الاتحاد

تقارير

تركيا.. تهديدات جيولوجية وجيوسياسية

في إسطنبول، لا يزال من المرجح أن يموت الناس بسبب زلزال أكثر من الموت في هجوم إرهابي. وهو تفكير ربما يقلق الزائرين والمقيمين على السواء، في ضوء كل ما حدث مؤخراً في تلك المدينة. فهجوم تنظيم «داعش» الإرهابي عشية رأس السنة الميلادية على ملهى ليلي في إسطنبول جاء في أعقاب سلسلة من التفجيرات الوحشية على مدار العام المنصرم. وتركت تلك الهجمات المواطنين الأتراك في حالة صدمة، وحملت كثيراً من السياح على التردد في زيارة واحدة من أهم المدن في الدولة.
غير أن خبراء الزلازل يقولون إن أي زلزال مدمر في إسطنبول لا يزال يمثل خطراً أكبر، حتى وإن أصبح من الشائع أن تشتت الأعمال الإرهابية الخطيرة انتباهنا عن التهديدات الكبيرة إحصائياً، ويبدو التباين في حالة إسطنبول مذهلاً.
وتقبع المدينة على حزام زلازل نشط، ويعني التوسع العمراني السريع على مدار الأعوام الخمسين الماضية أن ملايين المقيمين في إسطنبول يعيشون في شقق سكنية تم إنشاؤها بتكلفة رخيصة. وعلى الرغم من اختلاف التقديرات على نحو واسع النطاق، فإن كثيراً من الخبراء حذروا من أن إسطنبول تواجه خطر المعاناة من وقوع زلازل خطير خلال العقدين المقبلين. وفي ضوء عدد المساكن في المدينة، من الممكن أن يقتل أي زلزال كبير أكثر من 50 ألف نسمة، ويشرد أكثر من نصف مليون إنسان.
ولعل التخفيف من المخاطر التي يمثلها أي زلزال يبدو مهمة شاقة في حد ذاته، إذ إن تعزيز البنية التحتية الحيوية والمباني السكنية في الأحياء المعرّضة للخطر يمكن أن يكلف أموالاً باهظة، بينما يحتاج تشديد قوانين البناء في مواجهة المقاولين الفاسدين إلى إرادة سياسية. وكلتاهما خطوة مهمة، فحتى الجهود المحدودة يمكن أن تنقذ أرواحاً!
ويشير خبراء الزلازل بصورة منتظمة إلى أن الهزات الأرضية لا تقتل الناس، وإنما المباني، ولهذا السبب تكون خسائر الأرواح في الدول الفقيرة مثل هاييتي أعلى بكثير من تلك التي تنتج عن زلازل مماثلة في كاليفورنيا أو اليابان. والمثير للقلق، أن معظم توصيات السلامة من الهزات الأرضية تكون مخصصة لأشخاص يعيشون في مجمعات تم بناؤها بشكل جيد. وفي غياب أي نصائح موثوقة، يُترك الناس في أكثر المباني خطراً للاعتماد على معلومات قد تكون خاطئة ومن ثم تؤدي إلى قتلهم.
وقد أعلنت الحكومة التركية في السابق عن عدد من الحملات للتعامل مع مخاطر الزلازل التي تواجه إسطنبول، بيد أن الخبراء يحذرون من أن هذه الخطط غير ملائمة. وحتى في ظل الاحتياطات الشديدة، ستكون التداعيات المدمرة لأي زلزال كبير كارثية على تركيا بأسرها.
وستكون التكلفة البشرية ضخمة، لكن مثل هذه الصدمة من شأنها أيضاً تفاقم التهديدات الكثيرة الأخرى التي تواجه الدولة، خصوصاً أن تركيا تخوض حرباً على جبهتين ضد تنظيم «داعش» و«حزب العمال الكردستاني». وردت الحكومة في أنقرة الصيف الماضي على محاولة انقلاب فاشلة بإجراءات أمنية مشددة، تاركة الدولة في حالة من الاستقطاب وعدم الاستقرار. وفي الوقت ذاته، تتعامل الدولة مع تراجع في الإيرادات السياحية وتكلفة إيواء مليوني لاجئ سوري، وهو ما يزيد من مخاطر أي صدمة إضافية.
وقد أدت الأوضاع الجيوسياسية إلى زعزعة الاستقرار في إسطنبول بالفعل، من خلال الجمع بين النازحين والاضطرابات الاقتصادية وزعزعة الاستقرار السياسي. وفي أي لحظة، ربما تكون الظروف الجيولوجية أكثر التحديات سوءاً.

*محلل السياسات لدى «مركز السياسات الحزبية»
يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفيس»

اقرأ أيضا