الاتحاد

تقارير

كندا بين الحكومة والموقف الشعبي

في خضم حرب إسرائيل الوحشية والمتواصلة ضد غزة، وفي ظل الرأي العام الكندي الشعبي ومواقفه المشرفة في التظاهرات والمواكب التي شهدتها معظم المدن الكندية الكبرى والصغرى رافضة عدوان إسرائيل وجرائمها ضد السكان المدنيين وتعاطفه الإنساني مع ضحاياها من الأطفال والنساء وكبار السن، كان السؤال المشروع: أين موقف كندا الرسمية -الحكومة ''المحافظة'' والمعارضة الرسمية ''الليبرالية''- من هذا العدوان والانتهاكات الواضحة والمسجلة التي تقوم بها إسرائيل بالتحدي للقانون الإنساني؟
ما يجعل السؤال مهماً ومقلقاً للمواطن الكندي المستنير، يعود إلى التصور العام والصورة التي رسمها في ذهنه ذلك المواطن لبلده عبر عقود من الزمن كبلد محب للسلم وداعياً إليه، ومساهماً نشطاَ في محاولات المجتمع الدولي في حل مشاكل الحروب والمساهمة في جهود الأمم المتحدة وقواتها ومنظماتها لحفظ السلام والمساهمات التاريخية الكندية في تكوين قوات الأمم المتحدة في حفظ السلام التي يذكر الكنديون بالفخر أن الاقتراح بتكوينها كان اقتراحاً كندياً لأول مرة أثناء العدوان الثلاثي (البريطاني- الفرنسي- الإسرائيلي) على مصر عام ·1956
حتى زمن قريب كانت السياسة الكندية تميز نفسها عن كثير من دول الغرب -المنحازة في الغالب إلى جانب إسرائيل في صراعها وحروبها التاريخية ضد الفلسطينيين والعرب منذ نشأته· وكانت السياسة الخارجية الكندية تتعامل مع الصراع الإسرائيلي ومشتقاته بحياد وحساسية عالية حتى تظل محتفظة بموقفها الرسمي المعلن، وحتى تتمكن عندما يكون مطلوباً منها أن تساهم في قوات حفظ السلام وفي المهام الإنسانية، وفي أحيان كثيرة لم يكن هذا ''الموقف الأخلاقي'' الكندي، محل رضاء حلفائها الغربيين، وخاصة جارتها الكبرى الولايات المتحدة· وظل هذا الموقف حتى زمن قريب موقفاً متفقاً عليه من جميع حكومات كندا المحافظة والليبرالية، فماذا حدث حتى وقع هذا التحول الغريب هذه الأيام خلال حرب إسرائيل على غزة؟
أولاً بالنسبة للحكومة المحافظة ورئيسها الذي لم يصدر عنه حديث أو تصريح طوال أيام الحرب، وترك ذلك الأمر لوزير الدولة للشؤون الخارجية المعين حديثاً·· هذا الوزير تحدث وأبدع في إعلانه -نيابة عن الحكومة طبعاً- عن تأييد دولة إسرائيل ''الديمقراطية'' ودافع عن حقها الشرعي في الدفاع عن سكانها المدنيين الذين ظلت ''حماس'' تهاجمهم (لمدة عشر سنوات) وليس من سنين كما قال· وحمَّل ''حماس'' مسؤولية القتلى والجرحى الفلسطينيين الذين يحتاجون للغذاء والدواء···إلخ· وقال إن ''حماس'' هي المسؤولة عن مأساة سكان غزة بإرهابها المستمر لإسرائيل وسكانها، وأن من حق إسرائيل الاستمرار في تنفيذ حملتها الدفاعية حتى تحقق أهدافها! يذكر أن هذا الوزير يمثل في البرلمان دائرة انتخابية يشكل فيها الناخبون اليهود 36% من الناخبين!
أما الموقف الأعجب والأغرب، هو موقف حزب المعارضة الرسمي الحزب ''الليبرالي''، الذي يُوصف عادة بأنه صديق للعرب ومتعاطف مع الفلسطينيين· فالحزب توصل أخيراً لـ''تعيين'' رئيس جديد بعد معارك داخلية ومؤامرات سياسية، وهذا الرئيس قبل أن يصل إلى منصبه سجل موقفاً مشرفاً عندما أدان عدوان إسرائيل على المدنيين في قانا اللبنانية عام 2006 ووصفه بأنه يرقى إلى جريمة حرب· هذا الموقف أثار عليه ثائرة اليهود الكنديين وخاصة ''الليبراليين ''منهم، وظلوا يحفظون له هذا الموقف القانوني المشرف، ويذكرونه به حتى بعد أن أصبح رئيساً للحزب ''الليبرالي'' أخيراً، لذلك لم يبد غريباً لكثيرين من أعضاء حزبه موقفه القوي والمتشدد في تأييد العدوان الإسرائيلي وهجومه العنيف على ''حماس''، وكأنه في سباق مع الحكومة في إعلان تأييده وصداقته مع إسرائيل!
وهكذا فإن ألاعيب السياسة الانتخابية الكندية والتزام الحكومة الكندية ''المحافظة'' بالسياسة الأميركية- الإسرائيلية، هي التي دفعت كندا الرسمية الحاكمة والمعارضة، والتي جعلت الكثيرين يتساءلون ماذا حدث لبلدنا الذي كان يفخر بمواقفه السياسية الأخلاقية وخاصة في الصراع الدامي بين إسرائيل والفلسطينيين؟!

عبدالله عبيد حسن

اقرأ أيضا