركتها تسيل حتى بللت ملابسي، وبدلا من أن تكون تلك النقلة مصدر سعادة وفرح لي فإنها كانت سبباً في حزني الشديد، والسبب هو أنني سأترك جارتي التي ربطتني بها صداقة غير عادية على مدى خمسة عشر عاما متواصلة، وهي الأخرى بكت في ذلك اليوم كما لم تبك من قبل.
عندما تزوجت وانتقلت إلى هذا المكان، كنت أعرف صداقة زوجي وزوجها، وسمعت عنها كثيرا، وقد تكون هذه العلاقة بيني وبين جارتي فرضت عليّ في البداية ولم أتدخل في اختيارها، ولكن عندما التقيتها، وجدت أنها نصفي الآخر، نتفق في كل شيء، التقت طبائعنا وعاداتنا وتقاليدنا وظروفنا، حتى عشنا كأننا أسرة واحدة، كثيراً ما يكون طعامنا واحدا، وأسفارنا وإجازاتنا، وأيضا طموحاتنا وأحلامنا كانت مشتركة، وأنجبنا أبناءنا الذين تربوا ونشأوا معا كأخوة، كانت علاقة خالصة من كل هوى أو مصلحة، اعتقد البعض أننا أختان، ومن يسألنا كنا نجيبه بأننا أختان وقد تكون الإجابة نابعة من إحساسنا الحقيقي، فلم تكن علاقتي بأخواتي مثل علاقتي بها، وبالمثل كان الزوجان متوافقين مع بعضهما، وفوق هذا كله الاحترام والالتزام والتمسك بتعاليم الدين، فهما يذهبان إلى المسجد في كل الصلوات معا، وحتى عند التسوق أو شراء حاجيات تخص أيا من البيتين، وفي شهر رمضان من كل عام نتناول الإفطار مجتمعين معظم أيام الشهر، وكل عشاء نصطحب صغارنا إلى المسجد جماعة ونؤدي صلاة التراويح، ونعود تعمنا السعادة، حياتنا كانت تسير بلا تكلف أو قيود.
مع مرور الأيام والسنين استطاع زوجي أن يشتري شقة جديدة، وذهبنا مع جارتي وزوجها نعاينها وهي ما زالت مجرد رسم حتى صارت حقيقة، نختار معا الديكور والدهانات وألوان الأبواب والجدران، وقطع الأثاث التي سنكمل بها، ونختار معا مكان كل قطعة، قضينا أكثر من خمس سنوات على هذه الحال، ورغم ذلك عندما حانت لحظة الانتقال، كأننا فوجئنا بها وأنها جاءت بغتة، ربما لأننا لم نشعر بقسوتها إلا عندما بدأنا التنفيذ، إحساس صعب، سنوات من عمري أتركها في هذا المكان، وليس هذا في ذاته الذي أحزن عليه، وإنما من أجل «توأمي» التي أرى أنني أتخلى عنها، إنني أرتكب جريمة، كان لابد أن أفكر بشكل مختلف، وأن ننتقل معا أو نبقى معا، لكن فات الأوان.
وقفت أحملق في الجدران، وفي البناية والبنايات المجاورة والمحال التجارية والسيارات، صدقوني كأنها جميعا تغيرت، لا أصدق أنني سأتركها كلها بكل ما عشت وعايشت من أحداث صغيرة وكبيرة، ويمر شريط الذكريات سريعا بما يحمل من مشاهد منذ اللحظة الأولى لي في هذه المنطقة، وكيف تكونت علاقاتنا وصداقاتنا ومعاملاتنا حتى مع البائعين والتجار، ولكن كل ذلك يهون أمام مصيبتي في فقد صديقتي، صحيح تفصلني عنها مسافة على بعد عدة كيلو مترات تقطعها السيارة خلال نصف ساعة، لكن مع مشاغل الحياة وكثرة المسؤوليات والتحاق الصغار بالمدارس لن تكون لقاءاتنا سهلة متقاربة وهذا ما كنت أخشاه وأحسب له ألف حساب.
وانتقلت بأسرتي الصغيرة إلى مسكني الجديد، وكلنا قلوبنا معلقة بما تركنا هناك، وهنا شعرت بغربة شديدة، وإن كانت المدينة هي نفسها، لكن الفارق شاسع بين المنطقتين، وأنا واثقة بأنني لن أحظى بمثل صديقتي، وشأني شأن كل سكان المدن، العلاقات بين الجيران مقطوعة، لأن الجميع غرباء، الكل متوجس خيفة فيؤثرون العزلة الإجبارية تجنبا للمشاكل والخلافات، واكبر اختلاط يكون مجرد تبادل التحية عند المصعد أو عند اللقاء أمام البناية، وحتى البعض لا يلقي السلام من الأصل، ولم أكن مستعده للتجريب، لأنني لا أستطيع تحمل الصدمات، لا داعي للمغامرة، ووجدت عند جيراني جميعا نفس التصرفات، فلا علاقات بين الجارات ولا تزاور حتى في المناسبات والأعياد، ولم أتعود فرض نفسي على أحد، أو أدخل في علاقة مع أي امرأة أو فتاة حتى عندما كنت في مراحل الدراسة، وأترك ذلك للمواقف فهي التي تكشف معادن الناس، والمعروف أن أهل القرى والبوادي مترابطون، لأنهم بحكم طبيعة حياتهم مجتمعات محدودة، أفرادها معروفون لبعضهم، تربطهم صلاة القربى والمصاهرة، وهذا ليس عند أهل المدن، ومعظمهم ليسوا من أبناء المناطق التي يقيمون فيها وهذا ما جعلهم دائما على حذر يؤدي الى القطيعة، وليس في مقدور أحد أن يطبق المثل القائل، «الجار قبل الدار»، أي على الإنسان أن يبحث عن الجار ويعرفه قبل أن يقيم في دار بجواره، ولم يكن ذلك ميسورا في المدن خاصة الكبرى منها بأي حال من الأحوال، فانقلبت الأوضاع وصرنا نختار الدار قبل الجار.
بطبعي لست متشائمة، ولا أنظر إلى النصف الفارغ من الكوب، ولا أفترض الأسوأ في الناس حتى يثبت العكس، لذلك نشـأت جسور التعارف مع جارتي هنا، التي جاءت بعد ما يزيد على ثلاثة أعوام من إقامتي بمسكني الجديد تطلب المشورة والمساعدة في أمر عادي استشعرت منه أنها تبحث عن حجة للتعامل معي، ورحبت بها في بيتي، وأحسنت ضيافتها، عرفت لأول مرة أنها تقاربني في العمر، وتزوجت منذ عشر سنوات ولم تنجب، وقد بدأت تضيق من ذلك خشية التقدم في العمر وترددت على كبار الأطباء -وحسب قولها- لم يكن هناك مانع من الحمل من جانبها أو من جانب زوجها، وتعاطفت معها، وبقدر ما استطعت جعلتها تخرج من حالة اليأس، وتتجه إلى ربها بالدعاء وهي تعاني الوحدة معظم الوقت، فزوجها كثير السفر، وإن لم يكن مسافرا، فإنه يتأخر كثيرا ويقضي معظم وقته في العمل، لأن هذه طبيعة وظيفته لذلك فهي في فراغ طوال اليوم وليس لديها ما يشغلها، ووجدت عندي مستقرها، جاءتني ببعض الهدايا التي أحضرها زوجها من إحدى سفرياته، ورددت لها بأكثر مما جاءت به، وهكذا توطدت علاقتنا وأصبحت الملجأ والملاذ لها، كأنها تقيم معي، حتى في وجود زوجي الذي كان يتفهم ظروفها ولا يضيق من وجودها، بل شجعني ودفعني للتخفيف عنها، فنحن عائلتها في ظل غياب زوجها، ولا مانع من أن تشاركنا طعامنا أحيانا، ونتقبل وجودها بصدر رحب، ومع هذا لم ترق إلى مستوى علاقة صديقتي أو جارتي الأولى التي ما زالت علاقتي بها على قوتها، فهذه ما زلت أتعامل معها بسطحية، فهناك بعض الاختلافات في عاداتنا وتقاليدنا لكنها لا تفسد للود قضية، ونتعامل من دون تعمق وفي حدود الجيرة فقط، مع إشفاقنا عليها ومراعاة ظروفها، فأحيانا نشعر بأنها مكسورة الجناح، ضعيفة مستسلمة.
التطور الذي طرأ علينا أنها بدأت تنتقد تصرفاتي وخاصة أمام زوجي، لا أدري إن كانت بها حماقة ولا تقصد ما تقول أم أنها حاقدة تريد أن تفسد ما بيني وبين زوجي من مودة ورحمة واستقرار، فمنذ أن تزوجته لم يقصّر بحقي ولم أقصر بحقه، ولم يحدث بيننا شقاق اللهم إلا قليلا من سفاسف الأمور، وكانت أول نار تشعلها في بيتي، عندما سألني زوجي عن بعض ملابسه ولم تكن جاهزة، فإذا بها تتساءل: وماذا أفعل وما هي مهمتي في الحياة إن لم تكن كل احتياجات زوجي ومطالبه مجابة دون أن يطلب؟ فرد زوجي مستنكراً ما اعتبره تقصيراً مني بأن أتعلم من جارتي كيف يكون الاهتمام بالزوج، وبالرغم من أن هذا الموقف لم يكن الأول من نوعه بيننا، فإنني بعده وجدت زوجي شخصا آخر، لم أعرفه من قبل، ثار ثورة عارمة ووجه لي لأول مرة عبارات اللوم والتوبيخ، والاتهامات بالتقصير وعدم الاهتمام به، ومر الموقف لكن شعرت بالضيق من جارتي التي تسببت في هذه المشكلة، وعندما عاتبتها على فعلتها، ضحكت ونفت أي سوء في النية وما كان ذلك إلا مجرد دعابة أو تعليق لم تعرف ان هذه نهايته، مؤكدة أنها تعرف عمق العلاقة بيننا ولم تتوقع ان تهتز بمثل هذه الملاحظة التي هي أقرب إلى المزاح، وقدمت اعتذارها الذي قبلته، فالموقف انتهى برمته.
لم تمر عدة أسابيع وبينما كنا نجلس أنا وزوجي وأطفالي وهي معنا، نشاهد حلقة عن عروض الأزياء في التلفاز فوجئت بها تنعطف بالحديث عن الموضة، وعن أدوات الزينة والماكياج، ثم تطلق سؤالا مخجلا، لماذا لا أهتم بملابسي، ولا أتزين كما تفعل النساء؟ وفي الحقيقة لم أجد ما أرد به عليها، فقد عقدت المفاجأة لساني، ونظر إليّ زوجي كأنه يتفحصني أو يراني لأول مرة ليعرف إن كنت أتزين بالمساحيق أم لا، وإن كان الموضوع أغلق الآن، لكن زوجي أعاد طرح سؤالها على مسامعي بعد انصرافها، وكأنه قنبلة تم نزع فتيل الأمان منها، نعتني بأنني لست امرأة، ولا أفعل كما تفعل النساء فلا أهتم بمظهري ولا بشكلي وكل ما افعله انني أغسل وجهي بالماء، وانهال على رأسي بسيل من الأسئلة المتوالية المتتابعة، كأنها طلقات رصاص، لماذا لا أنظر إلى نفسي في المرآة؟ لماذا لا أقتني مساحيق التجميل؟ لماذا لا أكون مثل كل الفتيات والنساء في الشارع والعمل وكل مكان؟ وهكذا أسئلة كثيرة من هذه النوعية لا أتذكرها من سرعة إطلاقها في أذني كأنها حجارة ساخنة واستغربت هذه اللغة التي بدأ زوجي يحدثني بها ولم يكن هكذا من قبل، ولم أكن مهملة في نفسي كما ادعى، وإن كنت لا أستخدم تلك المساحيق التي تصنع الجمال الوهمي.
شعرت بخطر حقيقي يداهم حياتي الزوجية من هذه الجارة التي أقحمت نفسها في خصوصيات حياتي، وسمحت لنفسها بأن توجه إليّ الانتقادات، وتختلق العيوب حتى في ترتيب ونظام بيتي، ولا يعجبها طهو طعامي، ولا طريقة كلامي، وتنتقد كل صغيرة وكبيرة، وكدرت صفو حياتي، لم أجد أمامي إلا الجرأة في المواجهة وكعادتها تراوغ في الحديث، وتدعي البراءة وأنها لا تبغي إلا الإصلاح وتريد لي الخير، بل قالت إنها تفعل ذلك من قبيل تقديم النصح لي ولفت نظري الى هذه الأشياء، ومع عدم استجابتها للتوقف عن نصائحها المدمرة اضطرتني إلى أن أقول لها صراحة انها غير مرغوب فيها، ولا أريد صداقتها، ولا أود ان أعرفها، وبكلمات واضحة طردتها من بيتي وحذرتها من العودة مرة أخرى، وإذا بها تشكو لزوجي مما اعتبرته سوء تصرف مني، وجاء رد فعله كما أرادت، فقد وبخني ووصفني بقلة الذوق، والخروج عن اللياقة.
فكرت في ان أترك البيت، لكن لم أجد في هذا حلا لإعادة زوجي الى سيرته الاولى، ولا وسيلة للخلاص من هذه الحية الرقطاء التي ابتليت بها، فلولا انني أعرف زوجي تمام المعرفة وانني متأكدة من حُسن خُلقه والتزامه بأمور دينه لتسرب الشك الى نفسي بأن بينهما علاقة مريبة، والمشكلة الان تتفاقم حتى بعد ان نجحت في قطع صلتي بها تماما، أخشى ان تعود والمؤكد أنها ستعود وتعيد زرع بذور فتن جديدة، وأنا في غنى عن هذا كله، ولا أجد حلا غير ان نفر من هذا المكان هربا من المزيد من العواصف والأعاصير التي تثيرها ولديها قدرة عجيبة في اختلاقها، جعلتني أكره الدار والجار معا، وأصرخ أين المفر؟
جارتي الأولى هي التي تخفف عني كلما أتيح اللقاء بيننا، لكن ذلك مجرد مسكن للآلام ولا يعالجها.

اقرأ أيضا