الاتحاد

دنيا

الوجوه المشهدية·· علامة فارقة لـ مروان قصاب


دمشق ــ فاطمة شعبان:
'الوجوه المشهدية' علامة فارقة مسجلة باسم الفنان مروان قصاب باشي، هذه اللوحة التي وصلتها تجربة مروان بعد رحلة طويلة تتجاوز النصف قرن مع الفن التشكيلي· وقد حاول المعرض الأخير الذي أقيم لمروان في الخان التاريخي الواقع في وسط مدينة دمشق، الذي يُعرف باسم خان 'أسعد باشا'، أن يلخص هذه التجربة الفنية الطويلة والعصية على التلخيص، من خلال عرض أعمال تمثل مراحل الحياة الفنية لمراون· ولا شك بأن هذه التجربة الطويلة والمتميزة، استحقت أن يمنحها الرئيس الألماني وسام الشرف والاستحقاق الألماني تقديراً لمروان و'لجهوده من أجل الدولة والشعب وجهوده كفنان ووسيط في الحوار الثقافي بين الشرق والغرب'·
ولد مروان قصاب باشي في دمشق العام 1934 وفي بيت من بيوت دمشق القديمة بين باب الجابية وباب السريجة· بدأ حياته الفنية ولم يتجاوز عمره الثالثة عشر، وفي الجامعة لم يذهب لدراسة الفنون، بل درس الأدب العربي بين عامي 1955 ـ 1957 قبل أن يغادر إلى ألمانيا· مارس النحت في بداية حياته وحاز على الجائزة الأولى في النحت في معرض الربيع في دمشق في العام ·1957
كان مروان يحلم بإتمام دراسته في باريس إلا أن العلاقات الدبلوماسية السورية مع فرنسا انقطعت بسبب العدوان الثلاثي على مصر، لذلك حاول السفر إلى فرنسا عن طريق ألمانيا، فوجد نفسه في برلين التي وصلها في العاشر من أيلول 1957 حاملاً بعض أعماله الدمشقية فاحتضنتنه المدينة التي كانت مقسمة إلى شرقية وغربية· ولم يكن يعرف أن مصيره سيرتبط بألمانيا، عرف أن هناك أستاذاً في المعهد العالي للفنون التشكيلية، وهو من طليعة فناني ألمانيا الشباب في ذلك الوقت، جاء لتوه للكلية، إنه هان ترير، كان ترير على درجة كبيرة من الثقافة والاطلاع على عالمي التفكير والتصوف، وقد قبل مروان فوراً في مرسمه دون فصول التحضير المسبقة· وبقي مروان في المعهد العالي للفنون الجميلة ـ برلين حتى العام ،1963 وتفرغ للفن منذ العام ،1962 وقد حصل على جائزة كترل هوفر للرسم في العام ·1966
حصل مروان على منحة لمدة سنة في مدينة الفنون في باريس، حيث شكلت هذه المنحة انعطافة كبيرة في تجربة مروان الفنية تحت التأثير الجارف لأعمال سيزان ومونيه ومانيه وكورييه وسوتين· وهنا بدأ تواصله مع ثقافة حرة في فن الرسم· وصار اللون بالنسبة له المادة التي يكتشف من خلالها علاقة الإنسان بالعالم ووجوده في الطبيعة ومعها· وفي العام 1977 عمل برفسورا زائرا في المعهد الذي درس فيه، وفي عام 1980 أصبح برفسوراً دائماً· وهو عضو المجمع الفني في برلين وبراندنبوغ· حصل على جائزة فريد تيلر للرسم في العام ،2002 وجائزة المنتدى الثقافي اللبناني للإبداع العربي ·2005 وأخيراً وسام الاستحقاق الألماني·
سيرة فنية
يحب مروان أن يقسّم تجربته الفنية بدءاً من ذهابه إلى برلين، ويقسمها إلى أربعة مراحل متكاملة، ترتبط كل واحدة بما قبلها بقوة:
المرحلة الأولى: وتبدأ من برلين، وكان البارز فيها تلك التساؤلات التي حملتها اللوحة عن الحياة والوجود، فجاءت مناظر ترتبط بها عناصر المكان والزمان اللامحدد مع شخوص كونية ليس لها شبه إنساني من ناحية الصورة ولكنها تشبه الصورة الأولى للحياة والكون· وغالبا ما كانت هذه الأشكال تأتي أزواجا ثنائية في أعلى اللوحة وأسفلها، وقد جاءت بعد اكثر من 30 عاماً صور الانعكاس وهي لرأسين، الأعلى والأسفل يمثلان ثنائية الحياة· أطلق مروان على تلك المرحلة اسم (التشخيصات)، حيث رسم أشخاصاً يقفون في فراغ غير معين، يتحسسون أنفسهم ويبحثون عن ذاتهم وقد يكونون أزواجاً قريبين من بعضهم ولكنهم بعيدون· إن ذلك التناقض يخلق حركة مستمرة ويعطي موقفين، موقف الإنسان من السؤال المستمر ثم الموقف الفني، وهذان الموقفان ملتحمان مع بعضهما دائما في وحدة متكاملة·
المرحلة الثانية: (1970 ـ 1977) وتعتبر مرحلة اكتشاف الوجه المشهدي، وقد أسماها مروان في ذلك الحين منظر (وجهي)، وهي لوحات عرضية طويلة تأخذ مقطعاً صغيراً من الوجه، وقد جعل من وجهه منظراً وكان في ذلك مجاز لعلاقته بالمناظر التي أشبعت طفولته بها في دمشق والبادية ·· وقد تطور هذا الوجه مع الوقت فأخذ شكلاً شاقولياً·
المرحلة الثالثة: مرحلة الطبيعة الصامتة ومرحلة الدمى حتى عام ،1983 وإذا نظرنا الآن إلى تلك الوجوه ثم الدمى لا نرى فرقاً قاطعاً أو بداية جديدة وإنما استمرارية لعملية الرسم ولكن في شكل جديد·
المرحلة الأخيرة: بدأت منذ عام 1983 ومازالت مستمرة حتى الآن وهي مرحلة (الرؤوس)، وقد اخذ فيها الرأس شكلاً عمودياً منتصباً نحو الأعلى، وكأن في هذا الرأس كل شيء فهو الجذع وكل ما يملك الإنسان والطبيعة من ماهية وخصائص وأحاسيس وجودية متضاربة يفصح عنها هذا الرأس في فرادة يتغير بها الجواب مع الوقت ومع بصيرة المتلقي·
ويعتبر مروان سيرورة هذه المراحل كلها مترابطة مع بعضها، كالنهر الذي يأتي من منبعه ويسير في السهول والوديان ويأخذ طريقه في فراش على الأرض متجها بكل إصرار وثبات نحو وجهته من النبع إلى المصب·
حضور البشر
تتمركز تجربة مروان حول البشر، حتى عندما يغيبون عن اللوحة فهم موجودون فيها بقوة، إن ما يرسمه مروان من صور البشر، التقطت في لحظة عابرة، حاملة تعابير تتجاوزها، لذلك نجد صور البشر عنده نبعا لا ينضب، يتجلى فيها كل شيء مرئياً، وتسائل كل شيء، وتقول ما لا يمكن أن يقال، وتجعل ما لم يشاهد سابقاً مرئياً· ولوحاته في الطبيعة الصامتة، مليئة بالشعور بالامتلاك الحسي، بحيث يبدو ما هو صامت قابلاً للحوار من خلال الحيوية التي عليها الصامت، وقد رسم مروان في بداياته عددا من المناظر الطبيعية يظهر فيها شخوص منعزلة· ولكنه تخلى عنها بعد ذلك، لا لأنه يحمل هذه الصور في ذاته فحسب، ولا لأن الطبيعة كانت عزيزة عليه جداً في شبابه، وإنما لأنه لم يعد بحاجة إلى رسم مناظر طبيعية، منذ أن تمكن من جعل كل الميزة الحسية المرتبطة بالطبيعة المحيطة تتسرب بكل بداهة إلى صور البشر التي يرسمها، وليس فقط إلى لوحاته الموسومة بـ'وجوه مشهدية' على تعبير الناقد الألماني يورن ميركيرت·

اقرأ أيضا