الاتحاد

دنيا

محمد الحبسي يحفظ مقتنيات أثرية تحت سقف قرية تراثية

زوار يشاهدون معروضات القرية التراثية

زوار يشاهدون معروضات القرية التراثية

قريباً من منطقة خت تقع القليعة، حيث أقام محمد الحبسي قرية تراثية تضم الأدوات التقليدية التي كان أفراد الحبوس يستخدمونها في حياتهم اليومية، والتي لا يزال يحافظ عليها أبناء القبيلة دون أن تغيرهم المدنية والحياة العصرية. وأمضى الحبسي أكثر من عشرين عاماً يجمع الأدوات التي رفد بها متحفه لتبقى حاضرة في أذهان الجيل الجديد، ولا تذهب طي النسيان.

بدأ محمد الحبسي منذ الثمانينات في جمع كل ما يجده من مقتنيات، سواء تلك التي تعود إلى أسرته أو إلى أفراد من القبيلة كي لا تندثر وتنسى، ولكنه كان يضعها في غرف من باب الحفظ فقط، ولكل قطعة قصة خاصة أن هذه القبيلة أحد أهم القبائل التي سكنت الجبال منذ مئات السنين ولا تزال آثار بيوتهم الأصلية تقبع في أعالي تلك الجبال المحيطة بهم، ولكن بعد توفر كافة الخدمات والوظائف والتعليم، نزلوا من حصونهم لتحقيق غاياتهم، ولكنهم لم يقطعوا علاقتهم بالجبل، حيث لا تزال منطقة السلي مكانا يُقصد كل أسبوع من قبل الكثير من العائلات عندما لا يكون موسم لزراعة القمح.
أوانٍ فخارية
يقول الحبسي، وهو ينظر للجبل، إنهم يصلون إلى قمة الجبل سيرا على الأقدام، حيث لا يمكن لأي مركبة أن تصل إلى هناك، والبعض يحمل المتاع على الدواب من أجل رعاية زراعة الحب أو القمح، وهم يعتمدون على مياه الأمطار، حيث تجمع بطرق معروفة لديهم عن طريق برك لحفظ الماء، وكل تحركاتهم قديما تتم عن طريق حسابات «الدرور»، والاهتداء بتتبع النجوم والصلاة كانت على حسب قياس الظل، وإلى اليوم ترعى المواشي طليقة في الوادي بحثا عن الحشائش والنباتات العطرية.
وأقام الحبسي قرية تحمل شيئا من روح المساكن الجبلية الصخرية القديمة، وعمد إلى تنفيذ كل ما يتعلق بالمنزل الأصلي مثل المنطقة الزراعية، ومخزن حفظ الحبوب ومكان طحن القمح، وكوخ أصلي لا يختلف عن تلك الأثرية التي كانت لأجداده.
وفي داخل الحجرة الكبيرة قام بتوزيع المقتنيات الأثرية والتراثية بشكل منسق ينم عن ذوق ووعي بأهمية ما يتم عرضه، وكان هناك تقسيم لكل الأدوات، حيث تم وضع متعلقات حفظ الحبوب وهي الخروس الفخارية جنبا إلى جنب، وهي أثرية وليست نسخ مقلدة، ورص بجوارها الجرار والأدوات التي كانت تعين الرجل أو المرأة.
وهناك عدد من الأواني الفخارية حتى أبريق حفظ وسكب الزيت على الطعام لا يزال لدي الحبسي واحدا منه، إلى جانب تلك الأوعية الفخارية، تم رص آنية نحاسية بكافة أحجامها وكل نوع منها له مهمة، حتى الملاعق بأحجامها تحكي قصة الكرم والضيافة. وأعد الحبسي أماكن وصناديق لها أغطية زجاجية لحفظ القطع الثمينة النادرة، مثل المجوهرات الفضية المطعمة بالذهب أو للخناجر الأصلية التي لها غمد من قرون الغزلان.
بنادق وأسلحة
للبنادق عنده مكانة عالية كما أن لها حصة من مساحة المكان. ويملك الحبسي بنادق ورثها من الأجداد، ومن والده يملك بندقية «أم ميزر»، وهي أصلية ونادرة وتحكي تاريخ رجال القبيلة، الذين عرفوا ببسالتهم وقوتهم واستعدادهم كرجال قادرين على التصدي للحروب، وتشهد لهم وديان المنطقة مثل ملحة والمخيلفة واتمار والغيل، وتشهد لهم جبال الزيدي والظهر والتلع والينس، ويدعو الحبسي من يرغب في معرفة المزيد عن القبيلة وتاريخها إلى الرجوع إلى «جمعية الحبوس للفنون والتراث الشعبي» في إمارة رأس الخيمة.
ويبين الحبسي أن من بنادقهم «أم فتيلة وميزر وأم صمعاء وميزر أم تين»، وتم استخدام تلك البنادق للتحية ولتبادل الإشارات وللتنبيه لوجود مرض شديد، حيث استخدمت البنادق طلبا للمساعدة، وأيضا خلال الاحتفالات. كما يملك الحبسي مجموعة من السيوف، وقد عرض سيف أو كتارة يحمل ختم صلاح الدين الأيوبي الذي يشير إلى الحقبة التي تم صنع السيف فيها.
ومن أغرب ما عرض الحبسي ترس للدفاع عند القتال بالسيف أو الخناجر، وهو مصنوع من مادة القش ومكان تلقى الضربات وهو منتصف الترس مصنوع من الجلد، وكان صغيرا، بحيث لا يمكن أن يخفي خلفه صدر رجل، وذلك يعني أن الرجل الجبلي قوي وواثق، بحيث لا يستتر بترس كبير وإنما بقدر رد الطعنات، كما عرض المحزم وهو نطاق لحفظ وحمل الذخيرة من الرصاص، وكان واحدا منها من المقتنيات القديمة، ولديه مجموعة من الخناجر التي يحملها الرجل يوميا في جيبه للاستخدامات المختلفة.
وتضم القرية أيضا أدوات الحراثة والحصاد، ولذلك قام الرجل الجبلي بالنحت والحفر في الصخور من أجل تلك المواسم حيث نحت أماكن حفظ مياه الأمطار وحفر البرك و»الوعوب» للزراعة، ولم تكن المرأة بعيدة عن كل تلك الحالات والمشاهد، فقد عملت يدا بيد مع الرجل.

المرأة والطفل
في قرية الحبسي قطع خاصة بالمرأة والأطفال تعكس حياتهم اليومية وتبقي ذكرياتهم حاضرة، خاصة أن المرأة الحبسية كانت تشارك الرجل في الإنتاج والتصنيع، فهي تصنع أدواتها أيضا وتصنع مستلزمات أسرتها، ولذلك يوجد ضمن المعروضات الكثير من القطع التي كانت تستخدمها المرأة سواء في الخياطة أو حبك الشعر من أجل صناعة السدو. كما توجد كل أدواتها التي استخدمتها في مكان المعيشة أو في مطبخها حتى الأوعية الفخارية التي تحفظ بها اللبن أو السمن والماء أيضا.
وخارج غرفة العرض أقام الحبسي كوخاً من الحجار الجبلية الأصلية، والذي كان عبارة عن غرفة نوم ومعيشة للأسرة، وهو يقول إن مثل هذه الأكواخ وتسمى «خيمة أو كرين» إن تم بناؤها بشكل جيد وإن كان سقفها من أغصان أو سعف أو خيزران فإنها تمنع تسرب المطر إلى الداخل. كما قام ببناء مظلة وهي تسمى أيضا «سبله» وتستخدم للاتقاء من الشمس لمن لا يرغب في الدخول إلى الحجرة، ويتم استخدامها بشكل يومي وطوال النهار وحتى وقت المغرب، ويمكن للأسرة أن تجعل في زاوية منها مطبخا به تنور للخبر والطهي. ولدي الحبسي الكثير من الصور الجمالية التي تعكس حياة الحبوس، يطرحها بشكل بسيط خال من التعقيد، وهو يأمل في أن تجتذب القرية الزوار كي يتعرف العالم على قبيلة الحبوس.

اقرأ أيضا