الاتحاد

دنيا

عفيفي مطر·· واجه مباخر النفاق بسنابل الشعر


القاهرة ــ حمدي أبوجليّل:
بدأ الشاعر المصري الكبير محمد عفيفي مطر مسيرته الشعرية في الخمسينات من القرن الماضي، واصدر مجلة 'سنابل' التي كانت من أهم المجلات الأدبية المصرية قبل أن تصادر في مطلع السبعينات، وحينما بلغ الأربعين من عمره عام 1975 دُشن مطر رائدا لشعر الحداثة في مصر، وبعض الشعراء والنقاد وجدوا في تجربته بديلا، أو على الأقل معادلا مصريا لتجربة أدونيس رائد شعر الحداثة العربي، ولتأكيد هذا المعنى اصدر تلاميذ مطر من شعراء السبعينات ملفا حول أعماله في مجلة 'الشبان' التي كان يصدرها الاتحاد الاشتراكي في ذلك الوقت، مطلع السبعينات، كانت الساحة الشعرية العربية منفتحة على الشعر القومي والسياسي الذي وصل إلى رفع الشعارات، وعفيفي مطر قاد ما يشبه الثورة على الشعر القومي والسياسي والشعارات، وقدم لغة مختلفة، بمقاييس السبعينات كانت منتجا جديدا، واعتمدت على المجاز والصور والتراكيب اللغوية المعقدة أحيانا، وابتعدت عن الخطاب المباشر وسخرت
من الشعارات·
اصدر عفيفي مطر أربعة عشر ديوانا، بدأت بـ 'مكابدات الصوت الأول'، وانتهت بـ 'مجرة البدايات' واشعاره كانت ممنوعة من النشر في المؤسسة الثقافية الرسمية المصرية حتى فترة قريبة، وساهم مطر في ترجمة الآداب الإنجليزية للغة العربية، واصدر عددا من الأعمال في مجال أدب الطفل تحت عنوان 'مسامرات الأولاد والبنات' وطوال مسيرته نال عددا من الجوائز المحلية والعربية والعالمية أبرزها جائزة طه حسين المصرية وجائزة سلطان العويس الإماراتية وجائزة أركانسان الأميركية· ولد مطر عام 1935 بقرية 'رملة الانجب' شمال القاهرة، واقام في العراق من عام 1976 إلى عام ،1986 وبمناسبة بلوغه سن السبعين أقام أتليه القاهرة ندوة موسعة عن أعماله ودوره في حركة الشعر العربي الحديث، حضرها جمع غفير من تلاميذه في العالم العربي وأدارها الشاعر أسامة عرابي·
لغة متفجرة
وقال عرابي إن عفيفي مطر أحد رموز الشعر العربي الحديث، وحمل على كاهله أمانة تطويره وتميز بثقافة تراثية عميقة هيأت له فهم لحظته الشعرية، لذا لم يقف عند مفهوم الشعر كفن، بل رآه جسرا بين الظاهر والباطن وصولا إلى لغة متفجرة، تحررت من العادي واليومي لتصل لمناقشة الوجود الإنساني·
وأضاف أن مطر حفظ السير الشعبية، وفي ديوانه 'يتحدث الطمي' احتفى بمسامرات الأم، من أجل المعرفة وحقيقة الواقع، مع اقتراب حميم من العجائبي أو الأسطوري، كما حرص على دراسة الفلسفة لتعميق تجربته الشعرية مدركا الوشيجة بين الفلسفة والشعر، فإذا كانت الفلسفة محاولة لفهم العالم، فالشعر، خصوصا شعر عفيفي مطر، هو القدرة على الانغماس في أعماق التجربة الإنسانية· وقال إن عفيفي مطر واجه السلطة بكافة أشكالها، وفي عام 1991 دخل السجن وتعرض لتعذيب رهيب بسبب مواقفه السياسية، والشاعر الراحل صلاح عبد الصبور قال: 'على جثتي نشر ديوان له' حينما كان رئيسا لهيئة الكتاب في ثمانينات القرن الماضي، ود· سمير سرحان رئيس هيئة الكتاب السابق تراجع عن وعده بنشر الأعمال الكاملة لعفيفي مطر بعد أن وقع عقدا معه، غير أن عفيفي مطر أصر على مواقفه السياسية والفكرية، واصدر أعماله في دور نشر خاصة، وهو بذلك يثبت شموخ المثقف وسط مباخر المنافقين، ومجلته 'سنابل' صنعت حركة ثقافية مستقلة، وكانت تمثل كل الاتجاهات وهدفها الأساسي كان إعلاء قيم التجديد في الكتابة العربية، إلا أن خفافيش الظلام انقضوا عليها ووأدوها، كما تربصوا بعفيفي مطر شخصيا في التسعينات· وقال الناقد المغربي محمد برادة: لقد تعرفت أولا على شعر عفيفي مطر واكتشفت انه من رواد الحداثة العربية، ثم تعرفت عليه شخصيا في باريس، ومن خلال التحاور معه أدركت ملامح شخصيته المتميزة، هذا التكتم، وذلك الحذر التلقائي، هو طوال الوقت يشاهد ويتأمل ولكن لا يتكلم كما أن أشعاره تتميز بقدرة خاصة على الانطلاق من الفوضى الأرضية أو الواقعية لمناقشة القضايا الوجودية بمعناها الإنساني الرحب وهي الخاصية التي جعلت عفيفي مطر شاعرا متميزا على المستويين العربي والعالمي وحينما أقرأ شعره أقول 'إنما يبقى الشعراء' ليذكروا ويؤكدوا انه مهما استبد اليأس فإن القصيدة الجميلة تهبنا حب الحياة·· وقال الناقد المصري د· محمد عبدالمطلب إن عفيفي مطر منذ بداياته وهو يبني منزله الشعري لكنه كتب عقد الملكية عام 1975 عندما قدم قصيدته 'فردوس' وهي إشارة إلى انه يبني منزلا من واقع اجتماعي محدد وواضح· وقبل هذه القصيدة كان شعر مطر هراء، هو نفسه قال انه كان 'هراء يعيد إنتاج الهراء'· وأضاف أن منزل مطر الشعري يتكون من أربع عشرة غرفة تبدأ بـ 'مكابدات البدايات' وأهمها حسب تصنيف عبدالمطلب ثلاث غرف في الأولى اطل مطر على بداياته التكوينية وانشغل بالواقع والتحم به ولكنه التحام يمزج الطبيعي بغير الطبيعي، الموجود بالغائب والماضي بالحاضر وفيها يبدأ مطر بذاته ومن خلالها يكتشف مأساة واقعه وهو واقع الفلاحين· وفي الغرفة الثانية تتلخص تجربته من الواقعي لتخلص للصوفي وتعتمد على المشاهدة في البحث عن المادة الأولية في الوجود الإنساني، ولكنه مع معرفة عميقة بأن هذه المادة مشوهة وليست نقية كما بدا في مرحلته الشعرية الأولى التي تميزت بطابع رومانسي إلى حد بعيد· وفي الغرفة الثالثة ينفرد عفيفي مطر بذاته ليجري أحاديثه مع السلطة والثقافة واللغة وهو طوال مسيرته يضع نفسه في الخانة المناقضة ويواجه السلطة وكانت مواجهته حادة وعنيفة وواضحة ورسم للسلطة شيئا رهيبا، وقدم لغة غير مسبوقة في تاريخ الشعرية العربية، وفي هذه الغرفة يوجه نظره في كل الاتجاهات لذلك فهو يستحضر مفردات وتراكيب قديمة ومجهولة في اللغة ويحييها في قصائده·
احتمل ما زرعت يداك!
وقال الشاعر حلمي سالم إن شأن عفيفي مطر معنا 'يقصد جيل السبعينيات' شأن الشاعر الذي قال: 'أعلمه الرماية كل يوم ولما اشتد ساعده رماني'، وذاك كان شأنه معنا نحن وكل الأجيال التالية عليه تأثرنا به وتعلمنا منه وهذا أيضا شأننا معه، علمنا الرماية ولما اشتد ساعدنا رميناه، وهذا قدر الرائد وطيش الأبناء وربما حقهم وهذه الرمايات متعددة مارستها كل الأجيال التالية لعفيفي مطر حتى اليوم وبعضها خشن وقاس والآخر لين وحنون ولكنها جميعا تنطلق من محبة الابن للأب والتابع للرائد كما أنها في نفس الوقت تنطوي على رغبة الابن في قتل الأب كجزء من محبته ونحن في سبعينه نقول له احتمل ما زرعت يداك· الندوة حضرها عدد من المثقفين العراقيين منهم الناقدة د· فريال غزول والكاتبة بثينة الناصري والشاعر العراقي سامي مهدي الذي ألقى كلمة قصيرة تصلح لوصف الأجواء الجاسوسية التي عاشها مطر مع المثقفين العراقيين في السبعينيات والثمانينيات وقال: عرفت عفيفي مطر في بغداد وكلما أفكر في الفترة التي عايشته فيها اكتشف أن المسكوت عنه فيها كان اكثر من المصرح به وبعد طول تفكير توصلت إلى أن ما كان ينبغي أن يسكت عنه في هذه الفترة ينبغي أن يظل مسكوتا عنه للأبد! وقدم الناقد د· شاكر عبدالحميد نائب رئيس أكاديمية الفنون المصرية دراسة بعنوان 'فرح الصمت' حول أشعار عفيفي مطر وقال إن مفردة 'الصمت' منتشرة في قصائده بكثرة، وعناوين دواوينه تحتوي على مفردة الصمت، وهي تأتي على هيئات متعددة مرة سكون ومرة نوم ومرة موت وهكذا كما أنها تحضر في بدايات القصائد وفي نهاياتها وترتبط بالزمان والمكان وأيضا بأشياء الإنسان وأعضائه مثل حناجر الصمت وأرجوحة الصمت وملابس الصمت· والصمت مرتبط بكل شعر عفيفي مطر والملاحظ انه يقل كلما تقدم في تجربته وعمره، وهذا يدلل على أن شعره منذ بداياته يتحرك من البساطة إلى التركيب ومن البحث للاكتشاف ومن الصمت إلى الصوت ومن الصمت الخارجي المرتبط بالأداء العادي الخاص إلى التوغل في أعماق اللغة والانتقال من النظام اللغوي العام وهو الكلام إلى النظام الخاص والمتعمق وهو اللغة·

اقرأ أيضا