الاتحاد

دنيا

عارضات الأزياء·· ثروة منغوليا القومية


الاتحاد - خاص:
يحسب الزائر، الذاهب إلى منغوليا لأول مرة، انه لن يرى سوى كثبان رمال وصحارى شاسعة لاهبة، وسوى خيول ناس البلد، أحفاد 'جنكيز خان'·· لكن الدهشة تبدأ فور الدخول إلى العاصمة 'اولان - باتور': طرقات دولية وجادات طويلة عريضة، مبان فخمة، مقاهي انترنت وسيارات حديثة، إنما من دون أن يعني ذلك أن منغوليا التاريخ قد تغيرت أو اندثرت·· وليس على الراغب برؤيتها سوى الذهاب إلى خارج المدن·
وربما لم تجد منغوليا سبيلا للانفتاح على العصر أفضل من الجمال خاصة وأن حفيدات 'جنكيز خان' يتميزن به، ويبدو أن منغوليا عثرت أخيراً على ثروتها القومية التي تؤهلها لنفض غبار العزلة التاريخية من خلال 'صنع وتصدير' عارضات أزياء منغوليات فاتنات إلى الخارج·· والحكاية في التفاصيل التالية:
بعد تسعة قرون من العزلة التاريخية، وبعد سبعين عاماً من التقوقع داخل الستار السوفياتي، سارعت العاصمة المنغولية إلى اللحاق بقطار الحداثة·· وبسكانها البالغ عددهم الآن حوالي المليون، تشكل مدينة 'اولان باتور' ما يوازي ثلث إجمالي سكان منغوليا·· إضافة إلى مجموعات من آلاف البدو الذين يهربون من زمهرير الصحارى خلال فصلي الشتاء القاسيين ويأتون لإقامة مخيماتهم الموسمية عند تخوم المدينة العاصمة الأكثر دفئاً·
واللاقت في 'اولان باتور' أيضاً أن الشباب يشكلون 75 في المئة من سكانها، وأنهم معروفون بإقبالهم الشديد على الحياة·· وحانات المدينة تعج دائما بهم حيث يفرطون في احتساء بيرة 'جنكيز خان'، فيما تحلق أسراب الصقور فوق الحدائق المكشوفة لتلك الحانات·· وعلى غرار الشباب، فشابات المدينة أيضاً دائماً على آخر موضة: سراويل جينز ضيقة، قمصان قصيرة، تسريحات عصرية إضافة إلى الهاتف الخلوي بالتأكيد·
الحفيدات الفاتنات
'بنات منغوليا من أجمل بنات العالم' تقول نرانتيوا مديرة أول وكالة لعارضات الأزياء تأسست في 'اولان باتور' عام ·2001
وتضيف متباهية: 'جمالهن مميز في كل آسيا، إنهن حفيدات 'جنيز خان'· القامات رشيقة ممشوقة، الأكتاف عالية، الشعر أسود، والعيون عسلية لوزية وأوسع وأجمل من عيون اليابانيات، وبعكس الصينيات، السيقان مستقيمة وطويلة مع انهن تتعلمن ركوب الخيل منذ سن الثلاث سنوات·· والأسنان الناصعة البياض أجمل ما في بنات منغوليا وذلك بفعل حليب البغال الذي يشربنه كل يوم·
المفارقة في نرانتيوا أنها سمينة كمصارعي السومو وأن مكياجها كبنات الجيشا، وهي ليست جديدة على المهنة، ووكالتها لعرض الأزياء تقع داخل المبنى الذي كان 'متحف لينين' في الحقبة السوفياتية، تقول: 'لقد أنشأت هذه الوكالة لكي أجعل العالم يكتشف الجانب الآخر من وجه منغوليا، بناتنا لهن مستقبل مدهش وهن مطلوبات دائما إلى الخارج وخصوصاً إلى كوريا وسنغافورة وماليزيا'!
الحلم··· الأميركي
معظم بنات هذه الوكالة، كما معظم بنات منغوليا، لم يسبق لهن أن غادرن إلى خارج البلد حتى الآن·· لكنهن مع ذلك يحلمن بالسفر إلى الولايات المتحدة، ليس حباً بأميركا بل لأنه يمكن إيجاد عمل فيها بسهولة! أعمارهن متناسقة، في حدود السابعة عشرة، والهوايات الأساسية عندهن ركوب الخيل ومشاهدة أفلام السينما والتلفزيون، إضافة إلى برامج محطة الأزياء العالمية·
تسألهن عن أحلام ومشاريع المستقبل، لكن لا جواب، وتوضح إحداهن: 'بالنسبة لنا، كما لسائر المنغوليين، نحن لا نؤمن بوجود الغد، نحن نعيش الحياة يوماً بيوم فقط'·
كاستنغ
على أن الحلم الأكبر لدى الغالبية العظمى من بنات 'اولان باتور' الجميلات، هو أن تصبح ذات يوم عارضة أزياء·· والدروس في وكالة نرانتيوا أو غيرها، مسائية، تأتي إليها البنات بعد انتهاء دوام المدرسة العادية، ومواد التعليم هنا: المشي المتهادي مع التحكم بالتواء الخصر، الجلوس الرشيق إلى جانب كرسي والحركات المضبوطة على إيقاع الموسيقى·
وكما تقول نرانتيوا: 'الأساس هنا هو ضبط الحوار ما بين البشرة والشعر والأظافر·· وكذلك ما بين داخل الجسم وإيقاع الحياة الخارجي·· وتتقاضى البنت من وكالة العارضات أجراً بحدود المئة دولار شهرياً وهو ما يوازي متوسط الأجر الشهري في منغوليا·· أما الانتساب إلى الوكالة فيحصل بوضع إعلانات في الصحف المحلية، تليها عمليات اختيار وتصفية CASTING بالغة الصرامة والدقة·
هل يقتصر كاستنغ العارضات على بنات العاصمة فقط أم يشمل أيضاً بنات بدو الأرياف الصحراوية والجبلية؟
مستحيل، تقول نرانتينوا، لقد تكلمت مرة مع عائلة بدوية من شمال البدو بخصوص عمل ابنتهن في وكالتي·· وكان الجواب أن انهالوا عليّ بالشتائم واللعنات وطرودني وكادوا يقتلوني·· البدو يعتبرون مهنة عرض الأزياء كنوع من الدعارة·
تضيف: 'إنني أتفهم جيداً ظروف البدو، فهم يعيشون بلا كهرباء ولا صحف ولا تلفزيون، وحتى ماء الاستحمام عندهم نادرة·· البدويات جميلات لكنهن خشنات الملمس بفعل قساوة الشتاء الذي تنخفض فيه الحرارة إلى 45 درجة تحت الصفر·
'بولورما'، صاحبة وكالة أخرى لعارضات الأزياء، وهي في الأساس عارضة محترفة ومعروفة في بلدان الغرب·· وفي العاصمة 'اولان باتور' يسمونها 'الآنسة هامر' لأنها صاحبة سيارة الهامر الوحيدة في كل منغوليا·· فائقة الجمال، ممشوقة القدّ طول قامتها 1,90 متر، تتأخر دائماً عن مواعيدها ولا تعتذر: 'أنتم لديكم عقارب الساعة ونحن لدينا الوقت'! تلامذة وكالتها مراهقات من سن الثالثة عشرة إلى السادسة عشرة·
'بولورما' منفتحة وصريحة إلى أبعد الحدود: 'رغم كل ما ترونه من أناقتي وثرائي الفاحش فهذا لا يمنع أنني ابنة عائلة منغولية فقيرة كانت تعتاش من تربية المواشي وتسكن تحت خيمة·· لقد اعتدت منذ طفولتي على سماع عواء الذئاب وزئير الرياح·· وجدّي لشدة ولعه بالخراف كان يحتفظ تحت فرشه بأذني كل نعجة يذبحها لإطعامنا'·
أجمل وجه آسيوي
كانت 'بولورما' في السابعة عشرة من عمرها عندما أصبحت عارضة أزياء، وذلك بفضل والدتها التي قرأت إعلانا في صحيفة محلية: مطلوب فتيات طويلات القامة، وأملاً منها في تخفيف العقدة النفسية لدى ابنتها المديدة أنهت دورة إعداد العارضات في شهرين، سافرت بعدها إلى سنغافورة حيث انبهرت عيونها بلمعان فلاشات المصورين العالمين·· فيما سخرت منها زميلاتها لعدم استعمالها لأي مكياج·· لكن النجاح والشهرة كانا بانتظارها: صور في أشهر مجلات الأزياء الغربية، واشتراك في حفلات عروض أزياء لأشهر الدور من 'ارماني' إلى 'كرستيان ديور' إلى 'كنزو'، إلى أن بلغت القمة بنيلها جائزة مسابقات أجمل وجه آسيوي للعام ·1997
تقول: 'أعظم ما في نجاحي هو رغبتي الحاسمة بنقل عدواه إلى باقي بنات منغوليا·· إنني أعلم الآن المؤهلات منهن كل ما لديّ من خبرة في كيفية المشي والظهور والاعتناء بصحة الجسم والوجه والعيون·· ليس في الغرب حتى الآن نجمة أزياء منغولية، لكن سيكون لنا ذلك في أقرب وقت'·
مأساة البدو
وكالة 'لوك'، الأشهر والأكثر انتشاراً في منغوليا، أسسها 'اونو ندروج' (35 عاما) المصور الفوتوغرافي المحترف والذي تخصص في علوم المعلوماتية في بلغاريا والذي يتقن خمس لغات عالمية، هو أيضاً يأمل من خلال نشر حضارة عرض الأزياء إبراز جمالية الجانب الآخر من وجه منغوليا وإزالة غبار التاريح المتراكم على بلاد 'جنكيز خان' في نظر العالم المعاصر·
وبعكس غيرها من الوكالات، تركز وكالة 'لوك' اهتماماً شديداً على قبائل البدو 'المهددين بالانقراض'، حسبما يرى 'اونوندورج' والذين قد يساهم تصوير العارضات أمام خيمهم، وحتى انتقاء عارضات أزياء من بناتهم، في لفت أنظار العالم إلى الأوضاع المأسوية التي يعيشونها·
المنغولية البدوية 'ناتاشا' تعترف بفضل هذا الرجل شخصياً في تحويلها إلى عارضة أزياء: 'أكسب الآن ما يكفي من المال لإعالة أفراد عائلتي وبعض الأقارب أيضا'·· تضيف: 'أشجع صديقاتي في الخيم الأخرى على احتراف هذه المهنة التي لا تشكل أي مساس بالأخلاق كما يعتقد البعض'!
'أورينت برس'

اقرأ أيضا