الاتحاد

دنيا

الولد سند ·· وهمّ البنات للممات!

تحقيق وتصوير- فداء طه:
'يارب ولد'·· أمنية ودعاء يردده الكثير من الآباء، سواء في السر أو في العلن، حين يعلمون أن بذورهم تحركت في أحشاء زوجاتهم·· وإذا توقف الأمر عند التمني فليس في الأمر مشكلة، ولكن مما يثير الحنق أن عددا كبيرا من الأزواج يبدي انزعاجه من إنجاب الأنثى ويلقي باللائمة في ذلك على نسائهم، بل إن منهم من يطلقون زوجاتهم أو يتزوجون عليها بأخرى، لأنها لم تستطع أن تنجب له الذكر!
ورغم أن عهد الجاهلية قد ولى وولت معه عادات وجرائم وأد البنات، بعد أن جاء الإسلام وأوصى بالبنات خيرا، إلا أن حس الجاهلية مازال يسيطر على تفكير الكثير من الآباء ومازالوا كلما حملت زوجاتهم، رددوا الدعاء التقليدي 'يارب ولد'··
ها نحن الآن في القرن الواحد والعشرين فيما يقترن بالأذهان دساتير العلم والتكنولوجيا والتحضر إن صح التعبير، ولايزال لتلك المواقف من الوليدة الأنثى وقعها الأليم، وقد التفتت إلى ذلك منظمتان تابعتان للأمم المتحدة، هما منظمة الصحة العالمية ومنظمة رعاية الطفولة اليونيسيف ، فأصدرتا تقريرا نشر حديثا جاء فيه·· 'إن النساء في سوريا والأردن يعبرون بوضوح عن رغبتهن في إنجاب أطفال ذكور وتزداد هذه الرغبة في كوريا الجنوبية وبنجلاديش، ثم تزداد أكثر في باكستان ونيبال، أما في عدد كبير من بلاد الغرب وفي الفلبين فإن الرغبة في إنجاب بنت أو ولد متساوية تقريبا، وإن كانت النساء يرغبن في أن يكون الوليد الأول ذكرا، ويبررن ذلك بأن الأولاد لا يتطلبون الجهد الشاق الذي تتطلبه البنات في الرعاية والتربية، فإلى جانب ذلك فإن الأب يريد طفلا ذكرا يحمل اسم العائلة·
ومن أسباب الإقبال على الأطفال الذكور عوامل اقتصادية بحتة حيث يرجى أن يشبوا أقوياء قادرين على العمل في الحقول، وكفالة الأبوين حين يطعنان في السن· ويقول التقرير إنه كلما ارتفعت نسبة الفقر كلما كان حظ البنت أقل من حظ الولد، فقد لوحظ أن نسبة المصابات بسوء التغذية في بنجلاديش تصل إلى 14% في حين لا تزيد نسبة الأولاد المصابين على 5% فقط، لأن العناية الغذائية والصحية بهم تكون أكبر، وقد لوحظ أن الأمهات يفطمن الأنثى قبل الآوان في حين يرضعن الطفل الذكر لمدة أطول وفي بعض أنحاء الهند يباعدن بين الولادة الأولى والحمل ثانية بالامتناع عن العلاقة الزوجية حين يكون المولود الأول ذكرا·'
الولد 'سند'··
والحقيقة أن الواقع الذي نعايشه يوميا والأحاديث التي تدور بين الناس وفي عيادات أطباء 'النسائية والتوليد'، تؤكد بل وتثني على هذا التقرير· فهنالك الكثير من الناس يعلنون صراحة حبهم وميلهم لإنجاب الذكر على حساب الأنثى، أما تفضيل البعض الاخر لانجاب الأنثى فهم الشواذ على القاعدة الأصلية··
يقول محمد هشام، أب لولدين وبنت: منذ أن تزوجت كنت أتمنى أن يكون لدي ولدان وبنت، والله رزقني مثل ما تمنيت·· ويعترف محمد صراحة بأن الآباء، في مجتمعه بتونس، يفضلون الأولاد على البنات، وذلك لاعتقادهم بأن الولد ولي أو 'سند' أبيه ويحمل اسم العائلة، أما البنت فنربيها ونكبرها ونعلمها ثم تذهب لرجل غريب وتحمل اسمه·· ومع هذا، يضيف، ولكن بشكل عام فنحن الآباء نحب أن يكون لدينا الذكر والأنثى وهذا طبع الإنسان، إذ يحب أن يكون لديه أطفال من الجنسين، ولو كانت كل خلفتي من الذكور لتمنيت إنجاب الإناث، هذا أمر طبيعي، ولو كانت تسمح لي الظروف لأنجبت المزيد من الأطفال، أما في ظل الظروف الحالية فهذا يكفي والحمد لله·
أيمن الجابي، متزوج حديثا، قال إنه يتمنى أن ينجب الأولاد، ولا فرق لديه في الجنس بين الذكر والأنثى المهم أن يرزقه الله الخلف الصحيح الجسد المعافى من الأمراض· أما عن قرارة نفسه بصراحة فقال، إنه بالتأكيد في قرارة نفسه يحب إنجاب الذكر والأنثى أيضا·
وعن رأيه تحدث أحمد الشامسي، لديه أربع بنات وولد، قائلا: بالنسبة لي كلهم أولادي وأحبهم جميعا، ولا أفرق بينهم، ولا شك أن طبيعة الحياة التي أعيشها مع عائلتي كفيلة بأن لا تشعرني بشيء غير طبيعي بالنسبة لإنجاب الذكور والإناث، فأنا وأخوتي نسكن في نفس المنزل وأولادنا يعيشون معا ويلعبون معا، فلا يشعر ابني بأنه وحيد أو بحاجته إلى أخ، وأنا كذلك أشعر بأن أولاد أخوتي هم أولادي·
وحول الفرق بين الولد والبنت اعترف الشامسي بأنه ليست هنالك فروق بين الولد والبنت سوى أن تربية الأولاد أصعب بالنسبة للوالدين، ثم استطرد: 'ولكن إذا كان هذا الولد هو رأس مالي فيجب أن أعتني بتربيته ولا أفسده بالتدليل'، معترفا بأنه يتمنى أن ينجب أخا لولده··
ورغم شكوى (خ، ق)، ولديه أربعة أولاد وابنتان، بأنه لم يتمكن من النوم ظهرا بسبب ضجيج الأولاد وصراخهم، إلا أنه صراحة يفضل إنجاب الذكور، فالولد يأخذ اسم أبوه أما البنت فيربيها الأهل ويعلمونها وعندما تكبر تروح لرجل غريب·
وأضاف قائلا: مع أن البنات أسهل في التربية وأكثر حنانا على الوالدين، ولكن الولد أقرب بالنسبة لأبوه وعياله يحملون اسم العائلة بينما البنت فعيالها ملك لأهل زوجها وليس لأهلها··
بدوره قال (أ، ح) إنه صراحة يكره إنجاب الإناث، وعندما حملت زوجته كان يدعو الله بأن لا تنجب البنات، والحمد لله أنه استجاب لدعائه فرزقه بولدين ذكرين·
أما عن سبب كرهه لإنجاب البنات، فقال: يقول المثل 'هم البنات للممات'، وأنا ماذا سأستفيد إذا ما أنجبت بنتا أربيها وأعلمها ثم تروح لرجل غريب وأولادها يحملون اسمه!
يقول فياض السعدي، لديه 3 أولاد وابنتان، إنني شخصيا أميل للبنات قليلا وأفضل إنجابهم وهذه قناعتي، والمهم بالنسبة لي أن يكون لدي' خلفة' أو نسل مني بصرف النظر عن الجنس، أما أن الله رزقني بالولد أوالبنت فهو نصيب من عند الله ونعمة لا يد لي فيها·
ويرى السعدي، بخلاف غيره من الآباء، أن 'العزوة' ليست في إنجاب الذكر وإنما 'العزوة' في التناسل بشكل عام، وأنا أعتقد أن شعور الأبوة شعور عظيم سواء للولد أو للبنت، أما مفهوم العزوة التقليدي بأن الولد يسند والده فهذا الكلام لم يعد صحيحا بل على العكس فالولد اليوم يظل تحت رعاية الأهل وبحاجتهم ماديا ومعنويا حتى بعد أن يكبر ويتزوج، ولكن المرجو من هؤلاء الأولاد والبنات هم شيء أن يكونوا صالحين يدعو لوالديهم بالرحمة والمغفرة بعد وفاتهما·
وتؤكد زوجته، فعلا زوجي يحب البنات أكثر ويميزهن قليلا عن الذكور غير مبال بالنظرة الذكورية التي مازالت تحابي الذكر على الأنثى·· أما بالنسبة لها فقالت، نعم أظن أن النظرة مازالت ذكورية بالفعل من حولنا، فإذا لم تنجب المرأة الولد يدعو لها من حولها بإنجابه، وإذا أنجبت ولدا يدعون لها بأخ لهذا الولد·· وهكذا، وقلة من الناس من يتمنون إنجاب البنت، ولكن مسألة الإنجاب في النهاية هي رزق وقسمة مقدرة من عند الله عز وجل، ولكل شيء في الحياة حكمة·
معاناة النساء
ولا يبرز حديث الرجال ورغبتهم الواضحة في إنجاب الذكور على حساب خلفة الإناث معاناة النساء كلها في هذا الجانب إذ يلقى على عاتقهن المسؤولية الكبرى في جريمة إنجاب الإناث، تفاصيل أخرى من المعاناة ترويها النساء في حديثهن التالي:
إحدى السيدات، قالت: لدي أربع بنات ولا أشعر برغبة في إنجاب المزيد ولكنني الآن مضطرة للحمل والإنجاب بسبب تهديدات حماتي لي، إذ هددت بأنني إذا لم أحمل وأنجب الولد فسوف تضغط على زوجي كي يتزوج من أخرى تستطيع أن تنجب له ولدا يحمل اسمه ويرثه خاصة وأنه يملك الكثير من المال·· ومع أنني حاولت مرارا أن أفهمها بأن موضوع الإنجاب هذا قسمة ونصيب لا يد لي فيه، إلا أنها مازالت تتدخل في حياتي وتنغص علي وتشعرني بأنني المسؤولة عن عدم إنجاب الذكر·
وقالت إحدى النساء الحوامل، عندما سألتها عن رغبتها في جنس الجنين: بالنسبة لي عقليا أتمنى أن أنجب أخا لولدي، فهذا من شأنه أن يريحني من كلام الناس وتدخلاتهم في حياتي، أما عاطفيا فأتمنى أن أنجب بنتا لكي تكون صديقتي في المستقبل·
أم أحمد، ولديها ثلاثة أولاد وبنتان، أكدت في حديثها على أن المرأة تعاني في مجتمعنا العربي من مسألة إنجاب الذكور والإناث من خلال سردها لتجربتها الشخصية، حيث قالت: لقد أنجبت في البداية بنتا، ثم شعرت بضغط علي من جهة أهل الزوج لكي أحمل وأنجب لهم ولدا يحمل اسم والد زوجي، وخلال فترة الحمل الثانية عشت فترة نفسية صعبة بسبب تخوفي من إنجاب أنثى، ولم يخفف من شدة الضغط سوى تطمينات والدتي التي كانت ترفع معنوياتي بحدسها أنني سأنجب ولدا، ثم عندما أنجبت الولد شعرت بالراحة لأني أرضت زوجي وأهله··
وروت إحدى السيدات تجربتها مع هذا الموضوع: لقد أنجبت في البداية بنتا، وكنت أتضايق من حماتي عندما تقول لي 'الله يعوض عليكي بالولد' كانت هذه الكلمة تشعرني وكأني لم أنجب قط، وبعد أن حملت فوجئت بالجميع من حولي يدعون لي ويتمنون بأن أنجب ولدا، رغم أني لم أفكر بهذا من قبل ولم أطلب من الله سوى خلفة سليمة معافاة، بل على العكس فقد كنت أتمنى بنتا أخرى، ولكني تعرضت لضغط شديد ممن حولي خلال الحمل برغبتهم في أن أنجب الذكر، والغريب أن هذه الرغبة كانت تصدر كذلك من أشخاص لا يمتون لي بصلة وأعرفهم معرفة سطحية، وكأن هذا الولد سيعيلهم هم أو سيفعل لهم شيئا·· وبسبب هذا الضغط غير المباشر ممن حولي، أصبحت أتساءل: ماذا سيقولون عني لو أنجبت بنتا، سيقولون المسكينة أنجبت بنتا، وستظل حماتي تقول لي 'الله يعوض عليكي بالولد' فأصبحت أتمنى أن أنجب الولد لكي أستر نفسي مع الآخرين، علما بأن زوجي لم يبد رغبته بإنجاب الولد أمامي··
وها هي امرأة أخرى، لديها أربع بنات، تحكي عن تجربتها: عندما حملت بالبطن الرابع أحببت وزوجي أن نعرف جنس الجنين وذلك لرغبتنا في إنجاب ولد، ولما ذهبت إلى الطبيب سألني ما عندي من أولاد، فقال له زوجي بسرعة لدينا أربع أولاد، فقال الطبيب مبروك في بطنك بنت، عندها لم أتمالك نفسي وأجهشت بالبكاء، فأنا أتمنى أن يكون لدي ولد·· وتضيف: أنني أحب بناتي وكذلك زوجي رجل مؤمن بنصيبه ولكن الإنسان يحب أن يكون لديه من الذكور كالإناث، ولهذا فسوف أظل أحمل حتى أنجب الولد·

اقرأ أيضا