الاتحاد

دنيا

الســــاعاتي: يداوي الساعات وهــو عليل!


حوار ــ هناء الحمادي:
تحملها معك أينما ذهبت، فهي صديقة وفية، تدلك على الوقت لكي تستطيع أن تنظم حياتك على النحو الذي تريد، وهي مستشارك الأمين الذي ينبهك في حال تأخرت عن أي عمل أو موعد، وربما تمد لك يداً أخرى عندما يصافح صوتها أسماعك في الصباح فتهب من نومك لتلحق بعملك·
إنها الساعة··· سيدة الوقت ومليكته المتوجة، ترعاها وتهتم بها، وقد تتيه بها دلالاً إن كانت غالية الثمن، وربما ترميها أرضاً إذا توقفت عقاربها عن العمل··· لكن الأمر لم يكن على هذا النحو فيما مضى من الأيام حيث كانت الساعة شيئاً غالياً وعزيز المنال، لهذا لم يكن أحد يجرؤ على رميها أو التخلص منها في حال أصابها العطب، بل يركض إلى 'الساعاتي' ليداويها ويعالجها ويعيد الصواب إلى عقاربها·
وإذا كانت علاقتنا مع الساعة تقتصر على ما يتحصل لنا من فوائدها فإن علاقة فراس صوفان معا شيء آخر مختلف تماماً، إنها عشرة عمر وقصص وأسرار بدأت منذ كان في الحادية عشرة من عمره، حيث تعلم هذه المهنة من والده الذي كان يعمل في تصليح الساعات ويأتي بها إلى البيت لتصليحها وكان ذلك الطفل الصغير بجسمه والكبير بفكره وسرعة بديهته يديم النظر إلى والده، ويتابع بدقة متناهية أنامل والده وهو يقوم بفك وتركيب وتصليح الساعة، حتى شعر في أحد الأيام انه قادر على أن ينافس والده في هذه المهنة· فافتتح محلا في 'حامد سنتر'، وبفضل مهاراته المتميزة والأجر القليل الذي يتقاضاه والثقة التي يتمتع بها، حاز دكانه على تفضيل الكثير من الزبائن وذاعت شهرته·
في هذا الحوار نبحر مع فراس صوفان في أسرار هذه المهنة·
لا تقدر بثمن
يقول فراس: 'الساعات لم تعد ثمينة كما سبق أن كانت في الماضي، ولكنها بالنسبة لي لا تقدر بثمن، فمنذ كنت في الحادية عشرة من العمر أقوم بإصلاح الساعات، وقد استطعت أن أفتح هذا المحل الصغير الذي لا يكاد يتسع لشخصين فقط والطاولة التي تضم الكثير من أدوات تصليح الساعات والمفكات والسلك والمقص وغيرها من المستلزمات التي أحتاج إليها في فك وتصليح الساعة، هذا المحل الصغير الذي يبلغ طوله متران ونصف، وعرضه متر وسبعين يدخل مردودا ماليا لا بأس به يمكنني من العيش في مستوى معيشي جيد'·
وعن ديمومة هذه المهنة وانقراضها يقول فراس: بعد أن أصبحت العمالة الآسيوية هي التي تقوم بإصلاح الساعات وتمارس هذه المهنة، لم يبق فيها من العرب سوى قلة لا تزيد على عدد أصابع اليد، هذه المهنة تتراجع سنة بعد أخرى، وقد تنقرض في غضون وقت يسير فالزبون يذرع الأسواق جيئة وذهاباً بحثاً عن محل يقوم بتصليح الساعات، وما أتمناه حاليا هو أن تكون هناك أيد عاملة كثيرة تقوم بتصليح الساعات، لأن الساعة مهما تطورت تقنيتها تحتاج إلى يد المصلح، فإذا انكسر زجاجها أو تأخرت عن الوقت أو تقدمت فإنها حتما تحتاج إلى تصليح'·
الحق على الإلكترونيات
ويتابع فراس كلامه: 'حدث انقلاب كبير في عالم الساعات، وازدحمت الأسواق بالبضائع الهائلة والنماذج والنوعيات المختلفة من الساعات الإلكترونية التي تسير بالبطاريات، مما أدى إلى ندرة هذه الحرفة ولم تعد صيانة الساعات أو إصلاحها ترى إلا فيما ندر، وحتى بالنسبة لمن استمر فيها لم تعد هذه المهنة ذات عائد يستحق التفرغ لها، وكان لا بد أن يحدث هذا لأن الشخص إن أراد إصلاح ساعة الكترونية فإن عليه أن يدفع نظير ذلك ما يوازي سعر ساعة جديدة أخرى بديلة، وهنا يفضل المرء أن يرمي بالساعة االمعطوبة التي تحتاج إلى إصلاح ويشتري ساعة جديدة تمكث حتى نهاية عمرها الافتراضي ولا يضيره ذلك في شيء·
يقول فراس أن المحل الذي يصلح فيه الساعات بيته، وأنه عالمه الخاص، ويضيف: على هذه الطاولة التي أتكئ عليها أصلحت الكثير من الساعات الثمينة والمميزة، وأمضيت ساعات وساعات ليلا ونهارا أفك وأركب الآلاف من الساعات النادرة التي تحمل كل واحدة قصة وحكاية·
لا أعرف غيرها
؟ لو حصلت على مهنه أخرى ـ هل ستترك تصليح الساعات؟
؟؟ هذه هي المهنة الوحيدة التي أتقنها، ولو حصلت على مهنة أخرى فإنني لن أتنازل عن مهنة تصليح الساعات التي تعلمت منها الصبر والدقة وقيمة الوقت وطول البال، ناهيك عن أنني استطعت أن أغير ساعات الكثير من الزبائن، لتعمل بحيوية ودقة أكثر، وبخصوص الساعات التي أفضل تصليحها والتي أجد نفسي قادرا ومتمكنا من إتقانها فهي 'ساعات الاوتوماتيك' والسبب أن هذه النوعية أكثر تعقيدا من غيرها وأجد متعة في إصلاحها، فهي تعطيني ثقة وإرادة بأنني قادر على أن أعيدها إلى الحياة من جديد· أما أفضل أنواع الساعات لدي فهي القديمة مثل 'جوفيال، رولكس' وغيرها من الساعات القديمة، فهذه النوعية من الساعات القديمة صنعت بإتقان ودقة بعكس الساعات التي تباع في الوقت الحاضر والتي تصنع من أجل التجارة والربح لا أكثر·
؟ ما هي أدوات أصلاح الساعة؟
؟؟ من أهم أدوات إصلاح الساعة العدسة التي تقوم بتكبير القطع الصغيرة جدا التي تتكون منها الساعة، والتي أصلح من خلالها العطل الذي أوقف الساعة عن الحركة، إلى جانب الملقط الذي أمسك به الأشياء الصغيرة، إضافة إلى الدهن والبنزين والأسلاك الصغيرة، والمفك، وكل هذه الأدوات ضرورية لكل من يمتهن هذه المهنة·
لكل ساعة سعر
؟ كم من الوقت تقضيه في إصلاح الساعات؟
؟؟ الساعات مختلفة، فساعات الأوتوماتيك تحتاج إلى وقت (نصف ساعة أو أربعين دقيقة)، والساعات التي تعمل بالبطارية قد تحتاج من (10ـ15) دقيقة، أما تغيير الجلد فلا يحتاج أكثر من (5 دقائق)، وتختلف أسعار إصلاحها حسب النوعية وطبيعة العطب أو العطل فالساعة الثمينة أصلحها من (25ـ30) درهم فهي تتطلب تغيير البطارية وهذه النوعية من البطاريات تدوم لفترة طويلة جدا، أما الساعات العادية فتكلفة إصلاحها تبلغ خمسة دراهم فقط، وبشكل عام، أنا أحاول في عملي أن أرضي الزبون قدر الإمكان وأحصل على ما قسمة لي الله من هذه المهنة الشريفة التي لا أعتقد أن أحداً يشعر بالخجل منها، فهي مهنة متواضعة لكنني أجني منها مالاً حلالاً ومن عرق جبيني أحصل على رزقي· والحمد لله فالكثير من رواد محلي يثنون على مهارتي ودقتي وسرعتي في إصــــــــــلاح الساعات وهذا اعتبره أكبر وسام على صدري فيكفي أن يثق بي الكثير من الزبائن من مختلف الجنسيات وما يهمني في المقام الأول هو أن يكون الزبون راضٍ عما أقدمه له في أقل وقت ممكن·

اقرأ أيضا